Define your generation here. Generation What

كيف تُعلمنا العبرية شيئاً عن ذواتنا؟ (٥) الحنين لما لم نره.. القصة الحزينة لليهود الشرقيين

“طرق أورشليم نائحة، لعدم القادمين إلى الأعياد، وجميع أبوابها متهدمة.
كهنتها متنهدون وعذاراها متحسرات، وهي في مرارة”

فيروز والأخوان رحباني، في معالجة لسفر “مراثي إرميا”

***

تحل هذه الأيام ذكرى التاسع من آب، وهو، بحسب التقويم العبراني، اليوم الذي تهدّم فيه الهيكل الثاني لليهود في فلسطين عام 70م، وانتهى الوجود اليهودي هناك وبدأت سنوات التيه في “المنفى”. وفي ليلة التاسع من آب يُقرأ في المعابد السفر المعروف بـ”مراثي إرميا”، وهو واحد من أكثر أسفار المقرا حزناً وعذوبة، ويبدأ بنواح كاتبه على أورشليم: “كيف جلست وحدها المدينة كثيرة الشعب، كيف صارت كأرملةٍ العظيمةُ بين الأمم”.

 منذ “شتات اليهود” في أنحاء العالم، لم يتوقف حنينهم لأرض إسرائيل/ فلسطين، وبالأحرى لأورشليم/ القدس، لم يتوقف حنين اليهود منذ ألفي عام لمكان لم يعرفوه، ولم يروه ولم يقرأوا عنه إلا في الكتب. هذه النوستالجيا، التي لا تقوم على خبرة حياتية مباشرة، ننظر إليها نحن العرب باعتبارها جنوناً مطبقاً، بينما نعرفها جيداً. نعرف جيداً إحساس القشعريرة الذي ينتابنا لدى القراءة عن قصر الحمراء أو عن مدينتي غرناطة وقرطبة، ومثل بعضهم، تنتاب إسلاميونا أيضاً رغبة قوية في العودة للأندلس، لإعادة مجد ملوك بني أمية.

هذان نموذجان للحنين لماضٍ لم نعشه بشكل مباشر، ولكن ليس عن هذين الحنينين جئنا لنتكلم اليوم، وإنما عن حنين آخر، لأم كلثوم وفريد الأطرش، للقاهرة وبغداد وكازابلانكا واللغة العربية.

***

ولدت اليهودية في محيط شرقي، وولدت الصهيونية في محيط غربي، ولدى رحيل الأخيرة إلى الشرق الأوسط اصطدمت بسكان المكان، الفلسطينيين، هذا الصدام الذي وصل لذروته في 1948. بعدها بسنوات معدودة، في أوائل الخمسينيات، سيحدث صدام آخر مع الشرق، الشرق اليهودي هذه المرة، اليهود العرب المهاجرين لإسرائيل. قصة إسرائيل قصة مثيرة عن الهويات، عن محاولة تذويب الهويات في مصهر هو “دولة إسرائيل” والغليان الذي ما يزال يجري حتى الآن في هذا المصهر، تحت وطأة العجز عن الانصهار أو رفضه.

وصل اليهود الشرقيون إلى إسرائيل بعد أن انتصرت إسرائيل في الحرب، بنت كيبوتساتها ومدنها، وهدمت مدن وقرى الفلسطينيين، وصلوا بعد أن كان أعيد إحياء اللغة العبرية، بلكنة إشكنازية شرق أوروبية. وصلوا بحرفي الحاء والعين على ألسنتهم، بألبستهم التقليدية على أجسادهم، ليصبحوا هدفاً لسخرية الإعلام الإشكنازي منذ وصولهم ولعقود طويلة. في عام 1949، كتب بن جوريون عن طائفة اليهود اليمنيين: “هم بعيدون عنا بمسافة ألفي عام إن لم يزد. تغيب عنهم المفاهيم الأكثر أساسية والأولية للحضارة (لا الثقافة). علاقتهم بالأطفال والنساء هي علاقة شخص بدائي”.

ولكن بالنسبة لهم، لليهود الشرقيين أنفسهم، كان الموضوع مختلفاً. لقد جاءوا غالباً من نخب مدينية علمانية، كان كثير منهم بمثابة “خواجات” في بلدانهم العربية، وفور وصولهم رُشوا بالمبيدات، وسُكنوا في معسكرات خيام بلا كهرباء، ثم في مدن الضواحي في إسرائيل، وسُخر من لكنتهم العربية. من قام بهذه الأفعال المبنية للمجهول، من رشهم بالمبيدات وسكنهم في مخيمات وسخر من لكنتهم هم اليهود الإشكنازيون، الآتون من شرق أوروبا، أبناء المزراعين ذوي التعليم الديني، الصهاينة المتعصبين منغلقي الأفق.

بالمناسبة، أجري مرة الصحفي من أصل مصري، إيال ساجي بيزاوي، حواراً مع نتاشا أطلس، وانتهز الفرصة للكلام عن الكاتبة من أصل مصري هي الأخرى، جاكلين كهنوف، التي كانت أول من عرّفت نفسها بالقول “أنا مشرقية”، مستعملة مصطلح Levant، وكان مقصوداً به سابقاً الحط من شأن ثقافة اليهود الشرقيين. بالنسبة لساجي بيزاوي في مقاله، فالثقافة المشرقية تميل للاعتدال والتسويف والتسويات، في مقابل الثقافة الإشكنازية التي تميل للصدام والحسم والحرب. هذا مقلوب الفكرة الشائعة في إسرائيل التي تنسب التطرف لليهود الشرقيين وتنسب الاعتدال والتسامح والاستنارة للإشكنازيين.

***

في السنوات الأولى لمجيئهم لإسرائيل، سمع كثير من اليهود الشرقيون أم كلثوم وفريد الأطرش في بيوتهم سراً، خجلوا من حنينهم لبلدانهم الأولى لأنهم خافوا من الاتهام بعدم “التأسرل”، وخجل أطفالهم من لكنة آبائهم التي تحوي حرفي العين والحاء. أسسوا نوستالجيا ضخمة للعالم العربي الذي جاءوا منه، كانت هذه نوستالجيا ثقافية، غير مسيسة. كانت نوستالجيا لا تجد ما تقوله ضد دولة إسرائيل.

تقبل اليهود الشرقيون التقسيمة المفروضة عليهم، صدقوا أنهم آتون من أصول بدائية ومتخلفة ومتعصبة، في مقابل الإشكنازيين ذوي الثقافة الأرقى، الإشكنازيين اليساريين المحبين للسلام. ومن أجل إثبات العكس، إثبات أنهم لا يقلون وطنية وصهيونية، قامت الأجيال التالية لليهود الشرقيين بالتصويت للأحزاب الدينية المتطرفة في عدائها للعرب، الليكود ثم شاس. بشكل عام، يُنسب لتصويت الشرقيين وصول حكومة مناحم بيجن الليكودية للسلطة في السبعينيات. هذا ما تريه لنا دراسة شوشانا جباي، بعنوان “نحن العاطفيون، النضال الشرقي كخادم مخلص للإعلام النيو ليبرالي“.

قمت بترجمة هذه الدراسة، ومن ساعتها بدأ اهتمامي بحالة اليهود الشرقيين، لا كمجموعات كانت تتحدث العربية فيما قبل، وإنما كقصة حزينة عن المجموعة التي كانت نخبة في بلادها ثم أزاحتها الصهيونية الإشكنازية في إسرائيل إلى الهامش، فما كان منها إلا أن زايدت على المركز عبر إثبات الولاء الزائد له. هذه قصة إنسانية عن مهمشين يعادون اليسار، قصة عن الخوف الإنساني من الوصم، مما يدفع الفرد لتبني رؤى مخالفة لما يعتقده، أو لما يحدسه بداخله.

ظللت لسنوات لا أفهم هذا، إلى أن وهبنا الله في مصر قصة الثورة، ورأيت المشهد الأكثر إيلاماً وثقلاً من حولي، عندما أحيط الثوري في الشوارع بمجموعات المهمشين الذين يصرخون فيه ويتهمونه بالعمالة. أفهمني هذا كيف يتصاعد الخطاب المركزي في هستيريا يقينية ومكشرة الأنياب، وكيف أن من سبق وتبنوا رؤى مخالفة للخطاب المركزي، سيدفعهم علو صوت الأخير إلى الرغبة في الانضمام إلى جوقته، لكي يصبحوا جزءاً منها ويعيدوا إنتاجها بشكل أكثر رثاثة. في إسرائيل، يُتهم اليهود الشرقيون المنادون بالسلام وبحقوق الإنسان الآن بـ”التشكنز”، مثلما سبق وأن اتُهم المدافعون عن حقوق الإنسان في مصر بـ”العمالة للغرب”. كأنما هناك شيئاً جوهرياً في “الشرق” يعني أن تكون ضد الإنسان وحقوقه.

بجانب قوة الخطاب المركزي، كان هناك في مصر أيضاً الخوف الشعبي من الفوضى والرغبة في الاستقرار، أما اليهود الشرقيون، فصحيح أنهم تركوا الوضع الآمن إلى المجهول الإسرائيلي، ولكن بعد أن احترقت مراكب عودتهم للبلدان العربية، وبعد أن صيغ تناقض جذري بين “العروبة” و”اليهودية”، على يد الصهيونية أو على يد الحكومات العربية، في العراق أُسقطت عن اليهود الجنسية العراقية، وفي مصر مُنح اليهود وثائق سفر بلا عودة. أي أن كثيراً من اليهود الشرقيين في إسرائيل، وبهدف التكيف وإثبات الولاء ورأب الصدع النفسي، فقد اختاروا التصهين، ورأوا نفسهم نقيضاً للعرب، ربما أكثر من الإشكنازيين.

هذا الكلام أقوله بكل أنواع التعميم، وليغفر لي الله تعميمي، فقد كان هناك الكثير من اليهود العرب من الجيل الأول في إسرائيل ممن استطاعوا التوثيق لتجارب إذلالهم على يد النخب الإشكنازية، سامي ميخائيل وشمعون بلاص وسمير نقاش من الجيل الأول، ومنهم أيضاً من أصر على مواصلة الكتابة بالعربية داخل إسرائيل، مثل سمير نقاش، الذي عرّف نفسه، ربما لأول مرة في إسرائيل، بأنه “يهودي عربي”، كما انتفضت حركة “الفهود السود”، اليهودية الشرقية، في قدس السبعينيات، ضد هيمنة الإشكنازيين على الموارد.

واليوم أيضاً يظهر جيل جديد من اليهود الشرقيين، جيل من الأكاديميين والمثقفين والفنانين والناشطين السياسيين بالأساس، يعيدون الاعتبار لمفهوم “اليهودي العربي”، ويتساءلون، نحن المتطرفون؟ نحن أم من بنى الدولة الصهيونية وهجر الفلسطينيين، نحن أم من فرض علينا أن نكون متطرفين لنواكب صهيونيتهم؟ حرقتم قرى الفلسطينيين وأسستم دولة صهيونية والآن تتهموننا بأننا أعداء السلام وتعايروننا بالتصويت لشاس؟

هذا الجيل الجديد أيضاً لم ير البلاد العربية التي جاء منها، مثلما لم نر نحن الأندلس ومثلما لم ير اليهود سابقاً أورشليم، ولكنه يحن إليها، ويأخذ حنينه هذه المرة اتجاهاً مغايراً. بدلاً من المناداة بالعودة لمصر أو العراق أو اليمن، مثلما نادى الصهاينة سابقاً بالعودة لأورشليم، ومثلما ينادي إسلاميونا بالعودة للأندلس، فهو ينقد الرواية الصهيونية، القائمة على التناقض الحتمي بين “اليهودي” و”العربي”. حنينهم للمدن التي لم يروها لم يعد مجرد طاقة ثقافية، وإنما أصبح سياسياً، يهدف لتغيير المجتمع الذي يعيشون فيه. لبس الحنين وجهاً جديداً هذه المرة.

وفي رد فعل على نقدهم للصهيونية، شبيه برد نعرفه جيداً من عينة “ما تروح تتطوع ف داعش”، يقال لليهودي الشرقي الذي يفكك الرواية الصهيونية، لو كنت تحب العرب فاذهب لتعش بينهم. ولكن اليهودي الشرقي لا يستطيع، لأنه نسى العربية، ولأنه ليس من السهل أن تطلب من إنسان ترك البلد الذي ولد فيه، ولأن العرب لن يرحبوا به. بالمناسبة، أحب أن أذكّر بأن واحداً من الاعتراضات، “الثورية” و”العلمانية”، ضد الإخوان المسلمين وقت حكم محمد مرسي، كانت ترحيب عصام العريان، القيادي الإخواني، بعودة اليهود المصريين لمصر.

***

قبل عدة أعوام صدر في إسرائيل كتاب بعنوان “أصداء الهوية، جيل ثالث يكتب باليهودية الشرقية”.  جمع الكتاب شهادات من أبناء الجيل الثالث من اليهود الشرقيين حول إحساسهم بهويتهم. كان الكتاب بمثابة إعلان عن أن المصهر لم يعمل جيداً، أن إسرائيل لم تُذب داخلها الطوائف المختلفة من اليهود، وأن الغلاية ما زالت تغلي. كان الكتاب أيضاً واحداً من المحطات التي استطاعت فيها الهوية اليهودية الشرقية أن تفرض نفسها على المشهد الثقافي في إسرائيل، وهي المحطات التي وصفها بدقة الشاعر ماتي شموئولوف في مقال نشر مؤخراً في جريدة هاآرتس. يصف الكتاب بدقة حالة اليهودي الشرقي الذي يشاهد الفيلم المصري ليلة السبت ويعجب بفؤاد المهندس وفريد الأطرش، وبعدها يصرخ “الموت للعرب”، ويصوت لشاس أو الليكود، لأنه ينفر من الإشكنازيين الذين يصوتون لحزب العمل، الحزب اليساري الأوروبي الأنيق.

ولكن هذا التيار الثقافي ليس تياراً مركزياً بين اليهود الشرقيين في إسرائيل، ربما أصبح هكذا مؤخراً بين مثقفي اليهود الشرقيين، ولكن لا يمكن الزعم بأنه مؤثر حتى الآن على الشارع الإسرائيلي. التيار المركزي بين اليهود الشرقيين يصغي أكثر للدعاية التي تمارسها عليه النخبة الإشكنازية، في برامج الواقع، والتي بمفادها فهؤلاء اليهود الشرقيون ممتعون ومسليون، وليس أكثر. عنوان مقال شوشانا جباي المذكور هنا، “نحن العاطفيون” يشير لهذا. تقولون أننا عاطفيون، إذن ليكن، نحن العاطفيون! تقول جباي إن هذا ربما يكون هو الحادث الآن، ولكنه ليس تاريخياً. تاريخياً، كان اليهود الشرقيون هم النخب المدينية المحافظة العقلانية في البلدان العربية، في مقابل الإشكنازيين الصهاينة المؤدلجين المتعصبين، أبناء القرى الشرق أوروبية. تجربة المعابر، وهي الخيام التي سكنها اليهود الشرقيون فور وصولهم، كانت تجربة مريرة، كانت كفيلة بإنساء اليهودي العربي ذاكرته السابقة ودفعه لتبني ذاكرة أخرى، معكوسة، لما حدث. الكثير من الروايات التي كتبها أدباء اليهود العراقيين مع وصولهم إسرائيل تشهد على تأثير الصدمة النفسية عليهم وقتها.

في العام الماضي، بدأ في إسرائيل عرض الموسم الأول من مسلسل “إمبراطورية زجوري” للمخرج ماؤور زجوري. تقوم حبكة المسلسل، الذي حظى بنجاح مدو، على عائلة، أب وأم وثمانية أبناء، من أصول مغربية، هي عائلة زجوري. يدخل أحد الأبناء، آڤيئيل، الجيش، ويتشكنز هناك، تصبح لكنته ونمط حياته مثل لكنة ونمط حياة الإشكنازيين وينظر بقرف إلى عادات عائلته، يميل مثل الكثير من اليهود الشرقيين لإنكار طائفته، يسخر منها ويدعي أنه ذاب في المصهر، ذاب في الهوية الإسرائيلية الجماعية، يدعي أنه “إسرائيلي يهودي علماني” وليس مجرد “يهودي مغربي”، ولكن الكثير من اللمحات والمواقف وزلات اللسان تكشف لنا عن العكس. المسلسل شديد الحساسية ويلتقط أدق الاختلافات بين أنماط اليهود الشرقيين، ويناقش الكثير من القضايا الشائكة في إسرائيل، مثل التشكنز وعلاقات الحب بين اليهود والعرب، وتنصر اليهود وغيرها، بشكل شديد المرح والتشويق، ويتابعه الإشكنازيون والشرقيون على السواء.

