Define your generation here. Generation What

ردًا على بلال علاء: هل حقا خسرنا المباراة قبل أن تبدأ؟

 منذ عدة أيام قرأت مقال بلال علاء لـ”مدى مصر” بعنوان “لماذا  ينتصر العسكر وينهزم الآخرون، وكعادته كان مقاله مكتوباً بلغة رشيقة. لكني هنا أود أن أختلف معه في جزء مما طرحه من تحليل. وتحديداً في محاولة الإجابة عن سؤال “متى كانت هزيمة قوى الثورة حتمية؟” أو بصياغة أخرى هل بالفعل “كان الوصول للحظة 30 يونيو ثم 3 يوليو، يحمل داخله مآلاته”؟ ليصل بنا لواقعنا الحالي، أو حتى إلى نسخة مخففة منه؟

بشكل عام هناك دائما خيار لمحاكمة أي حدث بأثر رجعي بناءاً على نتائجه ومآلاته. وكمثال على هذه الطريقة يقول المؤرخ الحربي كارل فون كلاوزفيتز: “إذا نجحت الخطة فهي جريئة، وإذا فشلت فهي متهورة”. يمكن بهذه الطريقة مثلاً تقييم الثورة  السورية باعتبارها خياراً كارثياً. ويمكن أيضاً لأنصار مقولة “ألم نقل لكم؟” أن يثبتوا صحة موقفهم من البداية بعدم الانحياز لأي خيارات كبرى منذ  ٢٥ يناير وحتى ٣٠ يونيو، باعتبار أن كل ما حدث منذ تلك اللحظة كان حتمياً ومنطقياً، وبالتالي لم يكن هناك داعٍ لخوض التجربة من البداية بكل ما صحبها من ألم وأمل.

هذه الطريقة من اليقين بحتمية ما حدث أو سيحدث، لا يمكن في العادة النقاش حولها سوى عندما تطرح نفسها بشكل عقلاني، يدرس البدائل والمسارات المحتملة لكل الأطراف الفاعلة، و يدلل على أنها جميعاً كانت ستؤدي بنا لهذا المصير الحتمي. وأعتقد أن هذا ما  فعله بلال علاء في مقاله، وسأحاول هنا مناقشة  طرحه الذي أتفق معه في أغلبه، وأختلف معه في بعضه. وبشكل أولي يمكن أن نسأل إذا كانت الفرضية التي طرحها بلال في أن الرهان الأولي للمعركة، يمثل العامل الأكثر تأثيراً في نتيجة الصراع، فكيف نفسر التباين الشاسع بين نتائج الثورة التونسية والثورة السورية على سبيل المثال، رغم تشابه الرهان الأولي؟ ألا يمكن القول بأن رشادة أطراف الصراع تشكل تأثيراً أكبر من الرهان الذي تأسس عليه الصراع؟

كان مما أثار انتباهي في المقال فكرة الزمنية المختلفة التي كانت يمكن أن تسير بها الأمور. فإلى جانب كونها طريقة شيقة لعرض الفكرة، فهي أيضاً تمثل نموذجا جيدا لتمثيل الصراع السياسي، بهدف تحليل حتمياته التاريخية. وأعتقد أيضا أنها تشبه إلى حد كبير استخدام ما يعرف بنظرية الألعاب “GameTheory” في العلوم الاجتماعية لدراسة وتحليل الصراعات أو التعاون  بين أطراف مختلفة، لكل منهم هدف مختلف يحاول تحقيقه. فهي ببساطة تضع نموذجا للصراعات كالحروب أو الثورات، باعتبارها لعبة (شطرنج مثلاً لو كانت بين طرفين فقط)، ويفترض النموذج أن هذه اللعبة تجري بين أطراف عاقلة، بمعنى أنها تتخذ قرارتها في اللعبة (الصراع) بشكل رشيد، بحيث تتخذ قرارات إما لتعظيم مكاسبها حين تتاح الفرصة، أو لتقليل خسائرها إذا تعرضت لهجوم. وفي حال كانت اللعبة بين أكثر من طرفين، يمكن طبعاً تصور تحالف طرفين أو أكثرلمنع طرف آخر من تحقيق نصر حاسم على بقية خصومه. ويمكن بالطبع لهواة ألعاب الـStrategy تصور هذا النموذج بسهولة، الذي تنقلنا فيه كل خطوة من كل طرف لمسار جديد وخيارات جديدة.

بتبسيط غير مخل يمكن أن نقول إن كل أطراف اللعبة منذ 25 يناير كانت تلعب لمصلحتها (دونما النظر إلى أخلاقية الخيارات أوقصر نظرها في كثير من الأحيان). فمنذ البداية شكل نجاح الثورة التونسية في الإطاحة ببن علي، بخسائر محدودة نسبياً حافزاً لانضمام كتل كبيرة للرهان على التغيير والتحول الديمقراطي. هذه المشاركة كانت حذرة منذ البداية، وراهنت قطاعات واسعة من الجمهورعلى انقلاب عسكري يطيح بمبارك، يتم بعده التفاوض مع الجيش على شكل جديد للحكم. نظام مبارك بدوره حاول قمع المظاهرات أولاً، وعندما فشل بدأ في تقديم تنازل تلو الآخر لعله يوقف نزيف الخسائر. وكاد ينجح بالفعل قبل موقعة الجمل، التي لولاها لانتقلنا لمسارمختلف لا يمكن الجزم بشكله الآن. الإخوان بدورهم، حاولوا التفاوض منذ اللحظة الأولى على شراكة في السلطة مقابل احتواء الثورة، مع عمر سليمان أولاً ثم مع المجلس العسكري بعد ذلك. بينما كانت القوى الثورية تحاول تعظيم مكاسبها للوصول لأوسع هامش ديمقراطي ممكن. وبحلول 11 فبراير كانت الأجنحة العسكرية والأمنية للنظام قد قررت التضحية برأس النظام أملاً في إيقاف الخسائر، أو حتى اعترافاً بالهزيمة أمام إصرار المتظاهرين. القوى الثورية أيضاً ساعدها الانتصار المفاجيء في رفع سقف طموحها، والبدء في البحث عن تعظيم مكاسبها في الوصول للحد الأقصى من نظام ديمقراطي.

يمكن تتبع مسار كل الأطراف، وانتقالها من خانة تعظيم المكسب لتقليل الخسائر وبالعكس. الجيش يتحالف مع الإخوان لتعظيم مكاسب الطرفين. الأجهزة الأمنية تنجح في تحقيق بعض المكاسب بتبرئة كل أفرادها من تهم قتل الثوار. القوى الديمقراطية تدرك مع الوقت ضعفها في مواجهة قوى الإسلام السياسي، فتلجأ (ببطء شديد) للانتقال من خانة تعظيم المكسب لخانة تقليل الخسارة. حتى نصل لنقطة مفصلية وهي الانتخابات الرئاسية، ويحدث ما سمي ب”تفتيت الأصوات”، وهو ما يمكن الآن رؤيته كخطأ فادح، يتحمل مسؤوليته ما يمكن تسميته بـ”الطبقة السياسية المنتمية للثورة”، وكان من شأن تفادي هذا الخطأ أن ينقلنا لمسار مختلف، ربما ذي فرص أفضل لفتح المجال لتفاوض حقيقي حول التحول الديمقراطي. على أي حال، كان الوصول لجولة الإعادة تعبيرا ضمنيا عن هزيمة الثورة في اختبار وصولها للسلطة، وبدأ منذ لحظتها سجال قوي حول كيفية “تقليل الخسائر”، بين من يرى إعطاء الإخوان فرصة بـ”عصر الليمون”أو من يرى تجاهل العملية الانتخابية برمتها. وبوصول الإخوان للسلطة، كان من الواضح استمرارهم في محاولة حصد أكبر قدر من السلطات في أيديهم، مع تقديم تنازلات للجيش ضماناً لاستمرار التحالف. ودونما إطالة في التفاصيل يمكن أن نقول تجاوزاً بأن جميع الأطراف التزمت حتى لحظة ٣٠ يونيو بالحد الأدني من رشادة اللعبة. بالطبع كانت هناك أخطاء تكتيكية كبيرة لكل الأطراف، غير أنه بشكل ما كان يمكن تفسير خطوات كل طرف بسعيه لزيادة مكاسبه أوتقليل خسائره.

رهاننا الأساسي

 لا يمكن لعاقل ألا يقول بأن مشاركة القوى الديمقراطية في 30 يونيو كانت مغامرة. ولكن ما نحن بصدد مناقشته هنا هو هل كانت هذه المغامرة محسوبة؟ هل كان هناك رهانات منطقية كان نجاحها من شأنه أن يزيح الإخوان عن الانفراد بالسلطة دون أن يتسبب في انهيار كل شيء؟  أم كانت مجرد قفزة في الفراغ؟

في تصوري أن رهاننا الأساسي كان على تراجع الأخوان أمام تكتل الجميع ضدهم. لكن هذا لم يحدث على الإطلاق. ويمكن لنا هنا أن نسأل: لماذا فشل هذا الرهان. إذا طبقنا قواعد “االعبة” في المكسب والخسارة، يمكن أن نقول بأن تصرف الإخوان المنطقي، كان أن يتراجعوا وينتقلوا لخانة تقليل الخسائر، لكن هذا لم يحدث.وهو ما يرى بلال أنه كان “يمكن ببساطة الحدس به”، بينما أرى أن هذا كان تحولاً درامتيكياً في مسار الأحداث، لا يمكن ببساطة أن نقول إنه كان متوقعاً.

واحد من أقوى الانتقادات صلابة لاستخدام نظرية الألعاب (حسابات المكسب والخسارة) في تفسير الصراع هو عجزها عن تفسير أفعال الجماعات العقائدية. وأنا هنا أدعي أننا في لحظة 30 يونيو كنا أمام بداية تحول (أو ظهور تحول) كبير في جماعة الإخوان، من جماعة تلعب- منذ عشر سنوات على الأقل- السياسة بحسابات المكسب والخسارة (مهما كانت انتهازية أو قصيرة النظر) إلى جماعة عقائدية تحارب الجميع لاعتقادها بأن الله في صفها، وأن الملائكة ستنزل لتقاتل إلى جانبها.

يمكن هنا القول بأن حتى هذا التحول كان يجب توقع حدوثه. وبافتراض صحة هذا القول، هل تكون المشكلة فقط في الاعتماد على هذا الرهان (حد أدنى من العقلانية لدى الإخوان) في لحظة 30 يونيو فقط؟ ببساطة إذا كان احتمال تحول الإخوان إلى الجنون قائماً في أي لحظة، يمكننا هنا الرجوع إلى نقاط مفصلية قبل 30 يونيو والتساؤل: هل كان خيار عصر الليمون (وأنا ممن اتخذوه) خياراً عقلانياً؟ رغم أن هذا الخيار كانرهانه الأساسي- في رأيي- على حد أدنى من العقلانية لدى الإخوان تمنعهم من الانفراد بالسلطة، وحتى لو فعلوا سيتمكن خصومهم (على تناقضاتهم) من الإطاحة بهم.

ويمكن أيضا الرجوع بشجاعة إلى 25 يناير والتساؤل: على ماذا كنا نراهن في الدفع باتجاه تحول ديمقراطي؟ ألم يكن هناك رهانأساسي على حد أدنى من العقلانية لدى الجماعة ذات الشعبية الأكبر والمرشحة للدور الأكبر بعد سقوط النظام؟ لم يكن فشل هذا الرهان هو فشل رهان أساسي في 30 يونيو فقط، ولكنه كان فشلاً لرهان تأسس عليه أفق 25 يناير نفسها، ولذلك كانت لفشله نتائج كارثية.

رهانتنا الأخرى

على محورية هذا الرهان إلا أنه لم يكن الرهان الوحيد على ألا ننهزم بشكل كامل. كان هناك رهان على أن الوضع الاقتصادي متدهور بشكل لن يسمح للدولة بتحمل تكلفة حرب إقصاء الإخوان بشكل كامل، ويجعل خيار التفاوض بين الأطراف كلها هو الخيار المرجح. لكن هذا الرهان فشل بتدخل سعودي-إماراتي لتحمل أغلب تكلفة تلك الحرب. هذا الرهان على فشله لا يمكن الجزم بأنه كان “غبياً تماماً”. فلم  توجود أدلة قوية- في تلك اللحظة- على وجود رغبة (أو مصلحة) سعودية في الإطاحة بالإخوان بل وإقصائهم. على العكس، كان الإخوان في مؤتمر دعم سوريا يعرضون خدماتهم في تنفيذ الأجندة السعودية في سوريا، وربما تصدير مجاهدين لها أيضا. لكن هذا كان قد صادف تغيراً مفاجئاً في رؤية السعودية للوضع في سوريا (ربما بسبب ظهور داعش) وتحفظها على الدعم المفتوح الذي كانت تقدمه للحركات الإسلامية هناك. هنا أيضا نحن أمام عامل حاسم، لا يمكن أن نقول إنه كان متوقعاً. وأنا  أعتقد بأن هذا كان عاملاً حاسماً في مسار الأحداث، لأن حسم خيار الحرب على الإخوان لم يتخذه الجيش بسبب وجود “مجموعات علمانية” تؤيد هذا الخيار، ففي النهاية كان تأثير الإعلام المدعوم من الأجنحة الأمنية أقوى بكثير من تأييد تلك المجموعات لهذا الخيار. لكن الجيش لم يكن في النهاية ليسلك هذا المسار إلا إذا توفر تمويل مناسب لتلك الحرب.

كان هناك أيضاً رهان على ضغط الشارع في رفضه لقيام ديكتاتورية جديدة. لكن هذا الرهان كان ينهار تدريجياً مع انهيار “الرهان الرئيسي”. فخيار إقصاء الإخوان لم يكن هو المعادلة الوحيدة المطروحة. والدليل على ذلك أن حتى بيان الانقلاب في 3 يوليو، كان يطرح صيغة احتواء الجميع، وحتى باعتبار أن هذا البيان كان مجرد مناورة، فتلك المناورة كانت دليلاً على وجود قوة أخرى (أو تخوف من قوة أخرى) تطرح معادلة مختلفة عن معادلة الإقصاء.

في رأيي أن خطاب إقصاء الإخوان لم يعلن عن نفسه كمشروع سياسي سوى يوم طلب التفويض، بعد أكثر من 20 يوم من بيان الانقلاب، ولم ينتصر تماماً سوى يوم مذبحة رابعة. ويمكن الإقرار هنا بأن القوى الديمقراطية تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية في فشل تفادي الكارثة. فمن ناحية، ظللنا نحن نردد بأن المصالحة آتية لا محالة، معتبرين أن كل الخطوات التي تحدث، مجرد مناورات بين الطرفين. ودونما دليل حقيقي على صحة فرضيتنا، ودون إدراك مبكر لتحولات الإخوان،  وبحرص البرادعي  و”الجناح الديمقراطي ” على الحفاظ على التفاوض داخل الغرف المغلقة، كان هذا عاملاً إضافياً في تغييبنا عن المشهد وانتظارنا للانفراجة التي ستحدث لا محالة.

في تلك الفترة أيضاً، كانت جماعة الإخوان تتجسد في الشكل الذي يصورها فيه أشد أعدائها: الجنون والطائفية والحرب على الجميع. كانلرواية أشد أعدائها أن تتجسد أمام الناس، فكان لرهان أعدائها أن ينتصر وأن ينحاز الناس له، بل وأن يصدق قطاعواسع منهم رواية النظام القديم/الجديد عنا، باعتبارنا إما طابورأً خامساً يعمل لصالح الإخوان، وساهم في وصولهم للسلطة، أو مجموعة من السذج يتم استخدامهم.

 أقوى الرهانات صموداً، كان الرهان على ضغط دولي (أمريكي-أوروبي) على النظام حتى يحافظ على صيغة ديمقراطية ما للحكم. كان هذا الرهان هو الأقوى تأثيرا على طرفي الصراع الرئيسيين، بإدراك كل منهم لأهمية ذلك على معادلة الحكم في بلد منهك مثل مصر. وبالفعل كان هو الدافع الرئيسي لوجود مفاوضات بين الطرفين، لكنه في النهاية قد انهزم أمام طول فترة التفاوض، وأمام استعداد دول خليجية لدعم النظام المصري حتى لو تحدى في هذا الرغبة الأمريكية، في سابقة نادرة في العلاقات الأمريكية الخليجية.

أما أغبى الرهانات، فكان الرهان على وجود قيادة جديدة للجيش، أكثر شباباً ومختلفة عن مجلس مبارك العسكري، وهو ما قد يجعل منها أكثر انفتاحاً وأكثر قدرة على التفاوض. هذا الرهان لم يكن فاشلاً فحسب، بل يمكن الآن القول بأنه كان غبياً تماماً. لأن القيادة الشابة، كانت في الحقيقة اكثر تهوراً وأكثر طموحاً في الاستحواذ على السلطة.

نهاية، فأنا أحترم بشدة كل جهود النقد الذاتي، لأنها في النهاية ما سيتبقى كدرس لنا أو لغيرنا من التجربة ككل. ولست مختلفاً كثيراً مع بلال على أن رهان إقصاء الإخوان كان يعني بصورة أو أخرى إغلاق المجال العام على جميع الأطراف وسيطرة الجيش. لكني أختلف معه في متى وكيف تحديداً حدث هذا. نحن خسرنا بسبب الطريقة التي سارت بها المباراة، بما فيها سوء أداء ممثلينا، وبما فيها عوامل لم يكن لنا تحكم فيها. لكني لا أعتقد بأنه يمكننا الجزم بأن المباراة كانت مصممة لهزيمتنا ولا بأننا قد خسرنا المباراة قبل أن تبدأ.

اعلان
 
 
محمد الخازندار