Define your generation here. Generation What

«الاشتراكيين الثوريين» والإخوان

أكتب هذه الورقة لأسجل رفضي ونقدي لمواقف “حركة الاشتراكيين الثوريين” التي أعلنتها مؤخرًا بخصوص الإخوان المسلمين، لكن أحب أن أوضح في البداية أمرين: 1- أني أنتمي سياسيًا وإيديولوجيًا للتيار الاشتراكي الثوري، وكنت لوقت طويل ألعب أدوارًا مركزية داخل “حركة الاشتراكيين الثوريين”، حتى تم فصلي منها عام 2010، بعد قيامي بعمل مراجعات لبعض أسسها، وبسبب عدم التزامي ببعض قراراتها التي كنت أختلف معها. 2- قبل أن يتم فصلي، تحديدًا عام 2005، كنت واحدًا ممن صاغوا مواقف الحركة بضرورة التنسيق مع الإخوان في معركة التغيير، وكنت الشخص الرئيسي الذي قام بإدارة عملية التنسيق هذه. هدفي من هذا التوضيح هو التأكيد أن اختلافي مع مواقف “حركة الاشتراكيين الثوريين” الأخيرة هنا ليس تبرؤً من السياسة الاشتراكية الثورية، وإنما هو– من وجهة نظري- دفاع حقيقي عنها.

وقد لفت انتباهي بعد قراءة الورقة الأخيرة للحركة أنها تقوم– بهدف تفسير مواقفها الجديدة من الإخوان- بالخلط ما بين بعض الأمور التي لا يجب الخلط بينها، وهو ما يدعوني هنا إلى محاولة تفنيد هذا الخلط من أجل إظهار التناقضات في تلك المواقف، وأسباب رفضي لها.

أولًا: الخلط ما بين الطبيعة الطبقية للإخوان (أي كونها “عابرة للطبقات”- على حد تعبير الاشتراكيين الثوريين-، جسمها الرئيسي من الطبقة الوسطى) ما يجعل مواقفها السياسية في حالة تذبذب دائم، والاستنتاج القائم على ذلك بأنها حركة “إصلاحية”. لقد دافعت عن هذا الاستنتاج وتبنيته عام 2005، عندما كانت الإخوان حركة تحاول- بطرق سلمية وانتهازية- تحقيق إصلاح سياسي على مستوى الحريات السياسية وتداول السلطة، أما أن نعيد تكرار التحليل نفسه والاستنتاج نفسه اليوم، بصياغات 2005 نفسها، وبعد كل ما جرى، فهو في تقديري أمر غريب الشأن. فلم ينقلب الإخوان فقط على الثوريين ويخونوا الثورة عشية سقوط مبارك، وإنما انقلبوا على مشروع الإصلاح نفسه وحولوا المعركة من أجل الديموقراطية إلى معركة لفرض الشريعة، واندفعوا في فرض مشروع سياسي هوياتي وطائفي بوضوح، وهي ذكرى ستبقى عالقة في وعي أجيال الثورة لن يمحوها الزمن.

وإذا كان من الصحيح أن وضع جميع الحركات الإسلامية في سلة واحدة؛ لأنها جميعًا تدافع عن تطبيق الشريعة، هو تصور مثالي يُعلي من شأن الإيديولوجيا، ويتجاهل الطبيعة الاجتماعية والتوجهات السياسية والتاريخ والجغرافيا.. إلخ. فمن الصحيح أيضًا أن اعتبار الإخوان حركة إصلاحية نتيجة لتحليل طبيعتهم الطبقية وفقط، وبمجرد الاستناد إلى تذبذب مواقفهم، هو تصور ميكانيكي، لأنه يتجاهل المشاريع والتوجهات السياسية للحركة، وسياستها العملية المباشرة.

لقد خان الاشتراكيون الديمقراطيون الألمان الثورة في ألمانيا عام 1919 وعصفوا بالثوريين، وهو أنصع الأمثلة التاريخية حول خيانة الحركات الإصلاحية للثورات والشعوب. لكنهم فعلوا ذلك عبر خداع الجماهير الواسعة، ولم يفعلوه عبر استعداء تلك الجماهير وفرض وصايتهم عليها. لم يفتعلوا مثلا معارك طائفية ورجعية ضد الأقليات الدينية والنساء، ولم يقوموا بحشد أنصارهم لترويع المجتمع وفرض قيود صارمة على الحريات السياسية والشخصية، ولم يمارسوا عداءً واضحًا ضد الجماهير في كل المواقع.. لقد نجحوا وقت الثورة الألمانية، وهم يسعون إلى تصفيتها، في كسب بعض الإصلاحات الحقيقية، أما الإخوان فلم يقبلوا حتى تحقيق إصلاح سهل وبسيط وبلا تبعات من نوع إلغاء عقوبة حبس الصحفيين في قضايا النشر، وظلت معركتهم الوحيدة طوال عامين منذ صعودهم في 2011 وحتى سقوطهم في 2013، هي تطبيق الشريعة وفرض طائفيتهم ورجعيتهم على المجتمع.

باختصار، “إصلاحية” الإخوان هذه خدعة لم تعد تنطلي على أحد. فالإصلاحيون لا يتحولون إلى قوة معادية في أعين الجماهير، ولا يقدرون على طرح أنفسهم كإصلاحيين وهم معزولون ومرفوضون من الجماهير الغفيرة، بل لا يمكن من الأصل تصنيفهم كإصلاحيين وهم لا يتوقفون عن التعبئة الطائفية، والصياح بأن معركتهم هي فرض الهوية الإسلامية وتطبيق الشريعة، كما هو حال الإخوان اليوم. 

ثانيًا: الخلط ما بين ضرورة التصدي بحسم لكل صور القمع والتنكيل التي يقوم بها النظام ضد الإخوان وغيرهم، وضرورة بناء جبهة ثورية هدفها استعادة الثورة وإسقاط الدكتاتورية. فطبعًا على جميع الثوريين النضال ضد الاستبداد السياسي الراهن: الاعتقالات العشوائية، والقتل الجماعي، وأحكام الإعدام بالجملة، والمحاكمات المسيسة الفاسدة، إلخ.. أما بناء الجبهة الثورية فمسألة أخرى. علينا مثلا أن نتصدى لاضطهاد الشرطة لعصابات البلطجية والخارجين عن القانون، وأن نقف ضد التنكيل بهم، وأن نناضل من أجل حقهم في محاكمات عادلة، ومن أجل إعادة هيكلة الشرطة ومقرطة مؤسسات الدولة، لكن هذا لا يعني–مثلا- أن نبني جبهة ثورية مع البلطجية بهدف إسقاط النظام.

لقد تجاوز الزمن بالفعل فكرة “الصراع بين جناحي الثورة المضادة”– التي كانت صحيحة تمامًا وقت أن طرحتها جبهة “ثوار” في 2013- لكنه تجاوزها بمقدار ما أصبح مصطلح “الثورة المضادة” نفسه غير صالح للتعبير عن الوضع القائم. وفي تقديري لا يوجد أي لبس أن الإخوان كانوا جناحًا وطرفًا رئيسيًا من أطراف الثورة المضادة منذ لحظة سقوط مبارك، ولعبوا دورًا مركزيًا في هزيمة الثورة، إلا أن الثورة قد انتهت عمليًا اليوم، والثورة المضادة هي الأخرى ليست حدثًا مستمرًا إلى ما لا نهاية. الصراع بين النظام والإخوان الآن هو صراع بين دكتاتورية عسكرية حاكمة وحركة طائفية ورجعية معادية للجماهير ومرفوضة منها. وربما يجب الإشارة هنا إلى أن ذلك التعريف لقوى الثورة المضادة- الذي ردده عدد من الرفاق في حركة الاشتراكيين الثوريين- بأنها فقط القوى التي تشكل القلب الصلب للدولة القديمة، وتسعى لاستعادة الأوضاع ما قبل الثورية، هو تعريف ينزع صفة “الثورة المضادة” عن هتلر وستالين، والكثير من أشباههما!

وعلى عكس ما ورد في ورقة الاشتراكيين الثوريين، لا يوجد في هذه اللحظة من بين جميع القوى والأفراد المحافظين على انحيازهم لمشروع الثورة– ولا أقصد هنا أيًّا من المتعاونين أو المتواطئين مع الدكتاتورية- من يعتبر أن دكتاتورية السيسي والإخوان على الدرجة نفسها من الخطورة. فلا شك أن خطورة الإخوان قد تضاءلت بشدة بعد ما تعرضوا له من ضربات، ولا لبس أن العدو الرئيسي الآن أمام الثوريين وأمام مشروع استعادة الثورة هو الدكتاتورية ونظامها القمعي. لكن هذا لا يعني على وجه الإطلاق صحة الاستنتاج الذي خرج به علينا الرفاق: أن النضال ضد دكتاتورية السيسي لا يستقيم دون التوقف عن معاداة الإخوان باعتبارهم أعداءً للثورة، ودون فتح مساحات للعمل المشترك معهم باستخدام اسم حركي لهم هو “شباب الإسلاميين”.

إن “الرفاق يضعونا -للأسف- أمام المعادلة الصفرية نفسها التي يضعنا أمامها المتواطئون مع النظام: إما أن تعادي النظام أو تعادي الإخوان! لا يمكن أن تناهض الدكتاتورية العسكرية والمشروع الرجعي الهوياتي الطائفي في الوقت ذاته! إذا كنت مذعورًا من الطائفية فعليك أن تدعم الدكتاتور! أما إذا كنت تريد التخلص من الدكتاتور فيجب أن تحارب كتفًا بكتف مع الطائفيين الذين يقاتلونه! يجب أن تختار بين قصف الشعب الليبي بالطائرات المصرية، أو بين ذبح المسيحيين المصريين في ليبيا على أيدي الدواعش، لا يمكن أن تكون ضد الاثنين في وقت واحد!

عذرًا، ولكن هذه المعادلة الصفرية خدعة مفتعلة، ولا تستند إلى أي تحليل أو موقف ثوري.. بل إن هناك عشرات ومئات وآلاف الأمثلة في الماضي والحاضر تنسفها نسفًا.. وإلا فليخبرني الرفاق إلى أي جانب يقفون اليوم: مع داعش أم مع بشار الأسد؟! مع السعودية أم مع إيران؟! مع السيسي أم مع أحمد شفيق؟! ..إلخ.

إن “حركة الاشتراكيين الثوريين” تتهم أمثالي، ممن يدْعون ويناضلون من أجل بناء بديل ثالث يناهض الدكتاتورية العسكرية والمشروع الرجعي الطائفي معًا، بأنهم في نهاية المطاف– بقصد أو دون- يدعمون الدكتاتورية العسكرية، ويقفون في صف المنتصر “فالسياسة لا تعرف الحياد”!!! حسنًا، هذا رأيهم ومن حقهم أن يعلنوه.. لكن فليسمحوا لي أن أذكرهم بأن هذا المنطق نفسه استخدمه عدد من المتواطئين مع النظام في الهجوم على الاشتراكيين الثوريين، وكان ردي الشخصي عليهم ساعتها: أن مناهضة الاثنين لا تعني الوقوف على “الحياد”.. وليسمحوا لي أيضًا أن أؤكد -في المقابل- أن من يقوم بعمل مشترك مع الإخوان اليوم، حتى لو باسمهم الحركي “شباب الإسلاميين”، يقف -بقصد أو دون- في معسكر أعداء الثورة.. وهو اختيار سيكون له ثمن، أتمنى مخلصًا ألا يضطر الرفاق إلى تحمل كُلفته.

ثالثًا: الخلط ما بين التوجه “الاستئصالي” الذي يتبناه النظام وأذنابه والمتواطئون معه بصدد الإخوان المسلمين: أي ضرورة تصفية الجماعة والقضاء عليها كلية، واستئصالها من المجتمع والحياة السياسية المصرية؛ والتوجه الذي يتبناه جناح مركزي من الثوريين: أي ضرورة عمل قطيعة سياسية مع الجماعة بسبب طائفيتها ورجعيتها وعدائها للجماهير ورفض الجماهير لها.

القطيعة السياسية مع الإخوان لا تعني الدعوة لاستئصالها، على العكس فمن يدعون إلى القطيعة السياسية -وأنا منهم- يقفون ضد محاولات الاستئصال، ويناضلون ضد كل ما تتعرض له الجماعة من عصف وتنكيل، بل ويطالبون بإعادة دمجها في الحياة السياسية على أسس ديمقراطية، وذلك دون التسامح مع كل من ارتكب جرائم حقيقية ضد الجماهير من بين أعضائها.

القطيعة السياسية مع الإخوان تعني امتناع الثوريين عن أي عمل مشترك معهم، تحت أي مسمى أو صفة، ووضع خطوط فاصلة بوضوح بين حركتنا وحركتهم، وقطع الطريق على أي احتمال لخلط الرايات بيننا وبينهم. الدافع الرئيسي وراء ذلك هو الرفض الشعبي الواسع للإخوان، وحالة العداء المتبادل التي نشأت بينهم وبين الجماهير العادية، تلك الجماهير التي باتت اليوم غاضبة من النظام، لأسباب عدة، لكنها غير مستعدة للتمرد عليه بسبب ذعرها من الإخوان وغياب أي بديل آخر أمامها.

إن من يخلط راياته برايات الإخوان اليوم عليه أن يدرك أن أحد أهم تبعات ذلك هو أن الجماهير ستراه عدوًا. فمن يتصور أن أحداثًا كـ “جمعة قندهار الشهيرة” لم يعد يذكرها أحد هو واهم. أحداث كهذه لا تنمحي من الذاكرة وتمتد آثارها لعقود، مثلها مثل “موقعة الجمل” و”مذبحة رابعة”. لقد صنع الإخوان– عبر وقائع كجمعة قندهار- هوة واسعة بينهم وبين سكان الحضر في مصر، ولا سبيل أمامهم لملء هذه الهوة خلال المستقبل المنظور، وبخاصة أنهم لم يتوقفوا لحظة واحدة منذ سقوط مبارك وحتى يومنا هذا عن التعبئة الطائفية، ورفع الشعارات الهوياتية والمعادية للجماهير، في كل مستويات تنظيمهم وحركتهم ومواقع وجودهم.

ومن يتخيل أن هناك أقسامًا من الجماهير، غير المنظمة أو المسيسة، تلتف حول الإخوان اليوم كما كان الحال قبل 2011 يرتكب خطأ فادحًا. فلم يواجه الإخوان طوال تاريخهم حالة من الرفض الشعبي كالتي يواجهونها الآن. صحيح أن هناك مجموعات من الشباب ليسوا إخوانًا بوضوح يلتفون حول حركتهم كـ”الربعاوية” مثلًا، إلا أن هؤلاء جميعًا ينتمون إلى فصائل ما يسمى بـ”تحالف دعم الشرعية”، أي أنهم ينتمون للمعسكر نفسه تحت عنوان مختلف. وصحيح أيضًا أن قطاعات من الجماهير العادية تندفع وراء تحركات محدودة بعينها يبادر بها الإخوان، كحالة الهجوم على قسم المطرية مثلا. لكن هذا يحدث لأسباب تتعلق بالتوترات القائمة في الموقع، والملاحظ أن ذلك الجمهور يحرص بشدة على نفي صفة الإخوانية عن نفسه، وفصل حركته بوضوح عن الإخوان، بل والهجوم عليهم أحيانًا. وفي غير تلك الحالات القليلة فالغالبية الساحقة للتحركات الإخوانية– المحدودة أصلًا- سواء في الأحياء أو الجامعات، تواجه حالة من العزلة عن الجماهير، بل وفي بعض الحالات تواجه عداءً واضحًا من الجماهير. هذا الوضع هو ما فاقم الشعور بالعزلة لدى الشباب الأكثر راديكالية في صفوف الإخوان، وما دفعهم إلى التحول لتكتيكات أكثر عدائية تجاه الجماهير كأعمال العنف الفردي والتفجيرات العديدة التي تحدث.

ما يواجهه الإخوان من رفض جماهيري هو ما يحفز الاستئصاليين، وكأن الفرصة قد صارت متاحة– من وجهة نظرهم- للتخلص من الإخوان نهائيًا. والحقيقة أن هذا التوجه هو الآخر نوع من الوهم، ولا سبيل للوصول إلى ذلك الهدف، أي الاستئصال الكلي للإخوان. فأحد أهم الأسباب التي خلقت حالة العداء المتبادل بينهم وبين الجماهير هو الطبيعة العصبوية المغلقة للجماعة، وكأنها طائفة منغلقة على نفسها، وهو ما كشف عنه أداء الإخوان خلال سنوات الثورة. وبسبب هذا الوضع تحديدًا لا يمكن للجماعة أن تتلاشى أو تذوي وسط الجماهير بمجرد ضرب صفها القيادي، أو حتى القسم الأكبر من كوادرها.

لقد تغير الوضع بالتأكيد عما كنا عليه عام 2013، فمن ناحية ثبت عمليًا فشل التوجه الاستئصالي، لكن من ناحية أخرى تفاقمت عزلة الإخوان وعزوف الجماهير عنهم، وبخاصة مع تصاعد أعمال العنف الفردي والقنابل المفخخة. لكن أهم تغير حدث هو انفضاض التعبئة الشعبية التي كانت قائمة حول السيسي والنظام، بل إننا نشهد لحظة يتصاعد فيها الغضب بسبب التدهور الشديد للأحوال المعيشية، وأيضًا بسبب استشراء وتوحش الممارسات القمعية. وهنا تحديدًا يظهر تكتيك القطيعة السياسية مع الإخوان، وبناء بديل ثالث في مواجهة الدكتاتورية العسكرية والمشروع الرجعي الطائفي، بصفته المخرج الوحيد، بل والفرصة الحقيقية لمد الجسور بين قوى الثورة والجماهير.

إن احتمال قيام طلاب “حركة الاشتراكيين الثوريين” بالتنسيق مع طلاب الإخوان في الجامعات، وهو ما أتصور أنه الهدف العملي من الأمر برمته، سيأتي في الحقيقة على حساب بناء حركة طلابية قابلة للاتساع في مواجهة الدكتاتورية. فصحيح أن طلاب الإخوان يبادرون بتحركات، لكنها دائمًا تحركات معزولة ومرفوضة من جموع الطلبة، وقيام الثوريين بربط تحركاتهم بالإخوان سيؤدي إلى ابتعاد الجمهور الطلابي عنهم ومواصلة الرضوخ للدكتاتورية. ولا يبدو أن هناك سبيلًا للاستفادة من حالة الغضب التي تتصاعد ضد النظام وبناء حركة طلابية جديدة، إلا بوجود راية ثورية مستقلة لا تخلط نفسها أبدًا براية الإخوان وحلفائهم. لذا فإن ما ينتويه طلاب “حركة الاشتراكيين الثوريين”، بحسب ظني، سيؤدي من جانب إلى قطيعة بينهم وبين الطلاب المنتمين لقوى الثورة الرافضين للوقوف في صف واحد مع الإخوان، وسيؤدي من جانب آخر إلى عزلهم عن جموع الطلبة الغاضبين من النظام، لكن الرافضين في ذات الوقت بشكل مطلق للإخوان وحلفائهم.

وأخيرًا.. كان من الملائم في تقديري أن يقوم الرفاق، وهم يعدلون مواقفهم بخصوص الإخوان، أن يعلنوا في البداية أن هذا تغيير في الموقف، بل هو انقلاب 180 درجة على مواقفهم المعلنة وتحليلاتهم المسهبة السابقة، ليس فقط على البيان التأسيسي لجبهة “ثوار” الذي شاركوا في صياغته، ولكن على كل بياناتهم المعلنة منذ سقوط مبارك وحتى سقوط الإخوان، وأيضًا ما بعد سقوطهم وإلى بضعة أشهر مضت. وبالقطع من حق “حركة الاشتراكيين الثوريين”، بل ومن واجبها أن تعدل وتغير في مواقفها، مثلها في ذلك مثل أية قوة سياسية حية تتأثر وتؤثر في الواقع. لكن ربما كان من المهم أن تتشاور مع قوى الثورة الأقرب إليها قبل أن تفاجئهم بتغيير في المواقف على هذا القدر من الأهمية، وعلى الأقل كان لابد ألا تتصرف وكأن هذه هي مواقفها دون تغيير منذ الأزل!

ومن وجهة نظري؛ فإن الأهمية الرئيسية للمواقف الجديدة هذه هي الدعاية بالأساس. فربما تقوم “حركة الاشتراكيين الثوريين” بالتنسيق مع الإخوان في النشاط الطلابي، وربما في بعض النقابات المهنية، لكني أتوقع أنها ستكون تنسيقات قليلة الشأن، ولن يكون لها جدوى سوى الانعزال عن قوى الثورة الأخرى والجمهور المعادي للنظام والإخوان معًا. أما الاستخدام الدعائي لتلك المواقف فهو الأكثر أهمية بالفعل. هكذا تلقف الإخوان وحلفائهم الفرصة، وسيواصلون تلقفها والاستفادة منها في خلق تماسك وهمي بين كوادرهم، على أساس أنهم يحققون نجاحات ويواصلون زحفهم المظفر لبناء دولة الخلافة والشريعة.

أما المدهش بالنسبة لي، فهي حالة الاحتفاء الشديد لدى الرفاق في “حركة الاشتراكيين الثوريين” بالتهليل الإخواني لمواقفهم الجديدة! والحقيقة أن هذا الاحتفاء يتناقض مع ما كتبوه في ورقتهم الأخيرة نفسها من نقد للإخوان وقياداتهم، وتأكيدهم أن من سيتحالفون معهم هم فقط “شباب الإسلاميين”! وهذا بصرف النظر عن القدر الهائل من اللبس والإبهام والالتفاف على الحقائق الموجود في عبارة: “شباب الإسلاميين”.

الإيجابية الوحيدة في رأيي ضمن ورقة “حركة الاشتراكيين الثوريين” الأخيرة هي الدعوة للنقاش.. فربما تؤدي هذه الدعوة والنقاشات المترتبة عليها إلى مراجعة الرفاق لمواقفهم الأخيرة، والتأكد أن سبل استعادة الثورة وإسقاط الدكتاتورية لا يمكن أن تمر عبر بوابة الإخوان، وأن فرصتها الوحيدة تكمن في بناء بديل ثالث مناهض للدكتاتورية العسكرية والإخوان بمشروعهم الرجعي الطائفي.

اعلان