Define your generation here. Generation What
لهذا يضرب العطش ريف مصر
 
 

ترجمة: أميرة المصري

في يوم شديد الحرارة في شهر يونيو انتشرت في لمح البصر شائعات عن عودة عربات نقل المياه للمرور على عزبة الطويل. وفي غضون دقائق احتشد مئات الرجال والنساء والأطفال على الطريق الرئيسي بالبلدة ومعهم كل ما استطاعوا حمله من جراكن وأوعية.

في محاولة للهروب من الشمس الحارقة كان أسامة سيد وابنه أحمد ذي السبعة أعوام يستظل بإحدى الشجيرات حين تحدثنا إليه. يقول سيد: “كأن الزمن رجع بنا بدل ما يتقدم، لازم نقف بالجراكن ونستنى عربية المياه”. يضطر سيد وخمسة آلاف فلاح من سكان هذه القرية الصغيرة الواقعة في محافظة كفر الشيخ بالدلتا إلى الانتظار لساعات، وأحيانًا لأيام، للحصول على مياه للشرب، وذلك بسبب انقطاع المياه المتكرر لفترات طويلة في الصيف.

بعد نصف ساعة تظهر الشاحنة أخيرًا ليبدو الارتياح الكبير على وجوه الحشد المنتظر. يخرج السائق العجوز من السيارة مبشرا الجمع: “معانا يكفي الجميع. نظموا أنفسكم وافصلوا الرجال عن النساء”. يبدأ عاملان على الشاحنة في توزيع المياه، بينما يجمع عامل ثالث النقود من أهل القرية.

تجتاح مصر حاليًا أزمة مياه خطيرة، في البلد التي كانت توصف من قبل بأنها هبة النيل. فمع الزيادة السكانية ومخزون المياه المحدود بالبلاد أصبحت حصة الفرد من المياه في انخفاض مطرد سنويا.

تشير الأرقام الرسمية إلى انخفاض حصة الفرد السنوية من المياه في مصر لتصل إلى 663 متر مكعب في عام 2013 بعد أن كانت حصة الفرد تبلغ 2,526 مترًا مكعبا عام 1947. وبذلك أصبحت مصر بالفعل تحت خط فقر المياه الذي حددته الأمم المتحدة. وتتوقع الأمم المتحدة أن تحتدم أزمة المياه مع حلول عام 2025، إذ سوف تتضاءل حصة الفرد في مصر وقتها إلى نحو 500 متر مكعب.

أما بالنسبة لسيد ومن يعيشون مثله في القرى والمدن الصغيرة الواقعة خارج مراكز القوة والثراء بمصر فقد حلت الأزمة عليهم بالفعل.

مدينة بلقاس، التي تبلغ كثافتها 50 ألف نسمة، تعاني منذ شهر يونيو الماضي من نقصٍ حادٍ في المياه. يقول حسام، أحد سكان المدينة التابعة لمحافظة الدقهلية، شاكيًا: “مش لاقيين مياه للشرب ولا الاستحمام ولا التنظيف ولا لأي غرض. صحينا الصبح لقينا نفسنا في صحراء من غير ولا نقطة مياه”.

في نفس الأسبوع عانت مدينة الفيوم من انقطاع في المياه وصل حتى إلى مستشفيات المدينة. وبعد بضعة أيام هدد سكان الإسماعيلية بقطع الطريق التجاري السريع الممتد من قناة السويس بعد أن عاشوا أسبوعا كاملا بدون مياه. كما واجهت مدن كفر الشيخ وسوهاج وقنا وغيرها أزمات مشابهة على مدار الصيف.

وبالرغم من حجم المشكلة الهائل يقول الخبراء إن الحكومة لم تتخذ أية إجراءات تذكر لحل الأزمة، أو حتى لتخفيف معاناة من تأثروا بها.

لماذا الآن؟

تصدرت أزمات المياه- وما ترتب عليها من اضطرابات- عناوين الأخبار هذا الصيف، خاصة مع الارتفاع غير المسبوق في درجة الحرارة بدءًا من الأسبوع الماضي. لكن المشكلة بدأت في التفاقم منذ عام 2011، فوسط الفراغ الأمني الذي أعقب الثورة بدأ آلاف من سكان المناطق على أطراف القاهرة ومدن أخرى في إنشاء مبانٍ مخالفة وتوصيلها بشبكات المياه الحكومية الرسمية. وهكذا مُدّت عشرات الآلاف من المواسير المخالفة إلى مخزون المياه الذي يكفي المواطنين بهذه المناطق بالكاد.

ازداد الأمر سوءًا عندما قام الناس بتوصيل منازلهم بمواسير مؤقتة مخالفة، وهي مواسير سهلة الانكسار تسمح بتسريب المياه الثمينة إلى جوف الأرض. وطبقًا لتقرير نشره المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عام 2014، تؤدي حالة شبكة مواسير المياه المتردية الآن إلى تسريب ما يصل إلى 35 في المئة من مخزون المياه السكني الكلي إلى الأرض. وهذه كمية إذا استخدمت قد توفر مياهاًعذبة لعدد إضافي من السكان يصل إلى 11 مليون شخص.

في تلك الأثناء أخذ المسؤولون المصريون يتخبطون وسط اضطرابات ما بعد الثورة، فلم يفعلوا شيئًا يذكر لحل مشكلة المياه. يقول خالد واصف، المتحدث باسم وزارة الري والموارد المائية: “أزمة المياه ليست على قائمة أولويات الحكومة”.ويضيف أن الحكومة لا تخصص سوى جزء محدود من الميزانية المطلوبة لصيانة شبكة المياه سنويًا.

ورغم أن مسؤولية إدارة الموارد المائية مفرقة على وزارات وهيئات مختلفة، إلا أن أهم جهة مسؤولة عن توفير مياه نظيفة للمواطنين هي الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي. تعمل هذه الشركة الحكومية على تشغيل شبكة المواسير وصيانتها، إلا أنها تقول إن تمويلها انخفض عن الحد الأدنى المطلوب في السنوات الأخيرة بشكل جعلها غير قادرة على القيام بعملها.

في عام 2014 قدّرت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي احتياجها السنوي للقيام بعملها كما ينبغي بميزانية تصل إلى 15 مليار جنيه، من بينها 3.2 مليار جنيه للقيام بالصيانة الأساسية للشبكة الحالية فحسب. لكن مجلس الوزراء لم يخصص لها سوى 700 مليون جنيه فقط.

مع نقص التمويل اللازم تعطلت مشروعات قطاع المياه، باستثناء عدد محدود من المشروعات التي مولتها جهات مانحة أجنبية. أدى ذلك إلى حلقة مفرغة يلجأ فيها الناس إلى حلول اجتهادية غير قانونية تسرع من تدهور شبكة المياه. وكانت النتيجة انتشار أزمات المياه اليوم في كل مكان. قد يصل الانقطاع من بضع ساعات إلى يوم كامل في الأحياء الراقية مثل التجمع الخامس، أو إلى بضعة أيام في قرى مثل عزبة الطويل، وقد يمتد إلى خمس سنوات مثلما حدث في سندوب بالمنصورة، حيث اعتاد السكان على توفر المياه لمدة ساعتين في اليوم فقط.

عند انقطاع المياه لا يجد السكان حلًا سوى السوق السوداء الشرسة. فكثيرًا ما يقوم أشخاص من قرى تتوفر بها المياه بحمل الخزانات على شاحنات لنقلها إلى تجمع سكني قريب في حاجة إلى المياه- في مقابل ثمن بالطبع.

ويقول سكان مدينة بلقاس إن سعر زجاجة المياه أخذ يزداد يومًا بعد يوم منذ بداية شهر رمضان في يونيو. ومع وقوف عشرات الناس في صفوف أمام المحال والأكشاك منتظرين المياه باستماتة، تصاعد سعر زجاجة المياه سعة 1.5 لتر من 3 جنيهات إلى 10 جنيهات في غضون أيام.

المخاطر الصحية

كثيرًا ما يلجأ المصريون في مواجهة المخزون المتضائل إلى إجراءات مخالفة للمعايير الصحية لسد الفجوة، ما يؤدي في أغلب الأحيان إلى عواقب صحية خطيرة.

يقول محمد عبد الرازق، أستاذ كيمياء المياه بجامعة كفر الشيخ: “أعيش في كفر الشيخ. ولقد عرفت منذ الصغر أن المياه ملوثة بشكل كبير”. ويضيف أن عملية معالجة المياه الحالية تشبه “استخدام شبكة صيد لتنقية المياه”.

في مناطق مثل عزبة الطويل، حيث الحل المتاح لانقطاع المياه هو شراء المياه من عربات النقل من أماكن قريبة، تكون المياه المنقولة ملوثة بشدة في أكثر الأحيان. فالمزارعون المتطلعون إلى كسبٍ سريعٍ غالبًا ما ينقلون المياه في خزانات تستخدم عادة في نقل الجازولين. والأسوأ من ذلك أن تلك الشاحنات كثيرًا ما تعبئ المياه من أسهل مصدر للمياه، وقد يكون ذلك في أحيان كثيرة أقرب قناة للصرف الصحي.

يتحدث أسامة السيد عن المياه التي يشتريها من الشاحنة قائلًا: “عارفين كويس أن المياه بتيجي من أقرب مصدر ملوث، لكن ما عندناش أي بديل تاني”.

تمتلئ قنوات الصرف الصحي بمياه الصرف الزراعي المحملة بالأسمدة والمبيدات الذائبة، وتعد بيئة خصبة للكائنات المسببة للأمراض مثل البلهارسيا والبكتيريا الزرقاء. كما ثبت احتواؤها على معادن ثقيلة مثل الزئبق والزرنيخ والكادميوم المسرطن والرصاص بتركيزات عالية. في وقت سابق كانت مدينة كفر الشيخ الواقعة عند الطرف الشمالي من نهر النيل تنتج 40 في المئة من إجمالي ناتج مصر من الأسماك. أما اليوم فقد تسببت المياه الملوثة في تدمير المخزون السمكي. يقول عبد الرازق: “يضطر الصيادون إلى البحث عن مهن جديدة. حتى الأسماك تموت!”.

وزاد الأمر سوءًا بسبب قلة المياه التي جعلت مجرد الحفاظ على نظافة مخزون البلد الرسمي من المياه أكثر صعوبة على الحكومة. كانت وزارة الموارد المائية قد اعتادت فتح السدود لإطلاق دفعات إضافية من المياه العذبة لغسل التلوث الناتج عن الصرف الصناعي والزراعي. لكنها لم تعد قادرة على فعل ذلك الآن نظرًا لقلة المياه.

أدت كل هذه المشكلات الصحية للمياه اليوم إلى وجود نسبة مروعة من السكان تصل إلى 95.5 تشرب مياهاً غير معالجة بشكل صحيح، طبقًا لتقرير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

كما تساهم المخلفات المحلية في زيادة التلوث. فمع وصول نهر النيل إلى القاهرة يكون هناك 20 مليون مصري قد تخلصوا من مياه الصرف الخاصة بهم ومياه المجاري غير المعالجة في مجراه. وطبقًا لبحث أجراه المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لا تغطي شبكة المجاري سوى 24.7 في المئة من سكان المناطق الريفية إلى جانب 88 في المئة سكان المناطق الحضرية. ومع ذلك فحتى من تغطيهم شبكة المجاري يصرفون مخلفاتهم بالقرب من مصادر المياه العذبة في الكثير من الأحيان. وكثيرًا ما يبلّغ المواطنون عن عثورهم على سوائل خضراء أو صفراء تنبعث من صنابير المياه في الصباح.

يقول د. مازن عبد العزيز، الذي يعمل في مستشفى كفر الشيخ الحكومي: “مجرد السكن بجوار المياه الملوثة يضر الصحة العامة”. ويوضح عبد العزيز أن المياه التي يشربها الناس في المحافظة سامة بدرجة عالية. فهي تحتوي على معادن ثقيلة قد تؤدي إلى مجموعة كبيرة من الأمراض، بدءًا من الإسهال إلى فيروسات الكبد الوبائية ’أ‘ و’هـ‘ ووصولًا إلى الفشل الكلوي وأمراض الكلى، وحتى الأمراض النفسية. حتى الأشخاص الذين لا يشربون منها يأكلون من المحاصيل التي استخدمت هذه المياه في ريّها، ويكون الأشخاص المصابون بأمراض منقولة عبر المياه والغذاء، مثل فيروسات الكبد الوبائية ’أ‘ و’هـ‘، عرضة لأمراض أخرى أيضًا. ولهذا نجد في كفر الشيخ أعلى معدل إصابة بفيروسات الكبد الوبائية في مصر، وفقا لعبد العزيز.

حتى محاولات معالجة الناس من الإسهال والجفاف والآثار الأخرى المترتبة على قلة المياه وتلوثها قد أدت إلى كوارث أخرى بدورها؛ فقد توفي في الأسابيع الماضية سبعة أطفال على الأقل وأصيب عشرات آخرون بأمراض خطيرة بعد تلقيهم محلولا معيبا لمعالجة الجفاف في بني سويف.

مخرج للأزمة

لا توجد حلول سهلة أو سريعة لمشكلة نقص المياه أو المخاطر الصحية المترتبة عليها. غير أن إبراهيم سلمان، رئيس هيئة قنوات صرف وسط الدلتا، يقترح ثلاثة حلول ممكنة للأزمة.

الحل الأول هو ضخ المياه الجوفية، وهو أمر مكلف ويستغرق وقتًا طويلًا ويستنزف موارد المياه الجوفية المحدودة. والحل الثاني اعتماد تقنيات زراعية موفرة للمياه مثل الري بالتنقيط، بدلًا من تقنية الري بالغمر التي يستخدمها معظم المزراعين المصريين حتى اليوم. ويقول سلمان إن هذا حل طويل الأمد، ولكنه ليس حلًا يمكن تطبيقه بين يوم وليلة. أما الحل الثالث فهو تطوير طرق لإعادة تدوير المياه من قنوات الصرف. تحتوي تلك القنوات حاليًا للأسف على مخلّفات صناعية وزراعية سامة للغاية تمتزج بالمياه العذبة منخفضة السمية. ثم تستخدم هذه المياه مباشرة في الزراعة أو تعالج بشكل بدائي وتستخدم لأغراض محلية.

كان وزير الإسكان مصطفى مدبولي قد أعلن في العام الماضي أن جميع المصريين سوف يحصلون على شبكة مياه شرب وشبكة صرف خلال ثمان سنوات، شريطة أن تحصل الوزارة على التمويل الكافي من مجلس الوزراء. غير أنه حتى يتحقق ذلك فسوف يضطر آلاف الناس إلى الانتظار في الطوابير، واللجوء إلى السوق السوداء، والاجتهاد في تركيب مواسير متهالكة للحصول على قطرات من المياه.

اعلان