Define your generation here. Generation What

فكرة فوق الشجرة

طرقت الفكرة باب المؤسسة طالبة مأوى من عتي الزمان، فإذا بالمؤسسة تطلب منها ترك عباءتها الملونة خارج الأسوار إذا أرادت الأمان، فما كان من الفكرة إلا أن خلعت الرداء وجلبت الألوان.

بينما كنت أطالع ملف “العصف الذهني” خاصتي، وهو عبارة عن مكان أسطر فيه نباحي السفسطائي، من نوعية “بحر إسكندرية هو أقل بحور العالم نسبة من حيث عدد الغارقين في مياهه عشان الناس بتموت بره هي وبتعدي الكورنيش”، استوقفتني إحدى القصاصات من تاريخ 6 أكتوبر 2011؛ حيث يصرح المشير طنطاوي “بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير التى فجرها شباب مصر وحمل لواءها وحمتها وتحافظ عليها القوات المسلحة“، وأظن أن ما ضاعف لماعيّة هذه الجملة عما سواها هو ولعي المتجذر بالتناقضات.

ولعل من أكثر أنواع التناقضات المحببة إليّ ما يعرف بالأكسيمور “Oxymore” أو التناقض الظاهري الذي يجمع بين مصطلحين أو مفهومين يفترض أصلا تنافرهما. من أمثلة ذلك أن تصف الجرح بأنه لذيذ، أو أن تتحدث عن “واقع افتراضي” أو “فوضى خلاقة”؛ ففي بعض هذه الحالات قد تفاجئك قدرة التناقض على وصف الحقيقة، وهو في الأساس دور هذه الأداة اللغوية، وفي حالات أخرى يكون القصد من وراء استخدامها هو خلق حقيقة شاعرية غير واقعية أو التعبير عن عبثية الموقف الموصوف، كأن تبعث الشمس البرد في أعضائك أو أن تنعت الحرب بالحضارية.

(أ‌) 25 يناير.. الفكرة والمؤسسة

يقول “إنجلز” إن الدولة ليست بقوة خارجية مفروضة على المجتمع وليست واقعًا لفكرة أخلاقية، بل هي منتج للمجتمع نفسه واعتراف بأن هذا الأخير قد وقع في تناقض داخلي بين الطبقات الاجتماعية المكونة له، وبحيث لا يمكن فض الاشتباك بين المصالح الاقتصادية المتضادة والحؤول دون استنزاف المجتمع في صراع عبثي، إلا من خلال سلطة عليا تخفف النزاع وتبقي على النظام، وبالتالي يجب على هذه السلطة أن تسمو على المجتمع ذاته. وفي السياق نفسه، يرى ماركس أن الدولة جهاز سلطوي يهدف إلى سيطرة طبقة معينة على غيرها من خلال خلق نظام يشرعن هذه السيطرة ويدير النزاع الطبقي.

 كل دولة تفرز نظامًا سياسيًا هو الأسلوب الذي اختارته لتنظيم سلطاتها من خلال مؤسساتها (الحكومة، البرلمان، الجهاز القضائي، الجيش، الشرطة…)، والسلوك المقنن الذي تمارسه هذه المؤسسات (الشفافية، المسؤولية، المحاسبة، غياب الفساد…)، أي أن لكل نظام سياسي شقين: أحدهما هيكلي أو تنظيمي، والآخر سلوكي تترجمه العقلية الحاكمة.

تنص المادة الأولى من الدستور المصري لسنة 1971 على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديموقراطي، وتحدد المادة الخامسة أن النظام السياسي يقوم على أساس مبدأ تعدد الأحزاب في إطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري ومنها التضامن الاجتماعي (م 7) وتكافؤ الفرص (م 8) ورعاية النشء والشباب (م 10) وكفالة حق العمل للمواطنين (م 13) والتأمين الصحي والاجتماعي (م 17).. وغيرها من المبادئ التي يمكن مطالعتها في الباب الثاني من دستور سنة 1971، والتي يفترض أنها كانت تسير العقلية الحاكمة في مصر آنذاك.

في ظل دستور 1971، قامت ثورة 25 يناير، ولم يكن من ضمن أهدافها إسقاط الدولة المصرية، بل طالبت بإسقاط النظام، ويتبين من مطالبها أن الشق السلوكي من النظام هو الذي كان مستهدفًا، وليس مؤسساته، فالدعوات كانت إلى إصلاح جهاز الشرطة لا إلغاؤه تحقيقًا للكرامة الإنسانية، والهتاف بالعدالة الاجتماعية يقصد به تقويم الممارسات الحكومية التي دفعت بعض الشباب إلى الانتحار من كباري المحروسة، ولم يكن هتافًا أناركيًا إلغائيًا، والمطالبة بمعرفة تفاصيل ميزانية المؤسسة العسكرية هي مكون لحرية الحصول على المعلومة وليست دعوة لإقفال أبواب الجيش.

