Define your generation here. Generation What
هل تستطيع مصر تحقيق نمو مستدام عبر مواصلة الاقتراض؟
 
 

مع زيادة التحديات الأمنية التي تواجهها مصر والإجراءات التشريعية المتشددة التي تصدرت عناوين الصحف، يمثل نمو الناتج المحلي الإجمالي واحدة من النقاط المضيئة القليلة التي يمكن أن تشير إليها الحكومة كعلامة على النجاح.

كان نمو الناتج المحلي الإجمالي قد شهد انطلاقة مدوية مع بداية العام المالي 2014/2015، حيث بلغ معدل النمو 6.8 في المئة في الربع الأول من العام. ثم بدأ المعدل يتباطأ في الربع الثاني، حيث هبط معدل النمو إلى 4.3 في المئة. ومع حلول شهر مايو صرحت وزارة التخطيط أن معدل النمو في النصف الثاني من العام المالي سوف يستقر على الأرجح عند 3 في المئة.

وبالرغم من هذا التراجع الملحوظ قررت الحكومة إعلان توقعاتها بوصول معدل النمو إلى نسبة تراوح بين 4.5-5 في المئة للعام المالي الحالي، والذي بدأ في شهر يوليو، بل ووصوله إلى معدلات أعلى مع حلول العام المالي 2018/2019 تتراوح بين 6-7 في المئة.

يرى الخبراء أن هذا التوقع ليس أمرًا مضمونًا بأي شكل من الأشكال، ويمكن تفسير ذلك من خلال نظرة متعمقة على الناتج المحلي الإجمالي.

ما الذي يعنيه الناتج المحلي الإجمالي؟

يقيس الناتج المحلي الإجمالي نتائج النشاط الاقتصادي من خلال جمع إجمالي إنفاق المستهلكين والحكومة، والاستثمار، وصافي الصادرات على مدار عام واحد. ومن بين الانتقادات الموجهة لاستخدامه كمقياس لنجاح اقتصاد أي بلد أن زيادة الإنفاق تؤدي إلى زيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي، بغض النظر عن وجهة إنفاق هذه الأموال.

على المدى القصير يساهم المريض الذي يتكبد نفقة علاج غير فعال قد تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات في الناتج المحلي الإجمالي بشكل أكبر من العامل المنتج الذي يتلقى أجرًا متواضعًا. كما أن منازعة قضائية بشأن طلاق مرير، بنفقاتها القانونية الهائلة، تعد أفضل للناتج المحلي من زواج مستقر.

بالمقياس ذاته فإن أي إنفاق حكومي يزيد الناتج المحلي الإجمالي، سواء كان هذا الإنفاق في صالح اقتصاد البلد أم لا. وعلى مدار فترة الإنفاق السنوي يتساوى ضخ مليون جنيه في بناء سارية علم عملاقة في تأثيره على الناتج المحلي الإجمالي مع إنفاق مليون جنيه على إنشاء مراكز تدريب للعاملين على المهارات اللازمة.

وهكذا تستطيع الحكومة، على المدى القصير على الأقل، الاقتراض والإنفاق في سعيها إلى زيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وهذا ما كانت تفعله الحكومة المصرية في الفترة الأخيرة، كما يقول هاني جنينة رئيس قسم البحوث بشركة فاروس للوساطة في الأوراق المالية. فقد شهدت السنوات الأخيرة زيادة هائلة في الإنفاق العام، مع تدشين الدولة مشاريع ضخمة مثل التفريعة الجديدة لقناة السويس التي جرى افتتاحها الأسبوع قبل الماضي. ومع ركود عوائد الضرائب والسياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة يقوم قسم كبير من الإنفاق على هذه المشروعات على الاقتراض.

يقول جنينة: “ليس هذا أفضل الخيارات، لكنه ليس أسوأها أيضًا. فالتدفق النقدي سوف يخفف الدين في النهاية”.

لا يوجد الكثير من المعلومات المعلنة عن حجم الأموال التي تضخها الحكومة في تلك المشروعات، أو عن مصادر تلك الأموال بالتحديد. لكن أحد الأرقام يشير إلى ضخامة حجمها: فقد جمعت مصر من خلال حث الشعب على شراء سندات قناة السويس– وهو ما يعني عمليا إقراض الحكومة- ما يزيد على 60 مليار جنيه مصري في الصيف الماضي.

وبحسب الأرقام الرسمية، وصل الناتج المحلي الإجمالي في مصر إلى 1.643 تريليون في العام المالي 2013/2014. وإن افترضنا أن ما أنفق لحفر تفريعة القناة على مدار العام الماضي هو نصف الستين مليار فقط، فإن هذا من شأنه أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2 في المئة، كما يوضح جنينة.

يقول محمد أبو باشا، الخبير الاقتصادي في بنك إي إف جي هرميس الاستثماري، إنه من الطبيعي أن تنفق الحكومات الأموال لإعطاء دفعة للاقتصاد؛ فهذه هي الفكرة أصلا من وراء برامج التحفيز.

ويضيف أبو باشا: “دائمًا ما ينتظر القطاع الخاص مبادرة الحكومة بالاستثمار أولا. من المهم جدًا أن تظل الحكومة هي القوة الدافعة لتسريع النمو وزيادة الثقة”.

