Define your generation here. Generation What

الحكومة تكذب لتبرر رفضها تنفيذ مطلب الموظفين

يوم الاثنين 10-8-2015 أمام نقابة الصحفيين، وقف الآلاف من موظفي الضرائب العامة والضرائب على المبيعات والجمارك وتضامن معهم عدد من المعلمين وعمال هيئة النقل العام، وموظفي الآثار، والتنظيم والإدارة… ضد “قانون الخدمة المدنية”، رافعين لافتات تحمل شعار “باطل.. يسقط قانون السخرة”، “كادر عادل لتحفيز العاملين”، “مطالبنا يا ريس حياة كريمة”.

وقد  كانت ردود  الفعل على الوقفة متفاوتة، وبخاصة أن وقفة موظفي الضرائب تزامنت مع إضراب عدد من جراجات هيئة النقل العام للسبب نفسه. فيما يلي سوف أوجز بعضًا من المواقف التي ظهرت:

  1. فيما يخص مواقف الأفراد، كان هناك موقفان متضادان، أحدهما هو النشوة والحماسة ممن رأوا أن حركة الموظفين (ثورة) تعطي الأمل في موجة ثورية جديدة، كون هذه الآلاف قد صمدت تحت الشمس الحارقة أمام النقابة للاحتجاج على قانون الخدمة المدنية. كما وصفها البعض “ضربة شجاعة وقوية لهيبة الاستبداد وقبضته ولقانون منع التظاهر”. الموقف الآخر ممن يرون بأن الموظفين لا يريدون أن يعملوا، ولا يريدون المحاسبة، ويتمسكون بأجورهم التي تبتلع ربع الموازنة.
  2. تباين رد فعل الأحزاب والقوى السياسية من تظاهر الموظفين ما بين من يعلن تضامنه مع الموظفين في ثورتهم ضد “قانون الخدمة المدنية” مثل أحزاب:”التحالف الشعبي والعيش والحرية”، وحملة “نحو قانون عادل للعمل”، ومن يرى أن القانون يحتاج لضبط مثل حزب “المحافظين”، ومن يري أن القوانين تمثل هيبة الدولة ولا يجب مواجهتها بالاحتجاجات مثل حزب “الوفد”، في حين أضاف حزب “العدل” بأن التظاهر ضده ابتزاز لا يجب التراجع عنه[1].
  3. كان رد فعل الحكومة ممثلة في وزرائها ومسؤوليها، أن وجهت التهم سواء لكبار الموظفين الذين يدعمون حركة الاحتجاج على القانون، أو للقوى السياسية التي تدعم هذه الاحتجاجات كما أشار مستشار وزير التخطيط[2]. وقد عقد وزيرا المالية والتخطيط مؤتمرًا صحفيًا في يوم التظاهر نفسه بمقر مجلس الوزراء، للتأكيد على أنه لا تراجع عن القانون وأن لائحته التنفيذية ستصدر قريبًا، وأن القانون ضروري لإصلاح المنظومة الإدارية. وذكر أن القانون يتضمن العدالة في منظومة الأجور خاصة في الجهات الحكومية المختلفة، موضحًا أن هناك ما يثار حول عدم وجود فرص لزيادة الأجور وهو خطأ تمامًا؛ حيث إن المادة ٤٠ من قانون الخدمة المدنية تتيح نظام حوافز مرتبطًا بأداء وحصيلة معينة. وفي محاولة لكسب الرأي العام أشار وزير المالية إلى أن القدرات محدودة ويتم العمل على إعادة التوزيع لتمكين أكبر عدد من المصريين للاستفادة من هذه الموارد[3].
    كما أعلن وزير المالية أن الأطباء والمعلمين وعمال هيئة النقل العام غير مخاطبين أصلًا بقانون الخدمة المدنية[4].