الثورة بطبيعتها هي رفض لنظام قائم، طرد لعقلية حاكمة، لفظ لأبوية متأصلة، نزع لقدسيات متوارثة، لا يحدها حد لأنها فكرة، متجددة، متفاعلة، وبالتالي يفترض فيمن يحمل لواءها ويحافظ عليها ويحميها أن يكون بذاته قادرًا على فهم ماهيتها ومقبلا على تبني سلوكها، فكيف يتأتى أن يكون هذا القائد مؤسسة، مستقرة، جامدة، قائمة على العقلية نفسها التي خرجت الثورة عليها، كيف يتأتى الجمع بين الداعي أصلًا للتغيير والمنادي دومًا بالاستقرار. ومن هنا نعود إلى الأكسيمور في تصريح المشير طنطاوي.

1- من بين التفسيرات الجاهزة لهذا التناقض هو النقد الأساسي الموجه إلى ثورة 25 يناير؛ فالفكرة لم تأت بمؤسسة بديلة تحل محل المخلوعة، فتم ملء هذا الفراغ من قبل المجلس العسكري لفترة، ثم من قبل الإخوان المسلمين، وهم أقدر جهتين من المشاركين في الثورة على تقديم المؤسسة الجاهزة للاستهلاك، وفي هذا النقد قصور في فهم حالة 25 يناير، فهي لم تأت لتدمر أو تستبدل، بل جاءت لنزع دوائر القداسة في المجتمع والمواضيع التي تناقش فيه، رفضت أول ما رفضت القدسية الأبوية المتجلية في “اعتبره أبوك يا أخي” بعد خطاب مبارك.

الثورة لم تأت بنظام بديل، وذلك لأنها جاءت بمبادئ عامة تستوعب كل فئات الشعب وطوائفه، وبدأت في بلورة خصوصياتها مع الوقت، فبعض من ينتقدون قعود الثورة عن إنتاج بديل يغيب عنهم أن تحقيق أهدافها لا يلزمه سوى “امتناع” وليس عمل في صورة خطة ونظام، فتحقيق العدالة الاجتماعية يكون بالامتناع عن”الفساد وإهدار المال العام، وتحقيق الكرامة الإنسانية” بالامتناع “عن تعذيب المواطنين في السجون، وتحقيق الحرية يكون”بالامتناع عن”دخول بيوت الناس عنوة والزج بهم في محالك السجون”، وكذا بالامتناع عن “القبض على من يتظاهر في الشارع مطالبًا بحقوقه”، وما عدا ذلك كان سيتكشف تدريجيًا من خلال جمعية تأسيسية تتمثل فيها طوائف الشعب تمثيلا متوازنًا، على أن هذه العقلية التي سيرت الثورة تم تقويضها بفعل استفتاء 19 مارس وتبعاته من انتخابات ودستور غير جامع إلى آخر القصيدة.

الثورة خلق تدريجي للنظام من خلال نزع القدسية الموروثة وإحلال التفاعل الطبقي الأفقي محل العلاقة الرأسية المؤسسية. ويمكن النظر للإسلام، من حيث كونه حدثًا تاريخيًا، للتدليل على ذلك.

 فالرسالة المحمدية أخلص تجسيد لهذه العلاقة المضطربة بين الفكرة والمؤسسة، فالفكرة الأساس نزعت قدسية اللات والعزي وزلزلت أواصر المجتمع الجاهلي في عمق أعماقه من خلال أفكار تقدمية كالحرية والمساواة والعدل، فالوحي لم ينزل إطارًا مؤسسيًا واحدًا، بل أحكامه قننت تدريجيًا ونبعت من احتكاك مباشر بالواقع (نوع الخطاب في الآيات المكية والمدنية، تحريم الخمر…)، وفصلت مقاصد عامة كانت هي بذاتها نواة الحركة الثورية في المجتمع الجاهلي.

