Define your generation here. Generation What
محمد زارع: منظومة العدالة أصابها خلل
 
 

حين أعلن مركز “القاهرة لدراسات حقوق الإنسان” في يوليو الماضي عن بدء قبول استمارات التقديم في الدورة الطلابية لحقوق الإنسان في دورتها رقم ٢٢، وخلالها يناقش المشتركون، من طالبات وطلبة الجامعات والمعاهد، موضوعات مُتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلاقتها بالثقافة العربية.. استقبل أكثر من ١٠٠ طلب في أول أيام فتح باب التقدم للمشاركة في الدورة، رغم الضغوط التي يتعرض لها المركز مؤخرًا.

كان قاضي التحقيق في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، قد أوفد يوم ١٠ يونيه الماضي لجنة من وزارة التضامن الاجتماعي للمركز، الذي أسسه الكاتب اليساري الراحل محمد السيد سعيد والحقوقي المُخضرم بهي الدين حسن، للتفتيش إذا ما كان المركز يقوم بنشاط الجمعيات الأهلية وفقًا لقانون الجمعيات الأهلية رقم ٨٤ لسنة ٢٠٠٢ أم لا؛ ما اعتبرته ٢٥ منظمة حقوقية لاحقًا في بيان صادر عنهم تنفيذًا، بطريق غير مباشر، للإنذار الذي وجهته الحكومة متمثلة في وزارة التضامن الاجتماعي العام الماضي لمنظمات المجتمع المدني بضرورة التسجيل وفقا لقانون الجمعيات الأهلية.

وربطت المنظمات الحقوقية- الموقعة على البيان- بين بدء التحقيق مع المركز والكلمة التي ألقاها بهي الدين حسن- مدير المركز- في ٢٨ مايو الماضي، ضمن جلسة استماع نظمتها لجنة حقوق الإنسان بالاتحاد الأوروبي، وجاء فيها إن “منظومة العدالة في مصر تواجه عملية تسييس ممنهجة، لتصبح خاضعة لرغبات الأجهزة الأمنية، فضلًا عن التعطيل المتعمد للنصوص والضمانات الدستورية التي يتم انتهاكها بشكل يومي على يد السلطة التنفيذية أو القضائية”. كما أشار حسن إلى الضغوط والتهديدات التي يتعرض لها العاملون في مجال حقوق الإنسان في مصر. ورأت المنظمات في بيانها أن خطوة التحقيق مع المركز هي انتقام بسبب هذه الكلمة.

لاحقًا، وفي ١٧ يونيه الماضي، نظّم مركز القاهرة احتفالا بمرور ٢١ عامًا على تأسيسه. وبدا الحفل مناسبة تضامنية أكثر منها احتفالية. إذ حضره نحو ١٥٠ ضيفًا، من بينهم وزراء سابقون، وسفراء وممثلو البعثات الدبلوماسية لعدد من الدول الأجنبية، وعبّر بعضهم في كلماته عن تضامنه مع المركز والمنظمات الحقوقية في مصر.

في ذلك السياق أتى حوار «مدى مصر» مع محمد زارع- مدير مكتب القاهرة للمركز. وأُجرى الحوار، في البداية، ضمن سلسلة حوارات مع الحركة الحقوقية المصرية، ثم تم استكماله لاحقًا بعد التطورات الأخيرة.

  • كيف تُقيم الخطر الحالي الذي يتعرض له مركز القاهرة والمنظمات الحقوقية في مصر؟

الخطر الذي يواجه منظمات حقوق الإنسان في الوقت الحالي هو خطر وجود، هناك رغبة في إنهاء منظمات حقوق الإنسان  التي تعمل منذ ٣٠ سنة في مصر. الإدارة الحالية ترى أن هذا النشاط لا يجب أن يستمر؛ نشاط هذه المنظمات يركز على استقلال القضاء والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة التعذيب والحلول السياسية السلمية للنزاعات والحوار المجتمعي، وكل هذه التوجهات تتناقض مع توجهات الإدارة الحالية التي لا ترى سوى الحلول الأمنية. في حين أن هذه المنظمات هي الصوت الأخير للمطالبة بالمحاسبة والملاذ الأخير لضحايا الانتهاكات، بعد الخلل الذي أصاب منظومة العدالة. هذه المنظمات تعمل كملاذ أخير لتوثيق شهادات هؤلاء والدفاع عنهم ومحاولة جبر الضرر الذي تعرضوا له. كل هذا يزعج الإدارة الحالية. المسألة لا ترتبط هنا بمصادر تمويل المنظمات أو القضية الإجرائية الخاصة بالتسجيل لدى وزارة التضامن الاجتماعي من عدمه، وإنما بنشاط هذه المنظمات.

في ذلك السياق، يمكن فهم إعلان وزارة التضامن الاجتماعي في ١٨ يوليو من العام الماضي، والذي أعطى المنظمات مهلة للتسجيل تم تجديدها حتى ١٠ نوفمبر من العام نفسه، وبعدها قالت وزارة التضامن إنها ستتعامل مع كل منظمة على حدة حسب حالة التسجيل. وقتها أرسلت ١٠ منظمات بيانًا للوزارة تطالبها بفتح حوار حول قانون الجمعيات الأهلية، وهو ما وعدت الوزارة بإجرائه تحت إشراف المجلس القومي لحقوق الإنسان، غير أن ذلك لم يحدث حتى الآن. ويبدو أن الحكومة من وقتها كان لديها نية لتحريك قضية منظمات المجتمع المدني مرة أخرى وهو ما حدث الآن. في ما يبدو أن هذا هو مفهوم الحكومة عن الحوار عن طريق الملاحقات القضائية.

التحقيق الحالي مع مركز القاهرة يتم ضمن قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني التي بدأت في ٢٠١١. هذه القضية بدأت بتقرير من لجنة تقصي حقائق شُكلت بقرار من مجلس الوزراء وقتها، وتضمن أسماء عدد كبير جدًا من منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية، ومزاعم أنها تلقت تمويلات غير قانونية، وبناء على ذلك عُين اثنين من قضاة التحقيق لمباشرة القضية، كلاهما كان رئيسًا بنيابة أمن الدولة طوارئ في عهد مبارك. ومنذ اليوم الأول تم الزج بالقضاء في هذه القضية، رغم أنها قضية سياسية بالأساس وليست قضائية، والدليل على ذلك أن القاضي الأول الذي نظر القضية في المحكمة تنحى عنها، وصرح لاحقًا بأنه مورست عليه ضغوط، بالإضافة إلى حملات التشويه الإعلامية والمداهمات التي تمت لعدد من المنظمات الدولية والمحلية أيضًا، ومن بينها مقر مركز القاهرة القديم الذي كنا قد غادرناه وقتها. وهو ما يؤكد ما قلته إن القضية مسيسة منذ البداية.

لاحقًا، صدر حكم في هذه القضية ضد العاملين في المنظمات الدولية في مصر، وبقي الشق الخاص بالمنظمات المحلية معلقًا بيد قاضي التحقيق كسيف مسلط على رءوس الجميع يمكن استخدامه في أي وقت، وهو ما يحدث الآن.

حتى الآن ما زالت هذه القضية تشهد استخدام القضاء فيها لأغراض سياسية، وبخاصة مع الوضع الحالي الذي أصبحت فيه سلطة القضاء محل شك، وهناك أمثلة عدة على ذلك مثل: قضية صحفيي الجزيرة وأحكام الإعدامات الجماعية. ما يتم الآن هو تصفية للمنظمات الحقوقية لكن عن طريق استخدام القضاء.

  • ذكرت في حديثك قانون الجمعيات الأهلية الحالي الصادر سنة ٢٠٠٢، والذي تطالب وزارة التضامن الاجتماعي منظمات المجتمع المدني بتوفيق أوضاعها وفقًا لمواده، وهناك أيضًا القانون الجديد الذي بدأ الحديث عنه في نهاية عام ٢٠١٣، وأثار جدلًا بين العاملين في مجال حقوق الإنسان، ما موقف مركز القاهرة سواء من القانون الحالي للجمعيات أو الآخر المرتقب إصداره؟

الحق في حرية تكوين الجمعيات الأهلية كان أحد القضايا التي عمل عليها المركز منذ نشأته في عام ١٩٩٣، وقدم مسودتين بديلتين لقوانين الجمعيات المطبقة في ذلك الوقت.

ففي عام ١٩٩٩، وأثناء مناقشة البرلمان للقانون رقم ١٥٣ لسنة ١٩٩٩، قدم المركز مسودة قانون بالاشتراك مع المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وجماعة تنمية الديمقراطية، وقام عدد من أعضاء البرلمان في ذلك الوقت بتبنيها. استندت المسودة التي طرحها المركز بالأساس إلى أحكام المواد رقم ٥٤ و٨٠ من القانون المدني التي كانت تنظم عمل الجمعيات الأهلية (تم إلغاء تلك المواد بموجب القانون رقم ٣٨٤ لسنة ١٩٥٦)، وكانت تتيح لها حرية الحركة دون قيود، كما كانت تعترف بحق الأفراد في تكوين جمعيات دون الحاجة لإثبات الشخصية الاعتبارية لها.

وفي عام ٢٠٠٩ قدم مركز القاهرة بالتعاون مع ٥٦ منظمة وجمعية حقوقية وتنموية مشروع قانون للجمعيات كبديل للقانون ٨٤ لسنة ٢٠٠٢ (المعمول به الآن)، وكمواجهة لمشروع قانون استبدادي كان يُعدّه الاتحاد العام للجمعيات الأهلية في ذلك الوقت.

بعد ثورة يناير، أعاد مركز القاهرة مرة أخرى طرح مشروع القانون الذي أعده سنة ٢٠٠٩، وتبناه عدد من الأحزاب السياسية مثل: المصري الديمقراطي الاجتماعي ومصر الحرية والتحالف الشعبي الاشتراكي. ولم نكتفِ فقط بطرح مشروع القانون، بل دخلنا في حوار مع ممثلين عن أحزاب سياسية وبرلمانيين وممثلي وزارة التضامن الاجتماعي حول ذلك المشروع. وبسبب خبرة مركز القاهرة في قوانين تكوين الجمعيات، تم استدعاؤنا أكثر من مرة سنة ٢٠١٢ لمناقشة القانون أمام مجلس الشعب، ولاحقًا أمام مجلس الشورى، وفي لجنة شكلها وزير العدل أحمد مكي سنة ٢٠١٣، وحتى بعد ٣ يوليو ٢٠١٣، شاركنا في حوار ضمن لجنة شكلها الدكتور أحمد البرعي- وزير التضامن وقتها- وبحضور ممثلين عن الحكومة والاتحاد العام والاتحادات الإقليمية للجمعيات الأهلية وطيف واسع من المنظمات الحقوقية والتنموية والخيرية وغيرها. وانتهت هذه اللجنة إلى مشروع قانون هو الأقرب للمعايير الدولية وأفضل ما قدمته الحكومة طوال السنوات الماضية. لاحقًا، تقدم البرعي بهذا المشروع لمجلس الوزراء لمناقشته، ثم حدث التغيير الوزاري وجاءت حكومة إبراهيم محلب، وكان أول قرار اتخذته وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي هو سحب مشروع القانون الذي تقدم به الدكتور البرعي، وتقدمت بمسودة قانون آخر لا نعلم عنه شيئًا ولم يجرِ حوله أي نقاش، في إهدار كامل لمجهودات استمرت لمدة ستة أشهر وعمل مكثف وحوار مجتمعي حقيقي جرى ضمن لجنة البرعي. لاحقًا أصدرت الوزارة إعلان مهلة للجمعيات الأهلية للتسجيل وفق قانون ٨٤ لسنة ٢٠٠٢، وتأجل إصدار القانون الجديد لحين انتخاب برلمان.

يرى مركز القاهرة أن مشكلة القانون رقم ٨٤ لسنة ٢٠٠٢ لا تنحصر في التمويل الأجنبي فقط، فصحيح أن التحكم في مصادر تمويل الجمعيات الأهلية يعتبر مدخلاً خلفيًاً للجهات الأمنية كي تتحكم في أنشطة هذه الجمعيات، إلا أن مشكلة القانون لا تقف فقط عند هذا الحد. فقانون الجمعيات يجعل جميع أمور الجمعية بيد وزارة التضامن الاجتماعي ومن ورائها الأجهزة الأمنية، فمن حق الجهة الإدارية/الأمن أن توافق على إشهار الجمعية أو تعترض عليه، ومن حقها حل الجمعية بناء على أسباب فضفاضة، ومن حقها إلغاء قرارات الجمعية العمومية، ومن حقها أن تعترض على المرشحين لانتخابات مجلس الإدارة، بل من حقها إلغاء نتيجة الانتخابات.

أما بخصوص التحكم في الموارد المالية للجمعية، فليس صحيحًا أن المشكلة تنحصر في التمويل الأجنبي فقط، فعلى سبيل المثال، لا يحق للجمعية جمع تبرعات من الجمهور إلا بعد موافقة وزارة التضامن الاجتماعي. صحيح أن القانون يتيح للجمعية تلقي أموال من مؤسسات وشركات (أشخاص اعتبارية) مصرية بمجرد الإخطار، إلا أن في الممارسة العملية تشترط الوزارة تقديم إقرار من الجمعية بأن لا تتصرف في الأموال إلا بعد موافقة الجهة الإدارية، وقطعاً هذا إقرار مخالف لصحيح القانون.

أما بخصوص التمويل الأجنبي؛ فادعاءات الحكومة أن القيود عليه لازمة لحماية الأمن القومي ليست صحيحة، بل الهدف من تلك القيود التعسفية هو التحكم في نشاط الجمعية؛ فإن كانت الجمعية ستقوم بنشاط توثيقي لحالات التعذيب في السجون، فيكفي لوزارة التضامن أن ترفض التمويل الخاص بهذا النشاط لتضع الجمعية في مأزق يمنعها من القيام بهذا النشاط على الوجه الأكمل. كما أنه غير صحيح أن المنظمات الحقوقية المصرية لم تلجأ للتمويل المحلي والتمويل من رجال الأعمال، ففي بداية حركة حقوق الإنسان قام بعض رجال الأعمال المصريين بتمويل بعض أنشطة المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إلا أن رجال الأعمال هؤلاء تلقوا تهديدات فتوقفوا عن ذلك.

وللتدليل على أن القيود على التمويل تستهدف التحكم في النشاط، فهناك واقعة حدثت بالفعل؛ حيث تلقت جمعيتان تمويلًا لمشروع للرعاية الاجتماعية لأسر السجناء، جاء التمويل من الجهة المانحة نفسها- إحدى الجهات التي تمول مشروعات للحكومة المصرية أيضًا-، وكانت كل جمعية ستنفذه في نطاق جغرافي مختلف. الغريب في الأمر، رغم تطابق المشروعين، ورغم أن الجهة المانحة واحدة للجمعيتين، قررت وزارة التضامن/ الأمن الموافقة على التمويل لإحدى الجمعيتين ومنعته عن الأخرى، برغم أن الجمعية الأخرى لها سمعة جيدة وخبرة واسعة في ذلك المجال. التفسير الوحيد لهذا الموقف هو أن الجهات الأمنية/ التضامن تريد معاقبة الجمعية الأخرى عن طريق عرقلة نشاطها.

الفكرة الأساسية في تطبيق قانون الجمعيات- وربما القوانين القمعية كافة- هو عدم وجود قواعد ومعايير محددة لتطبيقها؛ فالأمر متروك دائمًاً لتقدير الأجهزة الأمنية، ويساعدها في ذلك العبارات القانونية الفضفاضة التي تصاغ بها هذه القوانين. ففيما يتعلق بقانون الجمعيات على سبيل المثال، والذي تتميز مواده بأنها قمعية واستبدادية، يمكن التساهل مع جمعيات والتشدد مع جمعيات أخرى، وفي كثير من الحالات يكون التشدد غير مستند إلى القانون، فطبيعي أن نرى القانون يبيح أمرًا وتقيد الأجهزة الأمنية/ الوزارة ممارسته.

  • مركز القاهرة أحد أوائل المراكز الحقوقية التي تأسست في مصر، واستمر في عمله طوال ٢١ عامًا، كيف ترى تجربة المركز؟

مركز القاهرة منذ بدايته ومهمته الأساسية هي تغيير ثقافة حقوق الإنسان في العالم العربي. فالمركز يحاول استخلاص ثقافة حقوق الإنسان من الثقافة العربية، في نهج يحاول إثبات أن الثقافة العربية ليست معادية لحقوق الإنسان، وأن الأخيرة ليست فكرًا مستوردًا. ولذلك فمن ضمن أول الأنشطة التي نُظمت بعد افتتاح المركز، كانت المدرسة الطلابية التي كانت تُجرى في الإجازة الصيفية للجامعات. والفكرة الأساسية لهذه المدرسة هي مساعدة الطلبة، خلال دورة مكثفة لمدة ٣ أسابيع، على جعلهم أكثر انفتاحًا تجاه الآخر والأفكار المختلفة التي قد تسبب صدمة للبعض. بمعنى آخر، تغيير الثقافة (لديهم) وجعلهم أكثر قبولًا لفكرة أن هناك أشخاصًا مختلفون وأفكارًا متنوعة. أثرت المدرسة الصيفية لاحقًا في الحركة الحقوقية؛ عدد كبير من المدافعين عن حقوق الإنسان الذين عملوا لاحقًا في هذا المركز أو في غيره خرجوا من المدرسة الطلابية.

تركيز المركز على تغيير الثقافة لفترة طويلة، تسبب مثلًا في وجود مكتبة عامة في مقر المركز، مفتوحة للباحثين وطلبة الدراسات العليا للقراءة. أيضًا، نشر المركز خلال تاريخه عددًا كبيرًا من المطبوعات المتعلقة بحقوق الإنسان والثقافة العربية بلغت أكثر من ٥٠٠ مطبوعة.

مع الوقت، وجد مركز القاهرة أنه من المهم العمل من خلال الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان. المركز له صفة استشارية في مجلس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، وصفة مراقب في اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التابعة للاتحاد الإفريقي، وهذا يؤهلنا لحضور اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. فبجانب الثقافة بدأنا في التفكير في كيفية تفعيل الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان. ففي سنة ٢٠٠٧،  أسس المركز برنامج الحماية الدولية، ومن خلاله بدأنا في مساعدة المدافعين عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية عمومًا على التواصل مع الآليات الدولية مثل مجلس حقوق الإنسان والمقررين الخواص بالأمم المتحدة للمساعدة على تحسين أوضاع الإنسان في المنطقة. أسفر ذلك مثلًا عن مشاركة منتدى المنظمات المستقلة في اجتماع الآلية الدورية لاستعراض أوضاع حقوق الإنسان في العالم (UPR)، التابع للأمم المتحدة، سنة ٢٠١٠، وإعداد تقرير مفصل وتوصيات فعالة عن الأوضاع الحقوقية في مصر. سنة ٢٠١١، بعد الثورة، بدأنا برنامج “مصر.. خارطة الطريق”. وكانت الفكرة كما جاءت في البيان الذي أصدره ائتلاف المنظمات المستقلة يوم ١٢ فبراير ٢٠١١ بعنوان “تحيا الثورة.. خارطة الطريق نحو إرساء دولة العدل والقانون”، هي تقديم عدد من المقترحات العملية لإصلاح البيئة التشريعية وإصلاح مؤسسات المحاسبة على جرائم الماضي وعدد من البنود الطموحة. مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أنه لا توجد نوايا تجاه التحول الديموقراطي. فتحول برنامج “مصر.. خارطة الطريق” إلى مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان وبالتحديد الهجوم على منظمات المجتمع المدني سواء في قضية التمويل الأجنبي أو التصدي لعدد من القوانين القمعية.

في المجمل، تركيز مركز القاهرة كان على تغيير الثقافة في عدد من القضايا مثل رفض التعذيب- وهو الأمر الذي كان مقبولًا مجتمعيًا- والدفاع عن الحريات الإعلامية وانتقاد الممارسات السلطوية في ظل حالة الطوارئ، وربما نجح المركز مع الحركة الحقوقية في خلق نواة كانت نتيجتها هي ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١؛ وأنا هنا لا أزعم بأن الحركة الحقوقية كان لها دور القيادة في الثورة، لكن لا يمكننا أن نغفل تغير الوعي قبل الثورة. فأنا لا أرى أن ما حدث في ٢٥ يناير كان سببه المباشر هو غياب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فالثورة حدثت بعد أكبر انتخابات مزورة في العقود الأخيرة، وبعد مقتل خالد سعيد. اختيار يوم عيد الشرطة كبداية للتظاهر له دلالة مرتبطة بانتهاكات “الداخلية” والتعذيب في مراكز الاحتجاز. والمطالبة بإقالة العادلي وإلغاء حالة الطوارئ، كلها أمور تقول إن الثورة لم تقم فقط من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وإنما أيضًا دفاعًا عن الحقوق والحريات السياسية العامة، وكلها أمور شاركت المراكز الحقوقية في خلق ثقافة بخصوصها.

  • كيف أثرت الظروف السياسية والوضع العام في اختيارات مركز القاهرة لمساحات عمله، سواء في بداية تأسيسه أو بعد ذلك؟

في كثير من الأوقات يحدد الوضع العام المقاربات المشتركة لأنشطة المركز، فعلى سبيل المثال، ما زال المركز نشطًا في المجال البحثي والأكاديمي، ففي العام الماضي نظم مؤتمرًا عن “تحديات حقوق الإنسان في العالم العربي” بدولة المغرب، ونظمنا مؤتمرًا آخر عن “الإسلام وحقوق الإنسان” بالتعاون مع جامعة “نيويورك”، ما زال ذلك النشاط مستمرًا. غير أن التغيرات التي تحدث تفرض تغييرًا في المقاربات المستخدمة، مثلًا عندما قامت الأمم المتحدة بإصلاح شامل في منظومتها تضمن تحويل لجنة حقوق الإنسان إلى مجلس، وتنوعت أشكال العضوية في المجلس وآلية كتابة وتقديم التقارير الدورية فيه، رأينا أنه يمكننا الاستفادة من ذلك في العالم العربي والوصول إلى نتائج في الواقع بناء على الالتزامات التي وقعت عليها الدول بالفعل. وعملنا بهذا النهج بشكل إقليمي وليس فقط في مصر، وخلال ذلك اعتمدنا أسلوب الشراكة مع مدافعين آخرين عن حقوق الإنسان، واستفادوا من المركز بالفعل في استخدام صفته الاستشارية في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لعرض قضايا وأوضاع حقوق الإنسان في بلادهم والتواصل مع المنظمات الأممية.

مثال آخر لاستجابة المركز للتغيرات العامة التي انعكست على مقارباته هو احتياجنا بعد الثورة في ٢٠١١ إلى إطلاق برنامج متخصص عن مصر، هذا البرنامج استخدم أدوات لم تكن مستخدمة في المركز من قبل، مثل: ندوات عامة وحملات طرق أبواب وإنتاج واستخدام أفلام بسيطة لنشر الوعي بالقضايا الحقوقية العامة، واستخدام أدوات مبسطة عمومًا، مختلفة عما كان ينتجه المركز في سنواته الأولى.

بشكل عام كنا دائمًا ما نراجع أدواتنا، لكننا لم نهمل الإنتاج البحثي والأكاديمي؛ لأنه مهم بشكل عام، ومفيد لصناع القرار سواء هنا أو في المنطقة، فهو يقدم تحليلًا منهجيًا وعلميًا لقضايا المجتمع.

  • هناك جدلية عامة في عمل منظمات المجتمع المدني، وبخاصة المنظمات الحقوقية، وهي اعتمادها في عملها على التواصل مع الدولة ومحاولة إصلاح الإطار التشريعي والأجهزة التنفيذية وتعديل سياساتها، لكن في أوقات كثيرة، وفي حالة مصر ربما في معظم الأوقات، تتوتر العلاقات بين المجتمع المدني والدولة وتصل إلى حد الصدام، مثلما هو حادث الآن. ما أبرز لحظات الصدام بين الدولة والمنظمات الحقوقية طوال الـ٢٥ سنة الماضية؟ وكيف أثرت في آليات هذه المنظمات؟

منظمات المجتمع المدني عمومًا، وتحديدًا مركز القاهرة، هي مؤسسات إصلاحية بشكل واضح، مؤسسات تتواصل مع الحكومة والأحزاب السياسية ومع المنظمات الأممية وأيضًا حكومات دول أخرى. والأمر الأخير بالمناسبة لا يحدث بمنطق التآمر أو التدخل الخارجي، فكل الحكومات تتواصل مع منظمات مجتمع مدني في دول أخرى، ويحدث في اللقاءات الدولية أن تطالب حكومات أجنبية مصر بمراعاة عدد من الملفات والقضايا والحكومة المصرية تفعل الأمر نفسه بالمناسبة، وهو أمر يُفترض أنه طبيعي.

لا يتأثر خطابنا الحقوقي بما يحدث من شد وجذب، ففي حال القيام بإجراءات إيجابية نرحب بهذه الإجراءات ونحتفي بها. أقرب مثال على ذلك، اللجنة التي شكلها الدكتور أحمد البرعي- وزير التضامن الاجتماعي الأسبق- لإعداد قانون جديد للجمعيات الأهلية، فقد شاركنا في هذه اللجنة وكان المشروع الذي تقدم به البرعي بادرة طيبة، فرغم اختلافنا مع بعض النقاط به إلا أنه كانت هناك نوايا طيبة واضحة.

مواقف المنظمات الحقوقية لا تختلف أو تتأثر بقرارات الحكومة. فلدينا “مسطرة” نعمل وفقها، وهي المعايير الموجودة في الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الحكومة المصرية. وليست لدينا فرص كبيرة للتنازل، لن يحدث انتهاك ونسكت عنه، وكذلك لن نرى شيئًا جيدًا ونتجاهله. الحوار مع الدولة لم يحد من قدرتنا على انتقادها، وكان من الطبيعي أن نكون في حوار مع إحدى الوزارات مثلًا بخصوص قانون الجمعيات، لكننا ننتقد في بيان آخر انتهاكات “الداخلية”. عندما شكلت وزارة العدل لجنة سنة ٢٠١٣ للنقاش حول قانون الجمعيات، حضرنا أول اجتماع لهذه اللجنة وشعرنا أن النقاشات تسير بشكل غير جيد فأصدرنا بيانًا، ومع ذلك حضرنا باقي الاجتماعات، وعندما صدرت مسودة مشروع القانون أصدرنا بيانًا انتقدنا فيه مشروع القانون.. هذا النهج يزعج الدولة بشكل عام.

في أوقات مختلفة كانت الدولة تتقبل النقد، أو على الأقل تظهر قبولًا لذلك النقد واستعدادًا حتى لو ظاهريًا للحوار، لكن بعد تغيير حكومة الببلاوي اتخذت الدولة موقفًا عدائيًا تمامًا تجاه المنظمات المستقلة وتوقف الحوار تمامًا. والأمر غير مرتبط بحكومة بعينها، بقدر ما هو مرتبط بالمساحات المفتوحة في المجال العام منذ ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، هذه المساحة هي ما كانت تتيح لنا الجلوس مع أجهزة الدولة والحوار في الوقت نفسه الذي نوجه لها النقد، غير أن هذه المساحة أُغلقت تمامًا بداية من يناير ٢٠١٤ مع انهيار ما يسمى بـ “تحالف ٣٠ يونيو”. أصبحت الدولة ترفض أي شكل من أشكال الحوار مع المنظمات الحقوقية المستقلة طالما أنها توجه لها النقد. فعلى سبيل المثال، المركز له خبرة طويلة فيما له علاقة بقضية صياغة قانون لحرية تأسيس الجمعيات الأهلية، ومع ذلك عندما شكلت وزارة التضامن الاجتماعي لجنة في يوليو ٢٠١٤ لمناقشة قانون الجمعيات، لم تتم دعوتنا أو أي من المنظمات المستقلة ولم تُرسل لنا نسخة لإبداء الرأي بصددها. وعندما طالبنا وزيرة التضامن غادة والي، بحوار مفتوح وشفاف بخصوص القانون، صرحت بأنها ستدعو لجلسة حوار بالتعاون مع المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو ما لم يحدث. وعندما التقى مدير مركز القاهرة بهي الدين حسن، رئيس الوزراء إبراهيم محلب، وقدم له مذكرة من عدد من المنظمات الحقوقية المستقلة تعترض على قانون الجمعيات وتطالب بحوار بشأنه، وعد محلب باجتماع مع ممثلي هذه المنظمات خلال ١٠ أيام، وهو ما لم يحدث أيضًا. أصبح هناك موقف عدائي واضح ومعلن تجاه المنظمات الحقوقية المستقلة، وبخاصة تلك التي تناصر قضايا الحقوق والحريات السياسية العامة.

عقب جلسة الآلية الدورية لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان في العالم، والتي واجهت فيها الحكومة المصرية انتقادات حادة، عرضنا على وزير العدالة الانتقالية أننا على استعداد للاجتماع معه لطرح عدد من الآليات للتفاعل مع التوصيات التي طُرحت على مصر، غير أننا لم نتلق ردًا سواء بالقبول أو الرفض من الوزير أو مكتبه.

اعلان