 

لن أتحدث كثيرًا في ما يخص ردود الأفعال سواء المرحبة أو الرافضة لتظاهر الموظفين، وذلك كون أن العديد من التحقيقات الصحفية خلال الأيام السابقة قد تناولته، وربما يكون هناك مجال آخر للحديث بالتفصيل عنها، ولكن فقط لمن يرفضون التظاهر بحجة هيبة الدولة؛ فإنني أقول لهم إن التظاهر السلمي حق في كل دساتير قوانين العالم بما فيها الدستور المصري، وليس من اللائق أن يصدر عن حزب سياسي ما ينم عن تحريض النظام الحاكم على عدم الاستجابة لمطالب مواطنيه.

فيما يلي سوف أحاول قراءة أربع أطروحات لوزيري المالية والتخطيط، والتي أتت في إطار تبرير رفض تنفيذ مطلب الموظفين بإلغاء قانون الخدمة المدنية، وهي:

أن القانون هو اللبنة الأساسية في إصلاح المنظومة الإدارية- أن القانون يحقق العدالة في منظومة الأجور خاصة في الجهات الحكومية المختلفة- أن قدراتنا محدودة ويتم العمل على التوزيع لتمكين أكبر عدد ممكن من المصريين للاستفادة من الموارد. أن من جد وجد، وأن المادة ٤٠ من قانون الخدمة المدنية تتيح نظام حوافز مرتبطًا بأداء وحصيلة معينة.

أولًا: القانون يمثل اللبنة الأساسية في إصلاح المنظومة الإدارية

بالإضافة لكل الانتقادات التي وجهت للقانون من قبل، ولا داعي لتكرارها مرة أخرى[5]، إلا أنه حتى الآن لن يطبق القانون على الأطباء والمعلمين وعمال هيئة النقل العام، طبقًا لما ذكر وزيرا التخطيط والمالية، كما نفت غادة والي- وزيرة التضامن الاجتماعي- خضوع هيئة التأمينات الاجتماعية لقانون الخدمة المدنية[6]. وبالطبع فهو لن ينطبق على العاملين بالجيش والشرطة والقضاء، وأساتذة الجامعات، ومترو الأنفاق، وقطاع الاتصالات، ولا ينطبق على موظفي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء في بعض مواده، هذا بخلاف من سيعلنون فيما يلي استثنائهم من تطبيق القانون، وبخاصة أنهم يشيعون في قطاع مثل البريد أنهم لن ينطبق عليهم القانون غالبًا خشية تحركهم.

تُري هل يستطيع أحد الحديث عن إصلاح المنظومة الإدارية، والقانون الذي يتحدثون عن كونه اللبنة الأساسية في ذلك تتم منه كل هذه الاستثناءات مع بداية تطبيقه؟

ثانيًا: أن القانون يحقق العدالة في منظومة الأجور خاصة في الجهات الحكومية المختلفة

عندما يذكر في تحقيق عام 2009، أن رواتب رؤساء البنوك قفزت لدرجة أن أحد رؤساء البنوك بلغ راتبه الصافي فقط 33 مليون جنيه سنويًا، وهذا هو الحد الأقصى للرواتب التي توصلوا إليها وقتها، أما الأدنى فيقدر بنحو 3 ملايين جنيه للبنوك الصغيرة.. بخلاف ما يتقاضونه من أوعية أخرى كنسبة من الأرباح أو بدلات مجالس الإدارات أو بدلات اللجان سواء أكانت سياسات أم داخلية والمكافآت.. وغيرها[7].

وعندما نستمع لما ذكره المستشار هشام جنينة- رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات- أن الجهاز رصد شيكا بـ57 مليون جنيه، صادر باسم أحد وزراء الداخلية السابقين عام 2012، مشيرًا إلى أن 7 قيادات فقط بوزارة الداخلية يتقاضون بدلات مليون جنيه شهريًا عن حضور لجنة واحدة[8]

عندما يستمر من يتقاضون ملايين الجنيهات شهريًا كبدلات، كما هم وتصدر لهم الاستثناءات من تطبيق قانون الحد الأقصى للأجور، مثل: القضاة، والعاملين في البنوك، والبترول والاتصالات……

وعندما نعلم بأن نسبة البدلات من قيمة الأجور في الموازنة الجديدة هي 40%، وأن هناك عدم شفافية لدرجة أن 10 روابط من الموازنة لا تعمل، أهمها رابط «استخدامات قطاع الدفاع والأمن القومى»، ورابط «استخدامات قطاع النظام العام وشئون الأمن العام»، في موازنة الهيئات الخدمية[9]،[10].

