بعد تكرار حرائق المصانع.. العمال في أتون الإهمال
 
 

في ظهيرة يوم اﻷحد 9 أغسطس، اشتعلت النيران في أحد مصانع البويات بمدينة 6 أكتوبر، مما تسبب في مقتل 3 عمال حرقًا، بعد أقل من أسبوعين على اندلاع حريق بأحد مصانع اﻷثاث في العبور أودى بحياة 26 عاملًا.

بين الحادثتين، وبشكل شبه يومي، لم تتوقف ألسنة اللهب عن الامتداد عبر المصانع المختلفة. كان حريق قد التهم مصنع الشركة المصرية لصناعة النشا والجلوكوز بمسطرد، التابعة لشبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، يوم السبت الماضي، وهو ما أودى بحياة 5 عمال وإصابة آخرين. وفي اليوم نفسه حدث حريق بأحد مصانع اﻷثاث بدمياط. قبلها بيوم، اندلع حريق هائل في مصنع كرتون بالعاشر من رمضان، تطلب الدفع بـ 33 سيارة إطفاء للسيطرة على الحريق، فضلًا عن اندلاع حريق آخر في أحد مصانع اﻹسفنج. جاءت هذه الحرائق بعد خمسة أيام من اندلاع حريق هائل في مصنع للورق بالسويس، ورصدت “اليوم السابع” اندلاع 32 حريقًا في مصانع في مختلف أنحاء الجمهورية بدءًا من فبراير الماضي وحتى أغسطس.

تكرار حرائق المصانع بمعدلات مرتفعة يفتح الباب أمام أسئلة منطقية حول معايير السلامة المهنية واﻷمن الصناعي وكيفية اﻹشراف عليها وتطبيقها في مصر.

في مقابلة هاتفية أجراها «مدى مصر»، مع أحمد جاد الله- العامل بالشركة المصرية لصناعة النشا والجلوكوز وعضو اللجنة النقابية بها- يحكي جاد الله عن الحريق الذي وقع في مصنع الشركة مطلع الأسبوع الجاري، ويقول إن العمال الذين لقوا حتفهم في الحريق كانوا قد طلبوا من مدير اﻹنتاج المباشر لهم عدم الصعود لتنظيف الصهاريج بسبب إحدى مشكلات الكهرباء المتكررة، لكنه رفض طلبهم متهمًا إياهم بالكسل. فاضطر العمال إلى الصعود، وحدث ما توقعوه. طبقًا لشهادته؛ فإن حدوث ماس كهربائي تسبب في حريق أدى إلى انفجار غلايات النشا شديدة السخونة، وهو الانفجار الذي سمعه كل سكان المنطقة.

يوضح كمال عباس- المنسق العام لدار الخدمات النقابية وعضو المجلس القومي لحقوق اﻹنسان- أن اﻷمن الصناعي في كل منشأة يحدث عبر مستويين. المستوى اﻷول هو المستوى اﻹداري؛ حيث يتشكل في كل مصنع، طبقًا لقانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003، لجنة مسؤولة عن اﻷمن الصناعي والسلامة المهنية لكل من العمال والمنشأة. المستوى الثاني هو المستوى النقابي؛ حيث تتشكل في كل منشأة صناعية لجنة نقابية مسؤولة عن اﻷمن الصناعي.

يوضح الكتاب الخامس من القانون الخاص بالسلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل طبيعة مواقع العمل وطرق اﻹنشاء وإصدار التراخيص. طبقًا للقانون، فإن وزارة الصناعة مسؤولة عن تشكيل لجنة تشترك فيها وزارات: القوى العاملة والصحة والموارد المائية والكهرباء والداخلية والبيئة، لوضع معايير منح تراخيص المنشآت، وتقوم لجان تابعة للمحافظات والمراكز والمدن واﻷحياء بمتابعة اﻹجراءات، و”يتعين موافقة أجهزة السلامة والصحة المهنية التابعة لوزارة القوي العاملة والهجرة على منح التراخيص للمحال والمنشآت التي يكون إصدار التراخيص لها من جهات أخرى، وذلك قبل إصدار هذه التراخيص، وعند إجراء أي تعديل بها”، طبقًا لما نص عليه القانون. وفي ما يخص الحرائق، تلتزم المنشأة الصناعية بأن “تكون جميع أجهزة وأدوات الإطفاء المستخدمة مطابقة للمواصفات القياسية المصرية”، وأن يتم “تطوير معدات الإطفاء والوقاية باستخدام أحدث الوسائل وتوفير أجهزة التنبيه والتحذير والإنذار المبكر والعزل الوقائي والإطفاء الآلي كلما كان ذلك ضروريًا، بحسب طبيعة المنشأة ونشاطها”، مع ضرورة “إعداد خطة طوارئ لحماية المنشأة والعمال بها عند وقوع الكارثة على أن يتم اختبار فاعلية هذه الخطة وإجراء بيانات عملية عليها للتأكد من كفاءتها وتدريب العمال لمواجهة متطلباتها، وتلتزم المنشأة بإبلاغ الجهة الإدارية المختصة بخطة الطوارئ وبأي تعديلات تطرأ عليها”.

يوضح كمال عباس، أن رجال اﻷعمال أصحاب المنشآت الصناعية يتجاهلون معايير اﻷمان والسلامة المهنية ﻷنها مكلفة، وهو ما يؤدي إلى حدوث “كوارث صغيرة” بشكل يومي. مضيفًا أن هذا يسري على المصانع الكبيرة والصغيرة على السواء، وهو ما يحدث بسبب غياب أية رقابة من أي نوع.

كان رئيس مجلس الوزارء اﻷسبق، أحمد نظيف، قد أصدر قرارًا برقم 3093 لسنة 2010 بتشكيل “المجلس الاستشاري الأعلى للسلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل” بعد سبعة أعوام من صدور قانون العمل. على أن يتشكل المجلس برئاسة وزير القوى العاملة والهجرة، وعضوية رئيس الإدارة المركزية لرعاية وحماية القوى العاملة وتأمين بيئة العمل بالوزارة، وعدد من الوزارات اﻷخرى وأعضاء عن النقابات والاتحادات العمالية وممثلين عن أصحاب اﻷعمال وخبراء، باﻹضافة إلى مدير المركز القومي لدراسات السلامة و الصحة المهنية وتأمين بيئة العمل التابع لوزارة القوى العاملة والهجرة. ويختص المجلس بـ “رسم السياسة العامة في هذه المجالات واقتراح ما يلزم في شأن هذه السياسة”، ومن ضمنها “الإشراف على تنسيق الجهود وتنظيم التعاون بين الجهات ذات الصلة بنشاط السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل في مجالات التشريع والمعلومات والبحوث والدراسات والتدريب والإعلام وتنفيذ برامج السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل”، ويقوم المجلس، طبقًا للقرار، بعرض تقرير عن أعمال المجلس على رئيس مجلس الوزراء.

لكن حين قمنا بالاتصال بالمهندس أحمد علي- مدير المركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل- باعتباره عضوًا في المجلس، لسؤاله عن ملاحظاته وعن اﻹجراءات والاقتراحات التي يتقدم بها المركز للمجلس للمساهمة في حل الكوارث المتكررة، رفض اﻹدلاء بأي تصريحات، مؤكدًا أن مهمة المركز تقتصر على التدريب وتقديم بعض الخدمات الميدانية للشركات فقط.

طبقًا لجاد الله؛ فإن حادث حريق مصنع النشا ليس هو اﻷول في المنشأة في السنوات القليلة الماضية، على الرغم من تكرار زيارات لجان التفتيش التابعة لوزارة الصناعة. يشرح جاد الله كيف سارت اﻷمور بالنسبة لمصنعه في آخر التفتيشات التي أجرتها لجان وزارة الصناعة على المنشأة قبل الحادث بأشهر قليلة. يتذكر الغداء الفاخر الذي قامت إدارة المصنع بتجهيزه ﻷعضاء اللجنة، والذي سبقه محاولة بائسة لتنظيف أماكن العمل، وتغطية اﻷجزاء غير القابلة للتنظيف بستائر حتى ينتهي التفتيش من إجراءاته.

يؤكد كمال عباس، أن “الدولة غائبة” فيما يخص متابعة إجراءات اﻷمن الصناعي والسلامة المهنية والتفتيش عليها، بينما يقتصر اهتمام رجال اﻷعمال على الربح. بالنسبة للجان النقابية الموجودة، يقول عباس إن معظم المصانع ليس بها لجان نقابية وإن محاولات إنشاء لجان نقابية تم التنكيل بها من قبل أصحاب اﻷعمال.

“العامل هو اللي بيضيع”.. هكذا يصف جاد الله الحالة ملخصًا ما يحدث بين غياب رقابة الدولة وإهمال رجال اﻷعمال. يتذكر لحظات موت زملائه، ويصف بشاعة أن تحبسك النيران بلا منفذ للخروج أو الطوارئ ولا نظام إطفاء يستطيع السيطرة على حرائق معرضة بشدة للاشتعال بسبب حرارة الجو وحساسية عملية الصناعة نفسها. يقول بحسرة: “عايز أمشي [من عمله]”، لكنه يستدرك: “بس مش عارف أروح فين؟”.

اعلان
 
 
محمد حمامة 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن