Define your generation here. Generation What
“الحر” ليس المتهم الوحيد: جولة في أقسام الطوارئ بمستشفيات مصر
 
 

يتذكر د. محمد حسن، طبيب الجهاز الهضمي، واقعة حدثت في أحد المستشفيات الحكومية، عندما جاء رجل بوالدته للعلاج لكن الأطباء أخبروه أن المستشفى لم يكن مجهزًا للتعامل مع حالتها. وفي أثناء هذا النقاش توقف قلب السيدة.

في الوقت الذي كان الأطباء يتجادلون فيه دخلت السيدة في حالة تتطلب الإنعاش العاجل، حالة “codeblue” كما يروي لنا حسن، وماتت في العناية المركزة.

يضيف حسن: “كان شجارًا كبيرًا، لكن اتضح أن الأطباء غير قادرين على فعل أي شيء، ولذلك أخذ [الابن] جثتها وغادر المكان”.

كثيرًا ما تظهر قصص كهذه من أقسام استقبال حالات الطوارئ في مستشفيات مصر. ولا تقتصر المشكلة على المستشفيات الحكومية فقط، بل تتضمن أيضًا مشاكل في التدريب وأخلاقيات الممارسة الطبية في المستشفيات الخاصة.

تقول د. ياسمين الخولي، المديرة المشاركة بقسم استقبال طوارئ مستشفى قصر العيني (وهو مزيج من مستشفى جامعي عام ومستشفى خاص) إن أكبر المشاكل التي تواجهها قلة عدد الأسرّة. “في كل دقيقة، في كل ساعة، لا توجد أسرّة كافية في غرفة العناية المركزة. ونتيجة لذلك يموت المرضى أحيانًا أو يذهبون إلى مكانٍ آخر”.

وتواترت طيلة العام الماضي تقارير إعلامية عن رفض علاج بعض المرضى خارج أقسام الطوارئ بحجة عدم وجود مكان أو معدات. وكان أشهر مثال على ذلك مقطع الفيديو الذي انتشر بشكل واسع وتظهر فيه سيدة حامل أجبرت على الولادة خارج المستشفى بعد رفض دخولها.

لكن الخولي توضح أن الحالات الشائعة أقل حدة من هذا المثال، وتقول إن المرضى أحيانًا يتنقلون من مستشفى إلى آخر بلا جدوى، حيث يقال لهم إنه لا يوجد مكان يسمح بعلاجهم.

يشكّل النظام الذي يوزع المرضى من خلاله على المستشفيات الحكومية من أقسام الطوارئ جزءًا من المشكلة.

 فحسب ما قاله حسن، إذا وصل مريض إلى استقبال الطوارئ ولم يكن المستشفى مجهزًا لعلاجه أو لم تكن به أسرّة كافية، يشخص أحد الأطباء حالته تشخيصًا مبدئيًا ثم يتم الاتصال بالخط الساخن في محاولة للعثور على مستشفى آخر يستطيع استقباله. واستكمل حسن: “قد تستغرق هذه الإجراءات ساعة أو قد تستمر بلا نهاية”.

أثناء انتظار الرد من الخط الساخن، غالبًا ما تتدهور حالة المرضى وقد يموت بعضهم كما يؤكد حسن، الذي يوضح قائلًا إن الذهاب من مستشفى إلى آخر للاستعلام عن وجود مكان شاغر أو معدات مناسبة كثيرًا ما يكون خيارًا أفضل.

تستقبل أقسام الطوارئ في المستشفيات المصرية نحو 16 مليون حالة سنويًا حسب قول هشام عطا، نائب وزير الصحة. وكان عطا قد أشاد في مؤتمر أقيم مؤخرًا في مستشفى الهرم بجهود الأطباء في إدارة أقسام الطوارئ، لكنه أشار إلى الحاجة إلى التنسيق بين المستشفيات لتيسير إجراءات التحويل بشكل أفضل.

ومع ذلك فإن المشاكل لا تقتصر على ضعف البنية التحتية وسوء التنسيق. ففي معظم الأحيان تكون المشكلة في تدريب الأطباء.

يقول د. أيمن سبع، الباحث في حقوق الرعاية الصحية لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن مستوى تدريب الأطباء سيء بشكل عام، حسب خبرته بكلية الطب. لكنه يضيف أن الوزارة الحالية تضع تحسين حالة أقسام الطوارئ على أولوياتها، كما تعمل على تطوير المعدات وكذلك تدريب شباب الأطباء في أنحاء الجمهورية.

أما د. عمر أيمن، المعيد بإحدى كليات الطب والطبيب المناوب في قسم الطوارئ بمستشفى جامعته، فيقول إن الأطباء يعملون ساعات زائدة عن طاقتهم بشكل مستمر.

عادة ما تستمر النوبات في قسم الطوارئ 12 ساعة، لكن الأطباء غالبًا ما يبدأونها بعد انتهاء نوبات عملهم في أقسامٍ أخرى بالمستشفى. وعندما سألنا عن عدد الساعات التي يعملها الأطباء عادة في النوبة الواحدة قال موضحًا: “ليست ساعات، بل أيام. الأشخاص من تخصصات مثل الجراحة العامة قد يعملون لمدة يومين أو ثلاثة دون انقطاع، ولا يأخذون سوى بضع ساعات للراحة”.

يتلقى الأطباء في القطاع العام أجرًا متدنيًا للغاية، وهذا أحد أسباب لجوئهم إلى العمل في عدة أماكن وبشكل مكثف. يقول د. أحمد، طبيب تقويم العظام الذي يعمل في قسم الطوارئ في مستشفى قصر العيني، إنه يتقاضى نحو 250 جنيه على كل نوبة عمل مدتها 12 ساعة، ولذلك يعمل أيضًا مثله مثل معظم الأطباء في عيادة خاصة ليتمكن من تحمل نفقاته.

أحمد شاب أعزب، ويقول إنه بسبب قلة مسؤولياته لا يعمل سوى وظيفة واحدة بدوام جزئي، ولديه رفاهية عدم العمل في الإجازة الأسبوعية. ومع ذلك يشير إلى أن “معظم الأطباء يعمل لمدة 24 ساعة أو 48 ساعة، ويأخذ نصف يوم إجازة، ليبدأ العمل مجددًا ليلًا ونهارا. لا يمكن التركيز على الإطلاق أثناء نوبات العمل التي تستمر لمدة 12 أو 16 ساعة”.

من جهته، يرى د. سبع أن أجور الأطباء الزهيدة تضر بكل من الأطباء والمرضى. ويقول إن أكبر إجراء إصلاحي يحتاج إليه قطاع الصحة هو “فصل القطاع الخاص عن العام”.

ويضيف موضحًا: “الأطباء يعملون في المنظومة الحكومية، لكنهم يعملون أيضًا في القطاع الخاص لأنهم يحتاجون إلى المال. وعندما يعملون في القطاع الخاص لا يهتمون بحالة المستشفيات الحكومية”.

في الوقت نفسه لا تخلو المستشفيات الخاصة من المشكلات. يقول السباعي إنه بالرغم من توافر أماكن ومعدات أفضل في المستشفيات الخاصة عادة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة العلاج السريع.

سارع نائل حسين، وهو طالب ماجستير في الحادية والثلاثين من عمره، بأخذ صديقته إلى استقبال مستشفى دار السلام الخاص بكورنيش المعادي بعد ما استيقظت في الساعات الأولى من الصباح على آلام حادة بالمعدة.

وفور وصولهما المستشفى خضعت صديقته سريعًا لفحص بالأشعة والموجات الصوتية، واتضح أنها تعاني من التهاب بالزائدة الدودية. غير أنه بدلًا من نقلها فورًا إلى غرفة العمليات أحالهما طاقم المستشفى إلى قسم الطوارئ وأخبرهما أن الجراح في الطريق.

يقول حسين: “بعد مرور نصف ساعة كان الجراح “على السلالم”. وبعد ساعة ونصف اتصلوا بالجراح بشكل عاجل وكانت حالتها تزداد سوءًا”.

بعد إجراء الجراحة لصديقة حسين اعترف الطبيب بأنها كانت محظوظة لنقلها إلى غرفة العمليات في ذلك الوقت، لأنهم لو كانوا تأخروا بضع دقائق لانفجرت الزائدة.

يروي مريض آخر كيف اضطر إلى تكرار رسم القلب الكهربي (ECG) عدة مرات في قسم الطوارئ بمستشفى خاص، لأن الأطباء رأوا أن النتائج في كل مرة لم تكن دقيقة، الأمر الذي أدهش والده الذي يعمل طبيبًا بدوره، ولم يصدق أن تكرار الفحص مبرر. وهكذا خضع المريض على مدار بضع ساعات إلى عدة فحوص لرسم القلب الكهربي.

يقول د. سبع إن هذا النوع من العلاج شائع. “يقرر الأطباء وحدهم نوع الخدمة التي يتلقاها المرضى، وهناك حافز لاستغلال هذه السلطة بشكل سيء”. ويعتقد أن السبيل الوحيدة لتقويم تلك الممارسات هي الرقابة.

ويرى سبع أن القرار الوزاري الذي أصدره رئيس الوزراء إبراهيم محلب في يوليو 2014، والذي نص على أن يكون العلاج خلال أول 48 ساعة في أقسام الطوارئ مجانيا، سواء في المستشفيات العامة أو الخاصة،  يعد خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن القرار لم تصحبه ضوابط رقابية صارمة كما يشير سبع، ولم تبدأ المستشفيات في تطبيقه رغم مرور أكثر من عام على صدوره.

اعلان
 
 
بِشا ماجد