وأن نسبة الزيادة في رواتب الأطباء في الموازنة الجديدة- رغم استثنائهم من تطبيق قانون الخدمة المدنية وما قد يترتب عليه من انتقاص في أجورهم- متدنية للغاية لم تتعد 2.6%، في مقابل زيادة بلغت 13% في مخصصات الأجور وتعويضات العاملين للموظفين في قطاع النظام العام وشئون السلامة العامة، والذي يشمل ﻭﻴﺘﻀﻤﻥ ﺨﺩﻤﺎﺕ ﺍﻟﺸﺭﻁﺔ ﻭﺍﻟﺴﺠﻭﻥ والحماية ضد الحريق وخدمات المحاكم ﻭﺍﻟﺘﻁﻭﻴﺭ فيه ﻤﺠﺎل ﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺸؤﻭﻥ ﺍﻟﺴﻼﻤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﺔ؛ وقطاع الشئون الاقتصادية الذى بلغت زيادة الرواتب فيه حوالى 6%[11].

هذا في الوقت الذي انتقصت فيه أجور الموظفين في الجهات التي سينطبق عليها القانون، فقد كشف مصدر حكومى عن أن تطبيق نظام الأجور الجديد المقرر بقانون الخدمة المدنية سيوفر للحكومة نحو 15 مليار جنيه لموازنة الدولة من بند الأجور، بخلاف ارتفاع حصيلة الضرائب المحصلة من ضريبة الدخل12

إذا قمنا باقتسام 218 مليار جنيه المخصصة للأجور في الموازنة الجديدة على 6 ملايين موظف، نجد الناتج في السنة 36.3 ألف، مما يعني أن متوسط أجر الموظف الموجود في الموازنة حاليًا هو 3 آلاف جنيه شهريًا، هذا في الوقت الذي لا يزيد ما يتقاضاه غالبية الموظفين على 1500 جنيه شهريًا.. فأين يذهب الفرق؟

 كل هذا في ظل عدم الشفافية، في ما هو ظاهر فقط، واضح الظلم البين بين قطاعات الموظفين الذين يتقاضون أجورهم جميعًا من الأموال العامة، أيًا كان مسماها، عن أية عدالة يتحدث وزير المالية؟

ثالثًا: إعادة التوزيع لتمكين أكبر عدد ممكن من المصريين للاستفادة من الموارد

في قراءة لـ “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” لكيفية تخفيض قيمة العجز من حوالى281 مليار جنيه في مشروع الموازنة الأولى إلى ما لا يتجاوز 251 مليار جنيه في الموازنة النهائية لعام 2015/ 2016، وجد أنه تم وفر 30 مليار جنيه تم تقديرها حسابيًّا في سويعات قليلة مرت بين رفض رئاسة الجمهورية لمشروع الموازنة الأولى وصدور المشروع النهائي فجر الأول من يوليو 2015/ 2016.

استند خفض عجز الموازنة العامة بمقدار 30 مليار جنيه إلى تخفيض المصروفات العامة بنحو 20 مليار جنيه، وزيادة متوقعة في الإيرادات العامة بنحو 10 مليارات جنيه. جاءت أهم البنود التي شهدت تراجعًا في المصروفات عن التقديرات الأولية المقدمة في منتصف يونيه ممثلة في تخفيض قدره 10 مليارات جنيه في بند الأجور وتعويضات العاملين، كما يمكن رصد تخفيض دعم السلع الغذائية من 38.4 مليار جنيه إلى 37.7 مليار جنيه.

