Define your generation here. Generation What

حقي!

عندما وصلت إلى اسكتلندا في بدء رحلتي الدراسية، كان عليّ أن أذهب إلى النقطة الشرطية التي أتبعها كي أسجل نفسي. الأمور في أدنبرة، عاصمة اسكتلندا، مختلفة عن لندن، عاصمة إنجلترا، من حيث تسجيل الطلبة. هنا في أدنبرة الأمور منضبطة أكثر والإجراءات تتم بجدية شديدة.

ذهبت إلى النقطة، والتي ظننتها في الأول تابعة لإحدى الشركات العالمية! والله أنا مظلوم، ولكني لم أر في حياتي نقطة أمامها جنينة جميلة وبابها يفتح أوتوماتيكيًا. رأيت أمامي ضابطًا يقف خلف الكاونتر، وعن يميني مواطن يجلس وحده على دكة حديدية.. كأي مواطن مصري توجهت إلى المواطن بدلًا من الشرطي كي أسأله عن الإجراءات، وكأن عقلي المصري مبرمج على تفادي الضباط قدر الإمكان. وسرعان ما قال لي الضابط أن أتوجه له وأترك هذا الشخص في حاله. أدركت بعدها أن هذا الرجل كان مقبوضًا عليه في اليوم السابق، وأنه عاد لأنه فقد محفظته، والشرطة تساعده في العثور عليها. (يعني بالعامية اليوم  اللي قبليها الرجل كان في الحجز وتاني يوم  بيطالب بحقه في إنه يلاقي محفظته اللي فقدها وهو سكران وفي حالة هياج!). المستفز هو مقدار الاحترام والاحتراف من الشرطة في القسم في التعامل مع هذا الشخص.

ذهبت لمقابلة ضابطة الشرطة المختصة في أمور التسجيل والإقامة الدراسية، والتي أخذت أوراقي وأخبرتني بأنه ينبغي عليّ أن أعود بعد أسبوعين كي أتسلم الإقامة بعد أن يجروا التحريات المناسبة للتأكد من صحة أوراقي. أعود بعدها وأتسلم الورقة الخاصة بالإقامة وأسألها كما يسأل المصري بين يدي ضابط الشرطة: هل ينبغي أن أحمل جواز سفري أم ورقة الإقامة من الآن فصاعدًا؟ ترد في تعجب: ولماذا تحمل أي منهما؟ أضحك ضحكة تدل على السذاجة، ثم أقول: في حالة أوقفني شرطي! فترد هي: ولماذا يوقفك الشرطي؟ كمصري أنا مبرمج أن ما الدنيا إلا طرقة تأخذنا من لجنة للجنة. فتجيب هي بحزم: ليس من حق أحد أن يطلب أوراقك إلا في حالة ارتكابك خطأ ما، وحينها من الممكن أن تقول لهم إن أوراقك في المنزل.. الحالة الأخرى هي إذا كنت في مكان يتحقق من أوراقك كي يتأكد أنك بالغ كفاية لدخول هذا المكان.. تقصد السينمات، الحانات، إلخ.

كمصري طبيعي، أبحث عن أول مظاهرة فيكي يا اسكتلندا كي أعقد في عقلي دراسة مقارنة نتيجتها محتومة وهي عقدة النقص. بالفعل أذهب إلى مظاهرة الاسكتلنديين الغاضبين من نتيجة الاستفتاء، وهي الاستمرار في المملكة المتحدة وسيطرة لندن على أحفاد ويليام والاس. أسأل أحد المشاركين والذي يبدو عليه قدر من الثقافة: ألم تقل الصناديق لا.. لماذا تتظاهرون إذن؟ فيرد هو أن للاحتلال والغصب صور عدة. فبينما إنجلترا لم تستخدم العنف – كما كانت تفعل في الماضي – للإبقاء على مملكتها، إلا أنها استخدمت سلاح العصر وهو الاقتصاد. قبل الاستفتاء وبعد أن بدا الأمر شبه جليّ أن اسكتلندا على وشك أن تصبح دولة مستقلة، استخدمت لندن كل أساليب الإرهاب الاقتصادي والخروج عن الأعراف، كي تجبر الشعب الاسكتلندي على اختيار عدم استقلاله بنفسه. أقول له: ولكن المظاهرات هنا تتم بسلام بالرغم من قربنا الشديد من مبنى البرلمان! فيرد: هذا حقنا! ويقول: يا عزيزي، بينما سمحت إنجلترا لبعض مستعمراتها ببرلمان يمثل الناس كـ”الهند، مصر.. وغيرهما” لم يتم السماح لنا ببرلمان إلا في عام ١٩٩٧.. ومنذ ذلك الحين واسكتلندا في تقدم كبير. الديمقراطية وتحقيق المصير هما الخطوات الأولى لأي نجاح. وبالرغم من أن حكومة سكتلندا وبرلمانها ما زالا تحت هيمنة برلمان لندن ؛ فإن الحكومة الاسكتلندية استطاعت أن تحقق الكثير، مما جعل الآلاف من مواطني شمال إنجلترا نفسها يوقعون على عريضة تطالب بضم شمال إنجلترا إلى اسكتلندا في حال الانفصال! إنجلترا- وحتى وقت قريب- استخدمت أسوأ أنواع العنف والتعذيب والقتل والتفريق المذهبي (مذابح البروتستانت والكاثوليك) والمجاعات أو إغلاق المصانع وتشريد الآلاف (مثلما فعلت مارجريت تاتشر) مع مواطني اسكتلندا- وبشكل أكثر بشاعة- مع أيرلندا. نحن نظن أنهم وصلوا إلى وضعهم هذا منذ قرون وأنهم حصلوا على هذه الحياة بشكل سلس.. لا والله دفعوا ثمنًا باهظًا.

الشرطة حول المظاهرة  غير مسلحة وعددها لا يزيد على ٣٠ شرطيًا مثلاً. أذهب إلى شرطي ضعف حجمي تقريبًا وأسأله عن رأيه في المظاهرة. قال لي: التعبير عن الرأي والتنفيس عن الغضب مطلوب! طبعًا المصري بداخلي في هذه اللحظة انتحر على طريقة الساموراي. أرد بتعجب: مطلوب؟! فيرد بابتسامة: نعم؛ لأن هذا جزء من العملية الديمقراطية السلمية. أنظر حولي وأرى الكثير من المتظاهرين يشربون الخمر، والسكر في اسكتلندا يجعل من الإنسان الطبيعي زومبي في ساعات. أقول له: ألست خائفًا من هؤلاء (وأشير إلى مجموعة تشرب بشراهة)؟ فيقول: في حالة بدأ البعض بأعمال مخالفة للقانون أو تكدير سلمية المظاهرات نتدخل ونعزلهم عن بقية المظاهرة كي تستمر في سلام. دوري هو أن يمر اليوم بسلام. يسألني الضابط عن موطني وأخبره أني من مصر. يقول لي إنه يسمع أنها بلد في غاية الروعة وأن أصدقاءه يقولون إن منطقة البحر الأحمر هي منطقة ساحرة. أبتسم ابتسامة حزينة وأجيب بنعم، مصر جميلة. فيسألني: هل الشرطة تستخدم العنف المفرط في مصر؟ فأقول له ضاحكًا: العنف المفرط هو وصف أقل من الواقع المؤسف. فيرد: ليس من حقهم هذا. ألا يدركون أن هذا يجعل وظيفتهم أصعب؟ هذا العنف سيؤدي لمزيد من الاحتقان وبالتالي سيؤذي السلم الاجتماعي. من حق الناس أن تتظاهر وأن تعبر عن رأيها بشكل سلمي.

موروث اسكتلندا جعلها بلد ساحر تمزج بين التمسك بالدين (فالكنائس ما زالت عامرة بالناس هنا.. والمعابد والمساجد أيضًا) وبين كونها أيضًا بلدًا قوميًا تعتز بهذا العلم الأزرق بالأبيض البسيط الجميل.. وفي الوقت نفسه يسارية اشتراكية تكره الحزب المحافظ بشدة. تربينا على أن اليمين دائمًا أفضل كجزء من عاداتنا العربية والإسلامية.. لكن في السياسة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، من الأفضل أن تكون القبلة إلى اليسار ولو قليلاً.

أسأل الصيدلي هنا في حرج: هل لديكم الشرائط الخاصة بجهاز قياس السكر هذا (ثم أشير إلى الجهاز)؟ هذه أول مرة أشتري أشياء خاصة بمرضي الجديد هنا في أدنبرة منذ عودتي من الإجازة في مصر، والتي تم تشخيصي بها بهذا المرض المزعج. فينظر الصيدلي المحترم بتمعن للجهاز ويقول لي: لا أظن.. من أين جئت بهذا الجهاز؟ أجيب: من مصر.. فيقول لي إنه نوع جيد جدًا وحديث ولكنه لديه أنواع أخرى. يسألني إذا كان معي روشتة من دكتور أو مستشفى في أدنبرة.. فأجيب: مع الأسف.. ليس بعد. (لم أسجل نفسي في النظام الصحي هنا ظنًا مني أن شبابي يحميني من المرض) . أقول له: ولكني على لائحة التسجيل وسيتم تسجيلي الأسبوع المقبل. بكم الشرائط؟ يرد بتعجب: يجب أن تحرص على التسجيل في النظام الصحي؛ لأن هذا حقك. ثم يزيد: ويجب أن تأتي بروشتة كي تأخذ الشرائط مجانًا.. هذا أيضًا حقك. أرد متعجبًا: مجانًا؟! فيقول: نعم، والإنسولين أيضًا يغطيه النظام الصحي هنا.. بالإضافة إلى الجهاز نفسه. كل هذا من حقك. أرد بانبهار: حقي؟! علمتني أمي أن نترك الأشياء المجانية لمن هم أكثر احتياجًا حتى ولو ضغطنا على أنفسنا. أمي ربتنا وحدها وعانت كثيرًا ولكنها رفضت فكرة أن نأخذ معونة أو تخفيضًا بسبب وضعنا. السبب بسيط.. في مصر هذه الأمور ليست من حقنا وإنما هي منحة، وبالتالي الإيثار مطلوب. بارك الله في أنفاس أمي،لكن الصيدلي الاسكتلندي يخبرني بشيء عجيب وغريب، وهو أنه من حقي أن تعالجني دولة لست من مواطنيها وإنما جئت فقط كي أدرس بها. هذا حقي وليست منحة. في هذه اللحظة أدركت كم سقطت في حب اسكتلندا وكفاح شعبها. أخرج خارج الصيدلية وفجأة أتذكر ميدان التحرير حينما كنا نطالب بمثل هذه الأشياء..

أشياء بسيطة ولكنها  تبدو جميلة..

جميلة.. كما كنا نحلم بها.

ميدان التحرير.. شوارع أدنبرة الجميلة.. وسط البلد.. الحقوق.. الثورة.. الحق.. الحلم.. صور ومشاهد وكلمات تدور بعقلي بسرعة شديدة مصحوبة بمشاعر جياشة. أشعر بالأسى لمن هم أقل حظًا مني. أدعو الله أن يتحقق الحلم حتى ولو بناس آخرين.

الحلم كالسهم انطلق.. لن يضر السهم شيئًا إذا ما الرام سقط.

 
اعلان
 
 
أحمد أبو حسين