ربما يغير المسلسل شيئاً في الوعي الإسرائيلي حول جدل الشرق والغرب، لكون هذا العمل الأول ربما الذي يقفز بالجدل حول اليهود الشرقيين والإشكنازيين لمساحة الثقافة السائدة، ويقتحم أجهزة تليفزيون الإسرائيليين في بيوتهم، ويجبرهم، عن طريق حبكته الذكية والمشوقة، على متابعته وتقبل اللمحات القاسية التي يقدمها حولهم.

***

قبل ترجمتي لمقال شوشانا جباي، كنت قد عملت لسنتين، كما أسلف، على ترجمة رواية ألموج بيهار، الآتي من أصول عراقية وتركية، “تشحلة وحزقيل”، ومن المفترض أن تصدر الترجمة قريباً عن دار “الكتب خان”. كنت قد عرفت الكاتب من قبل، في ترجمة الزميل والصديق محمد عبود لقصته “أنا من اليهود“. وفتنت بروحه التي تمزج مزجاً حقيقياً بين قيم اليهودية والقيم الإنسانية، مثل العدل والتسامح. عامان عملت فيهما على الرواية كانا كافيين لإفهامي أشياء كثيرة، عن جدل الشرق والغرب لدى اليهود الشرقيين، عن اليهودية والصهيونية، ولكن الأهم، فُتنت بسؤاله عن “المنفى”، أيهما المنفى بالنسبة لليهودي العراقي، بغداد أم أورشليم، بابل أم أرض إسرائيل؟

في نهاية هذه السلسلة من المقالات، الشخصية وغير الشخصية، أحب أن أحكي عن حنيني أنا للقدس. أنا أيضاً أحن لمكان لم أزره ولم أره ولم أعرفه سوى من الكتب والأغاني، أحن للقدس التي هي أورشليم ولأورشليم التي هي القدس، ولا أحب أن يُغلق باب مدينتها وأنا ذاهب لأصلي، أو أن تجلس وحدها المدينة التي كانت كثيرة الشعب، وتصير كأرملة العظيمة بين الأمم.

في كتابه “رأيت رام الله”، يكتب مريد البرغوثي أن إحساسنا بفلسطين سيظل قاصراً طالما اختزل في الحنين للقدس، وبالتحديد في قبة الصخرة، وأن فلسطين لن تصير وطناً إلا عندما نبدأ الشكوى من جوها ومواصلاتها وزحامها، وأنا أعرف جيداً كيف أحب مدناً بمواصلات خانقة، وكيف أستطيع رؤية السامي في عاديتها والعادي في سموها. عرفت كيف أحب القاهرة مثلاً، والتي شرح لي أصدقائي الفلسطينيون أن المدينة القديمة فيها، شارع المعز بالأخص، تطابق المدينة القديمة في القدس. وأنا أحب أن أرى القدس، بزحامها وباصاتها وحرارة جوها، وأن أبصر داخل هذا صلاح الدين والنبي إرميا وغيرهم. هذا هو الحنين، يضبب المشهد قليلاً لكي لا ترى ولكنه يطرب قلبك. وهذا هو البصر، ينزع الضباب ويريك جيداً ولكن يمنعك من الغناء. وهذا هو الجدال الدائم بين الحنين والبصر.

ما أستطيع تأكيده الآن أنني أؤمن أن من الضروري أن تتحرر فلسطين، وتحررها يعني عندي “دولة واحدة ديمقراطية علمانية للعرب واليهود على حد سواء”، يعبد فيها كلٌ ربه بالشكل الذي يحبه، ويبني كلٌ ذاكرته كما يحب وكما يتفق مع معتقداته، بلا سيطرة صهيونية على العرب، ولا سيطرة عروبية على اليهود. هذا شعار سياسي، نادى به الكثير من الأفراد في مجتمعاتنا، حتى وإن لم يتبلور حتى الآن في حركة مؤثرة، ولكنه أيضاً شعار شخصي، يخصني أنا، لأنني طالما تمنيت التجول ببين الجانبين، العرب واليهود، وسمعت حكايات كل منهما عن نفسه، ولضمت ما عرفته من العربية بما عرفته من العبرية. وأنا ببساطة لن أرتاح في التجول في مكان عنيف يقوم على هيمنة طرف على آخر، أو قصة على أخرى. 

اعلان
 
 
نائل الطوخي