وبالرجوع إلى ما ورد في البيان المالي الأولي عن الإنفاق على التعليم والصحة، يلاحظ تراجع الإنفاق على الصحة–شاملاً جميع البنود خارج قطاع الصحة، وكذلك البنود المتضمنة في إنفاق الهيئات الاقتصادية المرتبطة بالقطاع- بنحو 2 مليار جنيه دون ورود أي تفاصيل، كما تراجع الإنفاق على التعليم- بالمفهوم الواسع كذلك- من 120 إلى 118 مليار جنيه.

أما عن مخصصات مدفوعات الفوائد، فقد ارتفعت بصورة كبيرة، بلغ معدل زيادتها عن موازنة 2014/ 2015 نحو 23%، وشهدت مخصصات الباب الخامس الذي يشمل موازنة الجهات ذات الاعتماد الإجمالي الواحد زيادة كبيرة بنحو 12% عن موازنة العام الماضي[12].

مما يعني أن الحكومة عندما انتقصت من أجور الموظفين، لم يذهب ذلك لا للفقراء، ولا لمجالي الصحة أو التعليم، بل إن هذه المجالات انتقص مما كان مقررًا لها أيضًا لصالح مدفوعات الفوائد، ولصالح الجهات ذات الاعتماد الإجمالي الواحد.

رابعًا: أن من جدّ وجد، نظام حوافز مرتبط بأداء وحصيلة معينة

الحكومة تؤكد مفهومًا خاطئًا للجدية، رسخته لدى الموظفين الذين يعملون في جباية الأموال في أي مكان، سواء في المالية بكل أنواعها، أو البترول، أو أي مجال يكون الإنتاج به ماديًا، أو من يحصلون أموالًا للصناديق في الوزارات المختلفة، وهو أنهم من يأتون بالأموال ولهم حق فيها، وكأن هذه الأموال ليست الضرائب التي يدفعها الشعب كله، خصوصًا محدودي الدخل فيه، أو أن الثروات الطبيعية ليست ملكًا للشعب كله، وأن ما يقوم به الموظف ما هو إلا عمل مثله مثل أي عمل آخر من حقه أن يأخذ عليه أجرًا يجعله يعيش عيشة كريمة بغض النظر عن نوع العمل.

هذه النظرة تهدر أهمية الإنسان، وصحته، وتعليمه والخدمات التي تقدم له، وذلك من خلال إهدار قيمة عمل من يعملون في التعليم أو الصحة، أو أي مجال خدمي آخر.

من كل ما سبق، نستطيع أن نستخلص أن القانون الذي أصبحت الاستثناءات من تطبيقه هي الأغلبية، لا يصلح لأن يكون لبنة في الإصلاح الإداري للدولة، وأنه في ظل عدم الشفافية فيما يؤخذ من قرارات مالية، وفي ظل التمييز لقطاعات بعينها، والصرف لها ببزخ على حساب الفئات الأخري لا نستطيع الحديث عن عدالة لا في الأجور بين موظفي الدولة، ولا العدالة في نصيب كل المواطنين من الموازنة. وأن العمل بنظام نسبة من التحصيل هو نظام فاسد أصلاً، لا يعتد به لمعرفة مدى جدية الموظف أو إخلاصه في العمل.

إذا رغبت الحكومة في إصلاح حقيقي وعدالة حقيقة، فعليها أن تقوم بإلغاء كل نسب التحصيل على أي أموال، وأن تضع منظومة أجور واحدة  لكل من يعمل ويتقاضي أجره من الأموال العامة بالتساوي في كل القطاعات، وتضع حدًا أدنىللأجور وحدًا أقصى يضمن تضييق الفجوات بين الأجور، وتعمل على تطبيقه دون استثناءات في كل القطاعات.

وتضع نظام محاسبة لكل من يفسد أو ينحرف أو لا يقوم بعمله، دون استثناءات، وأن تكون هناك شفافية في كل ما يؤخذ من قرارات.

 


[3]اليوم السابع ، 10-8-2015،

 

[12]– مدي مصر، مصدر سابق

اعلان
 
 
فاطمة رمضان