 وقد يظهر ادعاء أن الوحي في ذاته كان تأطيرًا ومأسسة، إلا أن مثل هذا القول يغفل أن الوحي كان في الغالب تثبيتًا لرأي بين آراء طرحت في مسألة معروضة للنقاش العام كمسألة معاملة الأسرى (المقصود بالعام هنا الشورى كنظام سياسي هيكلي وسلوكي)، وإن كان ذلك لا ينفي أن الفكرة ما لبثت أن فقدت حركيتها وأنتجت مؤسسات أفرزت قدسية جديدة تلفظ ما تراه متعارضًا مع تصورها هي عن الفكرة المبتدأ، ويمكن التأريخ لبداية هذه الفترة من عهد خلافة عثمان بن عفان؛ حيث أصبحت المحاباة- لا الكفاءة كما كان الحال في عهد عمر- أساس الولاية على الأمصار، وانتهت لاحقًا بتحقق نبوءة أبو سفيان الذي قال بعد انعقاد البيعة لعثمان “يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان (يقصد اللات والعزى) ما زلت أرجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة”.

2-  بعيدًا عن الهتافات الشوفينية المقيتة، المؤسسة العسكرية هي الصورة الحية للنظام الذي خرج عليه المصريون في 25 يناير وليس خروجًا على فكرة الجيش من حيث كونها ضرورة أساسية لحماية الوطن وسلامة أراضيه، فهو إذًا ليس هجومًا على الجيش في عالم الأفكار، بل هو نقد لتجلياته في العالم المحسوس.

دعوات الاستقرار وآفة دوران عجلة الإنتاج من الطبيعي أن تجد صداها داخل المؤسسة العسكرية؛ فإذا كانت النسب المتداولة لحصة المؤسسة العسكرية من الاقتصاد المصري (5 الـ 60 % باختلاف التقديرات) صحيحة؛ فإن الاضطراب المصاحب للثورة يضر بهذه البنية الاقتصادية، وحتى في حالة خطأ ومبالغة هذه الأرقام، فإن غياب هذا التقدير هو تجسيد أكبر لما تحدثنا به من أبوية وغياب الشفافية.

هذا وقد تمت دسترة ما سبق في نص المادة المادة 203 من دستور سنة 2014، والتي عصفت بمبدأ الشفافية في مناقشة موازنة القوات المسلحة وسمحت بإدراجها رقمًا واحدًا في الموازنة العامة للدولة، دون أن يكون للشعب أي رأي في مناقشتها من خلال نوابه.

(هل تعلم أن الجيش الأمريكي كان قد طلب في 2014 تخصيص مبلغ 1.3 بليون دولار للاستثمار في مراكز صحية لجنوده ومكتبات ومراكز تعليم قيادة السيارات، وحصل بالفعل على مبلغ 1.5 بليون دولار في سبيل ذلك، هل تعلم أن بإمكانك معرفة نوعية الطائرات التي يريد سلاح الجو الاستثمار في تطويرها، كل ذلك وغيره متاح على موقع وزارة الدفاع، وهل تعلم أن القوات المسلحة الفرنسية مضطرة لتخفيض أعدادها نظرًا لأن الحكومة المدنية تريد تقليل 4% من الإنفاق العام بحلول عام 2017، أي أن حكومة مدنية حددت للجيش الفرنسي المحارب في جبهات عدة في أفغانستان ومالي وإفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى الحوادث الإرهابية الداخلية مخصصاته من الموازنة العامة دون خروج جوقة الحناجر المغردة بالسرية والأمن الوطني).

فالعقلية الحاكمة في المؤسسة العسكرية لا تملك أصلا أن تحكم بأفكار ومبادئ الثورة من “حرية وعدالة اجتماعية وكرامة”، من حيث كونها مبادئ تغاير تمامًا ما يقوم عليه نظامها (مش عشان مش عايز أديك، أنا مش قادر أديك)، فالمواطن بالمبدأ لا يملك حرية اختيار الالتحاق بالجيش، وامتيازات العسكرية المصرية لا تتواءم مع فكرة العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية قد بلغت مداها كما رأينا في 9 مارس 2011 (كشوف العذرية وتصريحات السيسي بعدها أن ما حدث كان لحماية كل من البنت والجنود).

 فالتغيير في ذاته مرفوض، مهما كان شكله؛ لأنه يضر بالمركزية والمصالح المحصنة، ودليل ذلك على سبيل المثال، استمرار تعزيز قدرات الحرب التقليدية عوضًا عن الاستثمار في قوات التدخل السريع لمكافحة الإرهاب في سيناء؛ لأن هذا التحول  سوف يمكِن ضباط الصف وقوات العمليات الخاصة على حساب القيادة التقليدية (الشروق، 21 يوليو 2015)، فالعقلية إذن تكلفنا جنودنا للحفاظ على امتيازاتها، والعقلية ذاتها تعتبر أن من واجبها “تربية الشعب”، وتصرح بأنها ليست بحاجة لتقديم برنامج في الانتخابات الرئاسية- وبالتالي كشف حساب- طالما كان الشعب هو الذي دعاها لتولي مقاليد الحكم.

(ب‌) 30 يونيو.. المؤسسة وظل المؤسسة

كما بينّا في النقطة (أ)، الثورة خروج على العقلية الحاكمة للمجتمع، وبالتالي يفترض فيها تبنيها لعقلية مغايرة مبنية على أسس ومبادئ مختلفة عن تلك المؤسِسة (بكسر أول سين) للنظام القائم. فكما كانت 25 يناير ثورة ضد الفساد والاستبداد وغياب سيادة القانون والعدل الاجتماعي؛ فإن30 يونيو-  بفرض كونها ثورة أو موجة ثورية جديدة- قد حركها محوران أساسيان ضد النظام الحاكم: أخونة الدولة والخلط بين الدين والسياسة.

1- بعد 30 يونيو، يفترض إذن في النظام القائم أن يرفض التمكين لأهله وعشيرته من مفاصل الدولة، أي ألا يكون رأس النظام متبنيًا لعقلية العسكرة (مصطلح العسكرة لا يقصد به سوى تفادي تكرار مصطلح التمكين للقوات المسلحة) فبذلك تتحقق المغايرة ونكون بصدد ثورة.

العسكرة لها صور عدة، لن أتحدث عن السياسي منها الذي رأينا ومضاته أيام المجلس العسكري؛ حيث كان الأخير يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية ويملك سلطة التشريع، بينما كانت الحكومة واتحاد الإذاعة والتليفزيون في يد رجالاته (أحمد شفيق وطارق المهدي)، ولن أتحدث عن تجلياته الحالية سواء من حيث خلفية الرئيس الحالي أو التمهيد المستمر لتولي مهاب مميش رئاسة الوزراء أو حتى عدد المحافظين من ذوي الخلفية المباركة (20 من أصل 27 محافظة)، ودعنا من الأشكال الاقتصادية للعسكرة سواء من ناحية احتكار المشاريع القومية أو إقراض البنك المركزي مبالغ دولارية (يفترض أن تكون في خرانة الدولة) أو سد العجز في السلع الأساسية من خلال منافذ القوات المسلحة (بس الإخوان بيوزعوا سكر وزيت)، وكفانا حديثًا عن أنماطه الاجتماعية التي دفعت الطفل المريض في افتتاح القناة الجديدة لارتداء الزي المبارك (بدلًا من زي طبيب أو محام)، والتي جنت على طفلة صغيرة سوف تحمل اسم “رافال” قلادة على صدرها بقية حياتها تمجيدًا في صفقة طائرات هي أصلا في صميم مهمة القوات المسلحة.

فلنترك كل ما سبق ولنحصر الحديث في أصل الحكاية، في الدستور، بحكم اعتباره المقنن للعقد الاجتماعي والعقلية الحاكمة، بحكم كونه المترجم للسياسي والاقتصادي والاجتماعي والفلسفي.

أولًا، ديباجة الدستور تسطر دور الجيش التاريخي منذ فجر التاريخ، وصولًا إلى دوره في حماية الثورة والانتصار للإرادة الشعبية، ولسنا نملك إنكار هذا الدور، ولكننا نتحدث عن رمزية التأريخ له في ديباجة دستور الدولة الجديد.

ثانيًا، المادة 152 التي تقيد سلطة رئيس الجمهورية في إرسال القوات المسلحة فى مهمه قتالية إلى خارج حدود الدولة، بأخذ رأى مجلس الدفاع الوطني في أحوال، وأخذ موافقته في أحوال أخرى (مطالعة الدساتير المقارنة في الولايات المتحدة وفرنسا يغيب فيها هذا التطلب الدستوري؛ حيث إن الحكومة ومجلس النواب هما المعنيان، بما يحيل القوات المسلحة في مصر لاعبًا أساسيًا في صناعة القرار لا بإمكانيات تطبيقه وجدواه فقط، وبخاصة أن مجلس الدفاع الوطني- وفقًا للدستور- أغلبيته من المؤسسة العسكرية، بواقع 8 من أصل 14 عضوًا).

ثالثًا، المادة 201 والتي تبقي على الدم النقي لوزارة الدفاع؛ حيث تنص على أن الوزير يعين من بين ضباط القوات المسلحة. (وزير دفاع فرنسا سياسي كان ناشطًا مع جمعية “شباب العمال المسيحيين”، ووزير دفاع الولايات المتحدة عالم فيزياء وأستاذ جامعي حاصل على دكتوراه في الكروموديناميكا الكمية، بل إن قانون الأمن الوطني الأمريكي لعام 2008- وللحفاظ على القيادة المدنية أو شبه المدنية للجيش- يشترط عدم تعيين أي عسكري سابق في منصب وزير دفاع ما لم يمر 7 سنوات على خروجه من الخدمة [قانون سنة 1947 كان يحددها بعشر سنوات[).

رابعًا، يضاف إلى المادة السابقة نص المادة 234، التي تمنع أي رئيس منتخب من تسمية وزير الدفاع دون الحصول على موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمدة دورتين متتاليتين في خرق صارخ للعملية الديموقراطية، والمضحك المبكي أن سبب استحداث هذه المادة هو محاولات الرئيس السابق السيطرة على الجيش، أي أن مبرر التحصين هو قيام مرسي بتسمية وزير دفاع قام بخلعه فيما بعد (اللا منطق متجليًا).

ومع إضافة المادة 203 الخاصة بموازنة القوات المسلحة وغياب الشفافية الديموقراطية في مناقشة بنودها، يتضح لنا أن دستور 2014، باعتباره المقنن للعقد الاجتماعي والعقلية الحاكمة، بحكم كونه المترجم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفلسفي، قد صاغ وضعًا متميزًا استئثاريًا (لكي لا ننعته بالشاذ) لمكون من مكونات المجتمع على حساب اللعبة الديموقراطية الجامعة، وبحيث يرفض منه بعد ذلك ادعاء كونه ممثلًا لقيمة ثورية طالما لم يختلف نهجه في التمكين لمقربيه عن ذاك المتبع في النظام السابق.

2- كما يفترض أيضًا، بعد 30 يونيو، ألا يستيقظ علينا أحدهم لادعاء أن الرسول قد صلى خلف الحاكم أو أن هذا الأخير نبي من أنبياء الله (أو طبيب فلاسفة)، ذلك أن هذا الخلط المقزز بين الدين والسياسة، والذي كان قد أحيا الصناديق الانتخابية بعد سباتها لتنطق بتأييدها للدين، هو إحدى الأسس المميزة لنظام الإخوان المسلمين الذي خرجت 30 يونيو عليه.

على أن المطالع للماضي قبل الحاضر، يرى أن المؤسسة العسكرية قد انتهجت مبدأ “دعه يعمل، دعه يمر” كلما انصب خلط الدين بالسياسة في خانة مصالحها، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك رؤيا شيخ الأزهر الإمام عبد الحليم محمود، قبيل حرب رمضان المجيدة، لرسول الله في المنام يعبر قناة السويس، ومعه علماء المسلمين والقوات المسلحة، فاستبشر محمود وأيقن بأن النصر آت، أو تطويع الشيخ الشعراوي لسورة الروم حتى يبرر الانتقال من المعسكر الشرقي إلى الغربي أيام السادات، وكذا شرعنته للانفتاح الاقتصادي من خلال الآيات القرأنية (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات).

إذن، لا يعد الخطاب الحالي لشيوخ السلطان خروجًا على نهج محمود من العقلية الحاكمة، فحين يفتى أحدهم بالضرب في المليان (علي جمعة) ويبرر آخر المجازر في ذكراها السنوية (بيان مشيخة الأزهر في 11 أغسطس 2015)، وحين يكون لمعسكر 30 يونيو رب وللمعارضين لهم رب آخر (علي الحجار)، وحين يكون السيسي ومحمد إبراهيم رجلان ابتعثهما الله، كما ابتعث وأرسل من قبل موسى وهارون، لتحقيق قول الله، يضحى الشعب إذن من الكفرة عبدة العجل الوثنيين.

كلمة أخيرة، إذا نظرت لهذا المقال بأنه هجوم على المؤسسة العسكرية، فقد فاتك يا عزيزي القصد والمنشود، فليس المهم شخص من في الحكم او انتماؤه أو خلفيته، بل إن العقلية- وحدها- هي المستهدفة، فكما كانت لمسة ميداس تحيل كل شيء ذهبًا، فإننا هنا بصدد لمسة العقلية الاستنساخية، التي ترى في الاختلاف خطرًا، بدلا من أن تراه إثراء، وطالما استمرت في الوجود، فإن الثورة مستمرة.

اعلان
 
 
أحمد القهوجي