كما أن المشاريع الحكومية تنفذها مجموعة مختلطة من مقاولي القطاع الخاص والحكومة والجيش، وهكذا لا تأتي الأموال جميعا من خزانة الدولة.

لكن جنينة عبر عن قلقه تجاه مصادر أموال الحكومة.

خلال السنوات الأولى القليلة بعد ثورة 2011 اعتمدت الحكومة على الاقتراض من البنوك المحلية- في شكل سندات- لتمويل احتياجاتها. ويقول جنينة إن نسبة الأصول البنكية من أذونات وسندات الخزانة كانت تصل إلى 25 في المئة عام 2010. وبحلول شهر يونيو من عام 2013 كانت قد وصلت إلى 40 في المئة.

بعدها ظلت النسب مستقرة بعض الشيء. حيث يشرح جنينة: “كانت البنوك مستعدة لتجديد مهلة سداد الديون، لكنها لم تكن ترغب في تقديم المزيد من القروض”. وعندما وصلت النسبة إلى 40 في المئة كانت هذه هي النهاية بالنسبة للبنوك ولسان حالها يقول “لم نعد قادرين على أكثر من ذلك”.

وقتها حان دور اللجوء إلى المنح. غير أن هذا المنبع يبدو وأنه قد جف بدوره.

بعد محاولات إنقاذ متكررة من دول الخليج الداعمة للسيسي خفضت مصر حجم المعونات المتوقعة بشكل كبير. ولذلك فإن ميزانية عام 2015/2016 تتوقع منحا قدرها 2.2 مليار جنيه مصري فقط، مقارنة بمنح العام السابق التي وصلت إلى 23.5 مليار جنيه. ويقول جنينة: “إن مجلس التعاون الخليجي ليس على استعداد أن يعطينا شيكا على بياض”.

بدلًا من ذلك، تعتمد الحكومة على الاقتراض من الخارج، مثل الإيداعات التي تلقاها البنك المركزي والتي بلغت 6 مليارات في بداية العام، أو السندات الأوروبية التي بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار والتي صدرت في شهر يونيو. ويقول جنينة إن هذا مؤشر على أن مصر قد استنفدت كل مصادر الاقتراض المستدامة.

ويضيف: “نحن نتجه إلى منطقة الخطر. وسوف يشكل ذلك مشكلات ضخمة إذا لم تستعد التدفقات النقدية المستدامة عافيتها”.

لكن أبو باشا يبدو أكثر تفاؤلا. فهو يقول إن تنفيذ المشروعات الناتجة عن مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي سوف يبدأ على مدار العامين المقبلين. “سوف تدخل المشروعات التي حصلت بالفعل على الموافقة في طور التنفيذ”.

في هذه الحالة سوف يجنب ذلك مصر كارثة محتملة، كما سوف يمكنها من تثبيت أقدامها لسنوات مقبلة.

يمثل إنفاق الحكومة على الاستثمار مجازفة مقصودة: فإذا نجحت المشروعات الضخمة مثل التوسع في قناة السويس، سوف يأتي ذلك بعائد أكبر من الأموال التي أنفقت، مع ارتفاع قصير المدى في الناتج المحلي الإجمالي بسبب إنفاق الحكومة الذي يساهم في إعطاء دفعة مستدامة للنشاط الاقتصادي.

غير أنه إذا لم تولد تلك المشاريع الهائلة تصاعدا في الاستثمارات والإنتاج، فإن مصر قد تواجه صعوبة في سداد ديونها أو الحصول على قروض جديدة، وقد تضطر وقتها إلى التقشف.

ويتوقع خبراء الاقتصاد انخفاضًا في معدل النمو على المدى القصير.

بدأ هذا الانخفاض بالفعل عندما عجزت نتائج الأرباع السنوية المتتالية عن الوصول إلى معدل النمو القوي الذي جاء في تقارير الربع الأول من عام 2014/2015.

يوضح جنينة: “هناك تفاوت كبير بين المواسم في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. عادة ما يكون فصل الشتاء أكثر بطئا”.

وإلى أن تصرح الحكومة بمعلومات عن الربع السنوي الرابع- من شهر إبريل وحتى يونيو 2015- لن نستطيع الجزم إن كان ضعف النمو خلال بضعة أرباع سنوية متتالية مؤشرًا على انخفاض في معدل النمو على المدى الطويل.

لكن جنينة يقول إننا نرى بالفعل علامات انخفاض في المعدل في قطاعات رئيسية، مثل قطاع العقارات. ويضيف: “لكن علينا الانتظار لنتأكد إن كان ذلك يعني تراجعًا أم لا”.

قامت شركة أبو باشا بمراجعة تقديراتها للنمو بعد شهر إبريل، والتي أصبحت أقل تفاؤلًا من الحكومة في ما يخص العام المقبل: “تشير توقعاتنا إلى معدل يبلغ 4.5 في المئة”.

أما بالنسبة لوصول معدل النمو في السنوات القليلة القادمة إلى 6 في المئة فيقول جنينة: “لن يتحقق ذلك بكل تأكيد”.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن