Define your generation here. Generation What
الوقاية والعلاج.. آمال جديدة في مواجهة فيروس c
 
 

أدت حملة التوعية الصحية التي بدأت في الستينيات إلى الحد بشكل كبير من انتشار مرض البلهارسيا، وقد كان في وقت سابق يصيب نحو 40% من المصريين في المناطق الريفية. لكن نظرًا لسوء مستوى مكافحة هذا المرض، وبخاصة مع إعادة استخدام الحقن لإعطاء الدواء، انتشر بلاء جديد: فيروس الكبد الوبائي سي، وهو فيروس ينتقل عبر الدم ويؤثر في الكبد، وقد يؤدي إلى تليف الكبد والسرطان والفشل الكلوي.

بعد مرور نصف قرن على تدشين حملة البلهارسيا، وبعد موت الكثير من المرضى الأصليين، ما زال الفيروس منتشرًا بشكل وبائي في مصر، ويعود ذلك بشكل كبير إلى تدني مستويات النظافة والعادات الصحية في منظومة الرعاية الصحية، وعدم وجود وعي عام بالمرض وكيفية مكافحته. وقد وصلت معدلات الإصابة بالمرض في مصر حاليًا إلى أعلى المعدلات على مستوى العالم؛ حيث يقدر عدد حاملي الفيروس بنسبة 14.8 في المئة من السكان، كما يتراوح عدد الحالات الجديدة التي تظهر سنويًا من 165,000 إلى 200,000 شخص، حسب إحصاءات الحكومة.

مرت عقود دون أن تستجيب الحكومة بشكل لائق، لكن لعل بوادر انفراج الأزمة تظهر أخيرًا. فقد يؤدي استئناف جهود مكافحة المرض، بالإضافة إلى ظهور أنواع جديدة وأكثر فعالية من العلاج، إلى تمكين مصر من مجابهة هذا المرض.

تعمل مصر حاليًا بالتعاون مع مركز مكافحة الأمراض ومنظمة الصحة العالمية، على تطوير خطة عمل لمواجهة فيروس الكبد الوبائي، تتضمن تطوير دورات عملية لمكافحة العدوى للطلبة، وزيادة الوعي بين العاملين بمجال الرعاية الصحية والمجتمع، وكذلك تزويد المنشآت الطبية بالمعدات اللازمة لمكافحة المرض.

“لا يمكن أن نكتفي بإرشاد الناس لارتداء قفازات طبية، علينا أن نوفر لهم القفازات الطبية”.. هكذا قالت منال السيد- أستاذة طب الأطفال في جامعة عين شمس والمشرفة على برنامج وزارة الصحة لفيروس الكبد الوبائي وعضو اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدي-، وأضافت مفسرة: “علينا أن نوفر لهم التدريب اللازم والمعدات قبل أن نحاسبهم”.

كما تخطط الحكومة بدءًا من العام الجاري لتزويد مراكز الرعاية الصحية بأدوات “مصممة وفقًا لمعايير السلامة”، مثل الحقن المصممة بشكل غير قابل لإعادة الاستخدام ولا يعرض المستخدم إلى الإصابة بجرح من الإبر، مع حث المصنعين المحليين على إنتاج هذا النوع من الحقن.

لا شك أن إزالة آثار عقود من الإهمال مهمة شاقة، لكن منال السيد تقول إن اجتماع جميع العاملين في المنظومة الصحية المصرية بقطاعاتها المتعددة على الطاولة نفسها والاتفاق على تعميم التدريبات واللوائح خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.

طرق نقل العدوى

هناك ثلاثة مصادر لعدوى الفيروسات الكبدية في مصر، كما يوضحها وحيد دوس- رئيس اللجنة القومية المصرية لمكافحة الفيروسات الكبدية: “الأول في منظومة الرعاية الصحية، والثاني في المجتمع- مثل الحلاقين وعمليات الختان. أما الثالث فهو الانتشار بين أفراد الأسرة؛ حيث ينقل الأب العدوى لابنه أو بنته عن طريق استخدام الأدوات المشتركة”.

إن العدد الكبير من الأشخاص المصابين، بالإضافة إلى غياب التدريب على مكافحة العدوى والموارد المحدودة وقلة قواعد السلامة خلقت تربة خصبة لانتشار المرض.

لقد وصلت حالة المنظومة الصحية في مصر إلى درجة من التدهور جعلت التعامل المتكرر مع العاملين بمجال الصحة ومع المستشفيات في حد ذاته يشكل خطرًا كبيرًا للإصابة بفيروس الكبد الوبائي. وتعد عمليات غسيل الكلى ونقل الدم الأكثر خطورة؛ حيث تقدر نسبة المرضى الذين نقل إليهم المرض من خلالها هذا العام بنحو 60 في المئة.

في أغلب الأحيان يفتقر العاملون في المجال الصحي، وخصوصًا طاقم التمريض، إلى التدريب والمعدات اللازمة، ما يؤدي إلى نتائج كارثية. تقول منال السيد: “لدينا أعلى معدل للإصابات بآلات حادة بين العاملين في الرعاية الصحية على مستوى العالم”.

وتعد الإصابات الناجمة عن حقن مستخدمة أو الأدوات الطبية الحادة الأخرى من أكثر الطرق الفعالة لنشر فيروس الكبد الوبائي.

وتوضح منال السيد، أن جزءًا من المشكلة ينبع من طبيعة منظومة الرعاية الصحية المفككة بلا أي إشراف مركزي. فكل من وزارتي الصحة والتعليم العالي لديه منظومة مستشفيات منفصلة، وكذلك الحال مع وزارتي الدفاع والداخلية، علاوة على الشركات الخاصة. تقول السيد: “كل جهة تظن أنها تستطيع إدارة الأمر بشكل منفرد. كان جمع كل الأشخاص في مكان واحد أمر شديد الصعوبة”.

فقد شكلت كل منظومة معاييرها الخاصة، ما يجعلها غير خاضعة للمحاسبة من قبل أي شخص خارج الوزارة أو الشركة التي تتبعها. وحتى مارس الماضي لم تكن هناك أية قواعد معممة تنظم شبكة بنوك الدم في مصر. وما زال قانون مكافحة العدوى المعمم قيد التشكيل.

لكن رغم كل المعوقات، تشير السيد إلى احتمال تغير الحال إلى الأفضل أخيرًا، ما يدعوها إلى التفاؤل.

علاج جديد لكنه مكلف

الجيل الجديد من أدوية فيروسات الكبد الوبائية يتميز بفعالية أكبر وأعراض جانبية أقل، وقد قدم أملًا جديدًا من ناحية العلاج.

أول ما طرح في السوق من هذه الأدوية هو دواء “سوفوسبوفير”، المعروف تجاريًا باسم سوفالدي. حقق سوفالدي نجاحًا كبيرًا وأثار الكثير من الجدل، وتناقلت عناوين الصحف أخبار تحقيقه نسبة شفاء تصل إلى 93.4% وكذلك تحدثت عن سعره الباهظ البالغ 84,000 دولار أمريكي.

تعرضت شركة “جيلياد” المصنعة للدواء إلى انتقادات حادة في الولايات المتحدة ودول أخرى لرفعها السعر بهذا الشكل واستغلال حاجة الناس القصوى إلى العلاج للتربح.

ورغم تمسك شركة “جيلياد” بسعرها الباهظ في الولايات المتحدة، زاعمة أن هذا سعر اقتصادي مقارنة بتكاليف نقل الكبد والسنوات التي يقضيها المرضى يعانون المرض؛ فإن الشركة طرحت الدواء بسعر أقل بكثير للدول الأفقر.

يقول طاهر أمين- من مؤسسي مجموعة الدعم “مبادرة الدواء والوصول العادل والمعرفة”: “إن شركة جيلياد ببساطة تلعب لعبة تقسيم السوق إلى أجزاء”. عندما يجبر المرضى في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة على الشراء بأسعار عالية تجني الشركة أرباحًا هائلة تمكنها من طرح الدواء بسعر أقل لدول محدودي الدخل، لتحافظ جيلياد بذلك على صدارتها في السوق.

من أكثر الدول المتضررة من آثار تقسيم السوق بهذا الشكل، دول الدخل المتوسط مثل الصين والمكسيك، حيث استبعدتها شركة جيلياد من برنامج التسويق بالسعر المخفض رغم وجود ملايين المرضى بهذه الدول غير قادرين على شراء العلاج كما يوضح لنا أمين. لكن السعر الذي حصلت عليه بلاد مثل مصر والهند كان في الحقيقة مناسبًا للغاية.

فقد وافقت شركة جيلياد بعد مفاوضات مكثفة على بيع جرعة شهرية من العلاج لمنظومة العلاج الحكومي المصري بسعر 2,200 جنيه، وهو ما يعادل 300 دولار أمريكي. يستلزم نظام العلاج المعتاد استخدام عقار آخر اسمه “إنترفيرون” مع دواء سوفالدي، ما يكلف الحكومة 250 جنيهًا إضافية أسبوعيًا. ويقول دوس إن ذلك يرفع إجمالي التكلفة لعلاج المريض الواحد إلى 10 آلاف جنيه تقريبًا.

عالجت وزارة الصحة حتى الآن نحو 40 ألف مريض بمعدل شفاء يصل إلى 93.4%. كان مخزون عقار سوفالدي من الشحنة الأولى وعددها 225,000 علبة قد انتهى بحلول نهاية شهر أبريل الماضي، وأعلنت الحكومة أنها سوف تشتري شحنة ثانية بالكمية نفسها.

لكن حتى هذا السعر المخفض انتقده بعض المحللين، وأشاروا إلى دراسات توضح إمكانية إنتاج الدواء بتكلفة تقل عن 150 دولارًا أمريكيًا للجرعة، ما يعني أن شركة جيلياد ما زالت تتربح بشكل كبير.

لكن دوس يقول إنه راضٍ عن السعر بصفة مؤقتة.. “لا شك أن هذه تكلفة اقتصادية مقابل شفاء مريض وتجنب حدوث مضاعفات. هذا أفضل سعر على مستوى العالم حتى الآن. أتمنى لو كان أقل، لكني متأكد أننا لن نتمكن من تحقيق ذلك حاليًا”.

هناك طريقتان يمكن لمصر الحصول على الدواء من خلالهما. فقد منحت شركة جيلياد ترخيصًا لشركات في الهند لإنتاج إصدار خاص بها من سوفوسبوفير، وأعطتها حق بيع الدواء إلى 91 بلدًا من بينها مصر.

والمثير للاهتمام أكثر من ذلك أن مصر رفضت إعطاء شركة جيلياد براءة اختراع عقار سوفوسبوفير، ما يفتح المجال أمام إنتاج نسخ مقلدة من العقار وطرحها في السوق. ويقول دوس إن شركات دوائية عدة قد سجلت عقاراتها المقلدة من سوفوسبوفير لدى هيئة الدواء المصرية، وقد بدأت الأدوية تطرح في السوق. كان وزير الصحة عادل عدوي، قدأعلن أن ثماني شركات مصرية قد عرضت توفير ربع إنتاجها من الدواء مجانًا.

كما عرض المصنعون المحليون بالفعل على وزارة الصحة بيعها الدواء بسعر أقل يصل إلى 1,400 جنيه للجرعة، أي 64في المئة تقريبًا من سعر شركة جيلياد، وهو ما وافقت عليه وزارة الصحة في مارس  الماضي، ليصل سعر “سوفالدي” المصري في الصيدليات إلى 1600 جنيه.

يقول دوس: “سوف نجري الأبحاث على كل دواء من الأدوية المحلية للتأكد من مطابقتها للجودة المطلوبة. شركات الدواء غير راضية عن ذلك بالطبع لكننا مصرون عليه”.

ويتوقع كل من دوس والسيد أنه بمجرد التأكد من مطابقة هذه الأدوية لجودة سوفالدي بسعر أقل سوف تبدأ الهيئات الصحية الحكومية باستخدام الأنواع المحلية المقلدة.

وتأمل السلطات على المدى الطويل أن تفوق سرعة العلاج معدل الإصابات الجديدة، ليخلق ذلك أثرًا تراكميًا يقلل من نسبة المرض عن طريق تقليل عدد الأشخاص المصابين به والقادرين على نشره.

يضيف دوس قائلًا: “نأمل أن يكون العلاج وسيلة وقائية. عندما يتم العلاج على نطاق واسع يصبح بإمكانك منع إصابة الأشخاص بالمرض”.

تعليم الوقاية

على الرغم من ذلك لن يكون التقدم في منظومة الرعاية كافيًا للقضاء على المرض إذا لم يقترن بجهودٍ مماثلة في المجتمع. وتقول السيد موضحة حجم المشكلة، إن هناك نحو 23 مليون عملية حقن غير آمنة سنويًا في مصر، ويشكل ذلك خطرًا كبيرًا من العدوى يتغذى على كثرة الطلب من المستهلكين من كل الطبقات الاجتماعية والاقتصادية.

تفسر: “يؤمن الناس بالمعجزات التي تخرج من الحقن”.

وهذه الحقن لا تعطى بواسطة الأطباء فقط. في معظم الأحيان تتم عمليات الحقن مثلها مثل الطهور وختان الإناث على يد صيادلة أو ممارسين غير مرخصين لم يحصلوا على تدريب طبي رسمي. ونجد خطر الإصابة بالفيروس أيضًا في أماكن مثل دكاكين الحلاقة وصالونات التجميل؛ حيث تستخدم الشفرات والمقصات وأدوات العناية بالأظافر دون تعقيم.

وهناك خطر الإصابة بالمرض أيضًا عن طريق تعاطي المخدرات الوريدية أو الجنس غير الآمن مع أكثر من شريك- خاصة الجنس الشرجي-، وتزيد احتمالات الإصابة في حالة الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة بالفعل. لكن الحديث عن مواضيع كتلك ما زال أمرًا محظورًا اجتماعيًا، لتزداد الصعوبات أمام محاولات زيادة الوعي.

ينتقل المرض عبر أفراد الأسرة كذلك. فالفيروس ينتقل عبر الدم ولا توجد أدلة كافية على انتقاله عبر إفرازات الجسم الأخرى مثل اللعاب أو لبن الأم أو المني. وفي حين أن ممارسات مثل العلاقة الجنسية والرضاعة وحتى الولادة لا تنقل المرض بالضرورة، إلا أنه قد ينقل عبر مشاركة أدوات مثل شفرات الحلاقة وقصافات الأظافر وحتى فرشاة الأسنان.

ما يزيد انتشار المرض بين المجموعات وأفراد الأسرة تعقيدًا، هو أن معظم المصريين المصابين بالمرض لا يعلمون أنهم يحملون الفيروس، وبالتالي لا يلتزمون بأساليب الوقاية البسيطة التي قد تحمي المقربين إليهم من الإصابة.

يقول دوس: “عدد المصريين الذين على علم بإصابتهم بفيروس الكبد الوبائي لا يتعدى 5 في المئة فقط. هذا يعني أن95 في المئة إما لا يعلمون بمرضهم أو غير مصابين”.

من الممكن أن يظل الفيروس خاملًا لعقود، ولذلك لا يكتشف معظم المصريين إصابتهم بفيروس الكبد الوبائي إلا بعد تعرضهم لمضاعفات المرض مثل تليف الكبد أو السرطان، أو عند قيامهم بفحوصات طبية من أجل السفر أو العمل.

وتوضح السيد قائلة: إن الحكومة حاليًا غير قادرة على القيام بفحوصات جماعية، لكن المرحلة الثانية من خطة مكافحة المرض الجديدة تستدعي فحص الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة: مثل الأشخاص الذين نُقل إليهم دم أو قاموا بغسيل كلوي، أو أصحاب الأمراض المزمنة المضطرين إلى التعامل المتكرر مع الجهات الصحية، وكذلك أقارب المصابين بالمرض.

تعمل لجنة الفيروسات الكبدية الوبائية في الوقت الراهن على إشراك الصيادلة والحلاقين في جهود مكافحة الإصابة، وتجري دراسات للتوصل إلى أكثر حملات التوعية فعالية بالنسبة للمرضى وعامة الناس. وباقتران هذه الجهود مع إمكانية طرح أدوية جديدة مثل سوفوسبوفير، ووجود التزام دستوري بزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية، يأمل العاملون في المجال الصحي أن يكون ذلك كافيًا للقضاء على هذه الزيادة في معدل الإصابات وهزيمة المرض في النهاية.

صدر هذا المحتوى بالشراكة مع مؤسسة روزا لوكسمبرج.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن