Define your generation here. Generation What

كيف تُعلمنا العبرية شيئاً عن ذواتنا؟ (٤) إسرائيل ضد إسرائيل.. يهودية وإسلام وصهيونية

“والإنسان الذي يؤلمه أن اليهود يُقتلون، ألا يؤلمه أن يقتل عرباً؟ العرب أيضاً خُلقوا على هيئة الرب، هذا هو الإنسان، الروح… من ناحية الشريعة، لا يجب قتل إنسان… في التوراة: لا تقتل. بوضوح، لم يقل لا تقتل موشيه أو لا تقتل محمد. قال لا تقتل”.
من فيلم “الشنّاق”، للمخرجتين نتالي براون وأفيجيل سبربر.

أثناء نقاشاتي مع الأصدقاء، كانوا يقولون لي إنهم ضد إسرائيل لأنها دولة دينية، وبدا هذا أحياناً كأنه مأخذهم الأساسي على إسرائيل.

بالنسبة لي فالأمر ليس هكذا، فالسياق الأوضح الذي نستطيع من خلاله فهم إسرائيل ليس سياق الدول الدينية، وإنما القوميات الأوروبية. نشأت إسرائيل كدولة عسكرية، بإلهام من صعود الدول القومية في القرن التاسع عشر، وبرغبة من مؤسسيها في الالتحاق بالمشاريع الاستعمارية وقتها، وأسست تنظيمات عسكرية تحولت إلى جيش أصبح هو عنوان الوجود الإسرائيلي الحالي، وقد تكون إسرائيل بعد هذا دولة دينية أو غير دينية، ففي الأديان دائماً متسع للجميع، لطبول الحرب أو لدعاة السلام، وكل لديه مبررات وجيهة من قلب الدين. إن كانت إسرائيل دولة يهودية قامت على تهجير أهل المكان، فيهود أوروبا كانوا هم الطرف المتعرض للمذابح. في الحقيقة، تعرض يهود أوروبا لإحدى أكبر المذابح التي عرفها التاريخ الحديث حتى الآن، الهولوكست.  

ما الذي حدث إذن في إسرائيل؟ امتلكت اليهودية جيشاً وشرطة ومنظومات قضائية وقوة هائلة مكنت من اضطهاد من هم بخارجها وتحويل الضحايا السابقين لجلادين حاليين، أو لذوي امتيازات بفضل الجلادين الحاليين، كما مكنت من سن قوانين لصالحها، مثل “قانون العودة” الذي يصبح بموجبه من حق أي يهودي في العالم التجنس بجنسية إسرائيل لو أراد الهجرة إليها.

اليهودية في حد ذاتها، مثل جميع الأديان، تحوي آيات وتفسيرات شديدة التسامح وأخرى شديدة الانغلاق. هذا ليس شيئاً مفاجئاً، وإنما يعرفه جيداً المثقفون العرب العلمانيون، حينما يقولون، صدقاً أو ادعاءً، إنهم ضد الصهيونية وليسوا ضد اليهودية.

***

دائماً ما بدا لي الإسلام واليهودية كشخصين من نفس القرية يعملان في الخارج، يتكلمان نفس اللغة، يؤمنان بنفس الأفكار، لديهم الكثير والكثير من المعارف المشتركين والمعارف المشتركة، ثم وجدا نفسهما في الغربة. يضع كل منهما عيناً على زميله، يكون مقياس النجاح بالنسبة للأول هو الثاني والعكس، تنمو بينهما منافسة ضخمة ومرارات سوداء بالتحديد بسبب الأصول المشتركة لهما. هذه المرارة لم تكن لتوجد بين مصري وياباني مثلاً، وإنما تنمو بين اثنين آتيين من نفس البلدة ويتكلمان نفس اللهجة ولهما نفس الجد المشترك.

مثلاً، صحيح أن القرآن يحتوي على الكثير من الآيات في ذم اليهود، ولكن نستطيع بحساسية ما أن نكتشف شيئاً ما بين السطور، شيئاً تمثله آية “يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين”، هكذا، بالضبط، يتكلم الله عن علاقة خاصة ربطته ببني إسرائيل، وهذا هو جوهر الكتب المقدسة اليهودية كلها، لدرجة أن “نشيد الأنشاد” فُسر بوصفه حواراً غزلياً بين الله وشعبه إسرائيل. ذم اليهود في القرآن لا يقوم على أنهم جماعة عاصية فقط، وإنما كونهم خانوا العهد الذي كان بينهم وبين الله. هذه ليست قصة عداء، هذه قصة عداء تسبقها قصة. في مراحل سابقة من حياتي، حتى وأنا أكثر يقيناً وإيماناً، كنت أسأل نفسي، لماذا خص الله بني إسرائيل بكل آيات الذم هذه؟ لماذا يبالي بهم لهذه الدرجة؟ الإجابة في تصوري لأن الأمر أعقد من مجرد العداء.

لولا التجانس بين بنيتي اليهودية والإسلام ما أمكن لكثير من الإسرائيليات الدخول على التفسيرات الإسلامية للقرآن. دخلت الإسرائيليات، وكثيراً ما لم يُحس باغترابها عن تفسيرات القرآن، واحتاج الأمر جهداً كبيراً حتى يقول الفقهاء المسلمون: “هذا من الإسرائيليات فلا تصدقوه وهذا ليس من الإسرائيليات فصدقوه”. إلى جانب هذا، فالكثير من الآيات القرآنية والمأثورات النبوية تتعامل مع اليهود بوصفهم حملة العلم والأسرار. “اسألوا أحبار اليهود”، كثيراً ما ورد هذا التحدي في المأثورات الإسلامية للتأكد من صدقية قصة ما. المرجع دائماً بالنسبة للإسلام كان أحبار اليهود.

كثير من فقهاء اليهود أيضاً تبنوا علاقة العداء والاحترام مع الإسلام، خاصة في البلاد العربية، ترجموا “يهوة” إلى “الله” أو “الله” إلى “يهوة”، سمح الحاخام موسى ابن ميمون لليهود بالصلاة في المساجد، ولم يسمح لهم بهذا في الكنائس. وتوحد العرب واليهود سوياً في الأندلس ضد الكاثوليك. وكتب اليهود شعرهم في العصور الوسطى باستعارة الأوزان العربية، بل وكتبوا اللغة العربية بحروف عبرانية، ويبدو أنهم أسسوا قواعد النحو العبري قياساً على النحو العربي. وحتى الآن، يفخر اليهود باسمهم “أهل الكتاب”، بدون الوعي بأصل التسمية القرآنية. قرأت مرة في إحدى الصفحات الثقافية الإسرائيلية تحقيقاً طريفاً كان عنوانه “كيف تحول أهل الكتاب إلى أهل الكتاب الأعلى مبيعاً”.

لم يكن تخصيص اليهود والمسيحيين باسم “أهل الكتاب” عرضياً، فكتاب “المقرا” (من جذر “قرأ”)، وهو الكتاب المسمى مسيحياً باسم “العهد القديم”، يعد أكثر الكتب المكتوبة تأثيراً في العالم القديم، وقارات كاملة من العالم الحديث أيضاً. آمن به اليهود، وتبنته الكنيسة، وأعاد القرآن سرد الحكايات التي احتواها. هذا ليس كتاباً عرضياً، وإنما هو “الكتاب”، ويبدو أن القرآن قد قصده عندما أطلق على المسيحيين واليهود لقب “أهل الكتاب”.

التشابه بين اليهودية والإسلام قائم من الجينات، هناك أولاً التشابه في بنيتي العربية والعبرية نفسهما، وثانياً، تُعد الديانتان ديانتين لغويتين، ترتبط الأولى بالعبرية التي كتب بها “المقرا”، وترتبط الثانية بالعربية التي كُتب بها “القرآن”، مما جعل للكلمة حضوراً طاغياً في الديانتين، الكلمة التي تحوي في داخلها إمكانيات سحرية، مثل كلمة “كن”، وحروف أوائل السور مثلاً في الإسلام، وكلمات “آمين”، و”حي” مثلاً في اليهودية. اسم الرب في اليهودية، يهوة، يُكتب ولكنه لا ينطق إلا بوصفه “الاسم”، “الاسم المقدس”، “الاسم ذو الأربعة حروف”، “إلوهيم”، و”أدوناي”، أي “سيدنا”، وذلك للقوة الهائلة التي يحتويها “الاسم المقدس”. في المقابل فهناك دعاء في الإسلام يستحلف الله بكل اسم سمى به نفسه، أو بكل اسم استأثر به في علم الغيب عنده. ارتباط الديانتين باللغة قد يكون ناجماً عن أن كتابيهما المقدسين موجودان بلغتيهما الأصليتين، بخلاف الأناجيل مثلاً التي عُثر عليها في ترجماتها وليس في نصوصها الأصلية، المكتوبة على ما يبدو باليونانية والآرامية.

أو ربما يتعلق الأمر بشيء آخر، بكون الكتابين “مُنزلَيْن”، وأُمليا أو أُرسلا على يد الله نفسه. أنزل يهوة الألواح على موسى في سيناء، وأملى ملاك الله جبريل كلماته على محمد، النبي الأمي، في غار حراء. هذا يختلف تماماً عن حواريي يسوع المسيح الذين كتبوا قصته بعد صلبه وقيامته.

التشابه الثالث قائم في بنية الكتابين نفسهما، المقرا والقرآن، وكل منهما كتاب يحوي الكثير من المواعظ، والقصص التاريخية، والحث على الحرب والعنف والجهاد بجانب الحث على الحب والسلام، والنثر بجانب الشعر، بجانب التشريعات المدونة بتفاصيل التفاصيل، هذا أيضاً بخلاف الأناجيل التي تضم مواعظ روحانية فحسب، وليس تشريعات، لأن يسوع المسيح أُرسل لا لينقض الناموس وإنما ليكمله.

ولكن هناك اختلافات، اليهودية ديانة عرقية، وتهوّد مسيحي أو مسلم أمر شديد الصعوبة، لأن اليهودية مرتبطة ببني إسرائيل الذين عاهدهم الله عهد الختان. لهذا فاليهودية ليست ديانة عالمية ولا تبشيرية، ولهذا يكتسب مفهوم “الأغيار” قوة مضاعفة في اليهودية عن مثيله في الديانتين الأخريين، ولهذا تحرم اليهودية، دوناً عن الإسلام والمسيحية، الزواج المختلط بين اليهود وغيرهم، وهو التحريم الذي بدا أن إسرائيليين كثيرين لم يلتزموا به على طول تاريخهم، من أول سليمان الملك، بحسب المقرا، حتى يهود أوروبا وغيرهم.

كان القرآن واعياً بكون اليهودية ديانة عرقية، وفي أغلب آياته لم يخاطب اليهود، وإنما “بني إسرائيل”، وعندما فضلهم الله، بحسب القرآن، على العالمين، فهو لم يفضل اليهود، أي أتباع الديانة اليهودية، وإنما فضّل بني إسرائيل، أسباط إسرائيل الإثني عشر، أبناء يعقوب. وحتى الآن، عندما يقال للإسرائيليين إن إسرائيل دولة دينية، لأنها يهودية، يردون بأن اليهودية عرقٌ وليست ديانة، ومثلما أن فرنسا فرنسية، فإسرائيل يهودية، هكذا يقولون. هذا ليس دقيقاً بالطبع، لأن اليهود اختلطوا كثيراً عن طريق الزواج بالشعوب الأخرى، الأغيار، واختلاف الملامح بين اليهودي الأوروبي واليهودي الإثيوبي مثلاً خير دليل على هذا. ولكن من الناحية النظرية، لا يمكن الزعم أن اليهودية “رسالة عالمية”، كما هي المسيحية والإسلام مثلاً.

الاختلاف الثاني بين اليهودية والإسلام، هو كتاب “التلمود”، وهو الكتاب الذي يتلو في قداسته كتاب المقرا. في إحدى سجالاتها، تقول الشاعرة الإسرائيلية من أصل عراقي، حبيبة پديا، ومعها الحق، إن التلمود كان إبداعاً متعدد الأصوات. فبعد أن كُتبت المقرا، بدأ فقهاء اليهود بين العراق وفلسطين، بابل وأورشليم، في صياغة آراء فقهية تتعلق بالشريعة اليهودية كما كتبوا تفسيرات متعددة للمقرا. وبعض آرائهم كان شديد العنصرية وبعضها شديد التسامح، وفي كلها مجال للرأي والرأي الآخر، يقول الحاخام فلان كذا فيرد عليه الحاخام فلان بكذا، التلمود نفسها عبارة عن متن رئيس وحوله الكثير والكثير من الحواشي والتعليقات للفقهاء اليهود. ليس في الإسلام كتاب مقدس كهذا. الكتابان المقدسان في الإسلام هما كتاب الله وسنة رسوله، الأول كتاب إلهي، والثاني سجل أفعال وأقوال رسوله، لا مجال هنا للإبداع متعدد الأصوات.

***

تمهيداً لإقامة دولة إسرائيل، أقصى الصهاينة التلمود على قدر ما أعادوا الاحترام للمقرا، ككتاب تاريخي وقومي وليس ككتاب ديني، على اعتبار أن المقرا كُتبت وقت حكم اليهود في فلسطين/ أرض إسرائيل، بينما التلمود، وسائر الكتب الفقهية، كتبت واليهود في حالة ضعفهم، وهم يخضعون لحكم “الأغيار” وفي المنفى في بابل.

عبر الصهاينة عن احتقارهم لليهودية المصاغة في “المنفى” على قدر إيمانهم بالمقرا المكتوبة في “أرض إسرائيل”، لأن الصهيونية ببساطة أرادت الزعم أن اليهودي الحقيقي ليس هو اليهودي الموجود في العالم، وإنما اليهودي “العائد إلى أرض إسرائيل” حصراً، وفي خطوتها الثقيلة هذه، دهست تراثاً طويلاً وممتداً وفاتناً من اليهودية المصاغة في العالم، وعلى رأسه كتاب التلمود وكتب الفقهاء اليهود في “المنفى”.

هذا واحد من أسس التوتر القائم بين مفهومي “اليهودي” و”الإسرائيلي” داخل إسرائيل. المفهومان مرتبطان ببعضهما بالطبع، ولكن لحظات التوتر بينهما تكشف لنا عن خلل عميق يرقد في أعماق البنية الصهيونية. بصياغة أخرى، يمكن القول إن هناك “إسرائيليْن” اثنين، إسرائيل المؤنثة التي هي دولة إسرائيل، وإسرائيل المذكر الذي هو يعقوب، والذي أصبح يعني لاحقاً في الفقه اليهودي “عموم اليهود في العالم، من غير الكهنة”، أي اليهود العاديون.

قبل قيام دولة إسرائيل، كانت كلمة “إسرائيل” تشير حصراً إلى المفهوم الثاني، أي إلى “عموم اليهود في العالم”، وإليهم صيغ النداء الفاتن، الذي هو بمثابة “لا إله إلا الله” يهودية، ونصه: “اسمعْ يا إسرائيلُ الربُ إلهُنا إلهٌ واحدٌ”، ولطالما فُتنت بالنداء ورددته بيني وبين نفسي في شوارع القاهرة المزدحمة، لاستحضار الإله الواحد الكامن خلف السيارات والعوادم والبشر العرقانين، وأنا أيضاً، على خطى اليهود والمترجمين المسيحيين للمقرا إلى العربية، أسقطت ذكر “يهوة” المقدس من ترجمتي للنداء، لأن الترجمة الدقيقة للنداء هي “اسمع يا إسرائيل يهوة إلهنا يهوة واحد”.

قبل قيام دولة إسرائيل، كان يُكتب في بطاقات هوية اليهود المصريين: “الديانة: إسرائيلي”، وهو ما كان أمراً شديد المنطقية وقتها، وإن أصبح يثير العجب الآن، كما يبين لنا الفيلم الفاتن لنادية كامل “سلطة بلدي”. جدير بالذكر أن القرآن من جانبه، لم يتمكن من التعامل اللغوي مع مفهوم “إسرائيل” هذا، ككلمة مفردة تدل على الجمع، فترجمها إلى “بني إسرائيل”، ومن الآن فصاعداً خاطبهم بصيغة الجمع.

أنا شخصياً مولع بإسرائيل هذا، وليس بإسرائيل هذه. مولع بإسرائيل الذي هو اليهودي العادي، اليهود العاديون، بتراثهم وأفكارهم ولغتهم وعلاقتهم بالله، وليس بدولة إسرائيل التي هجرت وطردت أناساً من غير اليهود وأقامت مدنها على خرائب قراهم، كما أقصت واستبعدت تراثاً طويلاً وساحراً لليهود أنفسهم، لإسرائيل نفسه، مع وصمهم بالضعف وقلة الحيلة. من الآن فصاعداً، سيصبح الإسرائيلي الجيد، الإسرائيلي الحقيقي، هو الصبي الوقح الذي يلبس بنطالاً قصيراً ويمسك سلاحاً ويحارب أعدائه، وليس اليهودي المشغول بتوراته وبتفسيراتها ويعبد ربه بهدوء. درس الهولوكست، تقول الصهيونية، ألا نسير كالغنم للذبح وأن نصبح أقوياء مسلحين ليخافنا أعداؤنا ويرهبونا ونعيش على الأرض في سلام، وصحيح، عنّفت دولة إسرائيل سكان الأرض التي جاءت لاستيطانها، قمعتهم وحرقت قراهم وطردتهم بقوة السلاح ثم بنت جداراً عملاقاً ليحميها منهم، ولكنهم أبداً لم يرهبوها ولم تعش على الأرض في سلام.

اعلان
 
 
نائل الطوخي