Define your generation here. Generation What
آمالٌ مُعَلَّقة.. وقوانين مُكَبِلة
 
 

في الثالث من يونيو الماضي، شق رجال ونساء عصا الطاعة على أنظمة كنيستهم المتعلقة بالأحوال الشخصية، خصوصًا قضايا الزواج والطلاق، على أمل حسم مصير آلاف العائلات المعلّقة في انتظار أحكام كنسية يحول تجميدها دون استكمال حياتهم الطبيعية.

“انتفاضة” الشباب يوم 3 يونيو ضد موقف البطريركية المرقسية من “قانون الأحوال الشخصية” تشكّل انعطافة في مسار العلاقة بين رأس الكنيسة ومؤمنين يحتجّون داخليًا منذ سبع سنوات على تقييد خيارات الطلاق بـ “علّة الزنى” و”تغيير الدين” حصرًا.

“إحنا ولادك يا سيدنا”، صرخ سعيد (30 عامًا)، وسط مجموعة شباب سعوا لتنبيه البابا تواضروس إلى معاناة هذه الشريحة أثناء عظته الأسبوعية بكاتدرائية العباسية.

هذا الرجل المعلّقة حياته منذ خمسة أعوام- حين هجرته زوجته بعد خمسة أشهر على اقترانهما- يريد حلًا لمشكلته بطلاق كنسي بعد أن حصل على الطلاق من المحكمة المدنية في مارس 2013.

يروي سعيد، المتزوج منذ العام 2010: “القساوسة اللي حوالين البابا قالوا لينا هتقابلوه لكنهم أخدوا منا البطايق بتاعتنا، وسلمونا للشرطة، واتهمونا بإثارة الشغب”.

من جهته، نفى عادل فكري- الذي كان ضمن المجموعة التي صرخت داخل الكاتدرائية أثناء عظة البابا- أنه حاول مقابلة البابا تواضروس قبل الواقعة، لكنه قال: “مقابلة الرئيس السيسي أسهل من مقابلة البابا، ده فيه كهنة مش عارفين يقابلوه”، وأضاف أن أصدقاء له حاولوا مقابلة البابا لكنهم فشلوا، منهم مجدي كامل- العضو المؤسس لائتلاف متضرري الأحوال الشخصية-، “لكن البابا طرده وقالّه اطلع بره أنا مش فاضي للحاجات دي”- بحسب روايته.

“يا ريت لو الدولة ترحمنا من ظلم الكنيسة ويبقى فيه طلاق”.. هكذا يعبّر يوسف عن معاناته منذ أول شهر من الزواج عام ٢٠١٠. “يبقى فعلًا اتولدت من جديد لو خدت حكم طلاق”، يقول يوسف وهو أب لولدين، أصيب بالسكري خلال سنوات معاناته، وهو يرفض تقديم شكوى للمجلس الإكليركي لعدم قناعته بجدوى اللجوء إليه: “مش بيحلوا حاجة”. لكنه في الوقت ذاته رفع دعوى “طاعة” على الزوجة أمام محكمة الأسرة، والتي ردت بثلاث قضايا نفقة لها ولطفلتيها أمام محكمة جنح أرمنت بالأقصر، فضلًا عن ادعاءات ضده بضربها.

بداية المشكلة

بدأت تعقيدات الانفصال في الكنيسة الأرثوذكسية عام 1971، حين حصر البابا السابق شنودة الثالث (توفي عام 2012) أسباب الطلاق في الزنى، مستثنيًا تسعة أسباب موجبة كانت ضمن لائحة الأحوال الشخصية التي أصدرها (المجلس الملي العام للأقباط) عام ١٩٣٨.

أسباب الطلاق في لائحة 38

أسباب الطلاق في لائحة 38

وبذلك تعطلت حياة عشرات الآلاف من الأسر في انتظار قرارات كنسية تحسم وضع الأزواج المعلقين. في الوقت ذاته، تنعكس النزاعات المستعصية بين الأزواج على حياة الأبناء ومستقبلهم. وبرغم إعلان الحكومة حيادها في القضايا المتصلة بالكنيسة، غير أن تدخل الأمن لفض احتجاج 3 يونيو وتوقيف مشاركين فيه يعكس انحيازها ضد الأفراد الساعين للخروج من جمود القرار الكنسي- حسبما يرى رجال قانون ونشطاء في هذا الملف.

فبعد 2008، لم يسجل أي موقف لوزارة العدل يستهدف حل الفجوة بين الكنيسة والمحاكم المدنية، وفق ما يؤكد رجال قانون، يستثنى من ذلك محاولات تشريعية لإدراج الزنى الحكمي المعرّف بأنه “أي سلوك يمكن أن يتم تفسيره بـأدلة واضحة على وجود خيانة زوجية لأحد الطرفين” ضمن أسباب التطليق لدى الكنيسة والمحاكم المدنية. إلا أن الفجوة استمرت بسبب عدم تطبيق أي مشروع قانون موحّد للأحوال الشخصية اتفقت عليه الطوائف المسيحية منذ عام 1980 وحتى الآن.

فالكنيسة الأرثوذكسية منذ العام 2008، وبعد تعديل لائحة 38، ترفض وبشكل رسمي طلبات الطلاق إلا في إطار شرطين: الزنى وتغيير الملة أو الدين. فلا يستطيع أي من الزوجين الانفصال إلا إذا اتهم الآخر بالزنى أو اعترف الآخر بارتكاب الزنى، ما سيحرمه/ا من الزواج مرة أخرى، امتثالًا لقرارات الكنيسة. الحل الثاني هو أن يمتلك مالًا وفيرًا يستطيع من خلاله الحصول على شهادة لتغيير ملته، أو أن يقوم بالتحويل إلى ديانة أخرى.

ويقدر محامون ومتضررون مصروفات الشهادة الواحدة لتغيير الملة بين 30 و40 ألف جنيه (4000 – 5300 دولار)، يدفعها الراغب في الحصول على مستند انتسابه إلى طائفة أخرى.

وأمام انسداد أفق أزواج يعيشون في اضطراب ومشاحنات، تفاقمت بعض قضايا الطلاق إلى جرائم قتل فيها أحد الزوجين، أو اشتعال فتن نتيجة لجوء أحد الزوجين إلى تغيير دينه من أجل الخلاص من قران فاشل- حسبما يرصد هذا التحقيق الاستقصائي.

تقدر الكنيسة الأرثوذكسية عدد أتباعها بـ 98% من 15 مليون قبطي في مصر، وفق تقديراتها الذاتية. لكن في تصريح لرئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لبرنامج “الشعب يريد” على قناة “التحرير“، قال إن آخر إحصاء رسمي أصدره الجهاز ويتضمن عدد الأقباط في مصر كان عام 1986، وأفاد بأن عدد المسيحيين يقدر بخمسة ملايين شخص، 5.5% من عدد سكان مصر، والأعداد في تناقص مستمر، وهو ما رفضته الكنيسة الأرثوذكسية.

فتن وجرائم

تقبع سماح في سجن المنيا العمومي منذ أحيلت أوراقها لمفتي الجمهورية في 14 نوفمبر 2012، بعد أن قضت محكمة جنايات المنيا بإعدامها، عقب إدانتها بقتل زوجها وتقطيعه بعد خلافات دامت عامين، رفضت خلالها الكنيسة طلباتها بالطلاق.

اعترفت “سماح” بارتكاب الجريمة ثلاث مرات: أمام الشرطة، والنيابة العامة ثم لدى إعادة تمثيل الجريمة. “لم تغيّر حرفًا أو كلمة”- على حد قول محاميها يوثاب يعقوب.

وترصد معدة التحقيق ازدياد ملف الأحوال الشخصية للأرثوذكس تعقيدًا، إذ أصبحت قضية الأحوال الشخصية بابًا خلفيًا لارتكاب جرائم و/ أو إشعال فتن دينية.

في 2011، لم تجد سيدة مسيحية تدعى عبير، تقطن في إمبابة بالقاهرة، وسيلة للانفصال عن زوجها سوى التحول للإسلام، فكانت النتيجة فتنة أدت إلى مقتل 15 شخصًا وإصابة 242 آخرين وحرق كنيسة، وفق استخلاصات تحقيق ميداني أصدرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان “عدالة الشارع”.

قبل ذلك اشتعلت قضيتا كاميليا شحاتة- زوجة كاهن دير مواس في المنيا-، ووفاء قسطنطين- زوجة كاهن وادي النطرون.

في محافظة أسيوط وحدها- التي يشكل الأقباط نحو 25 إلى 30% من سُكّانها الذين يزيد عددهم على 4 ملايين نسمة، شهدت المحاكم 1002 قضية طلاق بدعوى فسخ أو بطلان العقد، و55 قضية بسبب تغيير ملة أحد الزوجين، في الفترة من 1999 وحتى 2004- حسبما توثّق مؤسسة قضايا المرأة المصرية- المعنية بقضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين.

خلاف بين الكنيسة والمحاكم المدنية

الجهات التي يلجأ إليها المسيحي في حالة وجود مشكلة متعلقة بالأحوال الشخصية

الجهات التي يلجأ إليها المسيحي في حالة وجود مشكلة متعلقة بالأحوال الشخصية

بوجود خلاف يكشفه هذا التحقيق بين الكنيسة والمحاكم المدنية في الاعتداد بدوافع الطلاق، يعاني أزواج يحصلون على تصاريح بالتطليق من الكنيسة، لكنهم لا يستطيعون الحصول على حكم بالطلاق من محاكم الأحوال الشخصية التابعة لوزارة العدل، وبخاصة في حالات مثل “الزنى الحكمي”، إذ إن تعديل لائحة 2008 وتضمينه لما يسمى بـ “الزنى الحكمي” كسبب للطلاق من وجهة نظر كنسية، لم يصاحبه تعديل في قانون الأحوال الشخصية الذي يعتمد قواعد الشريعة الإسلامية للفصل في قضايا “الزنى”، من ضرورة وجود معاشرة جنسية فعلية وأربعة شهود على ذلك، وليس رسائل تليفونية أو إلكترونية، فيصبح الزوجان في حال انفصال فعلي أمام الكنيسة لكنهم أزواج أمام الدولة، هذا إلى جانب متضررين لجأوا إلى اختصام الكنيسة أمام القضاء.

يقول “وائل” إنه اكتشف “خيانة” زوجته قبل ثلاثة أعوام مع رجل دين مسيحي. وهو يمتلك مكالمات هاتفية مسجلة مكنته من رفع قضية “زنى” أمام محكمة جنح جنوب القاهرة، استمرت القضية عامًا ونصف العام، إلا أن الزوجة نالت حكمًا بالبراءة بسبب عدم ثبوت حال “تلبس” بالجريمة. صيغة الحكم أقرت بأن المكالمات جنسية وصحيحة لكن الزوج لا يملك أدلة كافية لإدانة الزوجة.

وائل وزوجته يتواجهان أمام المحكمة في قضيتين مختلفتين؛ فهو رفع قضية “طلاق”، وهي رفعت قضية “خلع”؛ لأنها استطاعت أن تغير “الملة” ليصبحا أمام المحكمة مسيحيين من مذهبين مختلفين. في هذه الحال، تحكم المحكمة بالشريعة الإسلامية وفق المادة 3 لسنة 2000 المعدلة بقانون 10 لسنة 2004 “إن أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها الشريعة العامة هي الواجبة التطبيق فى منازعات الأحوال الشخصية التي تقوم بين الزوجين المسيحيين إذا اختلفت الطائفة أو الملة”.

لكن محكمة الأحوال الشخصية شطبت قضية الخلع “لأنها وجدت أن تاريخ تغيير الزوجة للملة بعد رفع القضية وليس قبلها”. أما الزوج فرفع قضية على الكاهن يتهمه فيها بـ”التحريض على الفسق والفجور”. وفي كل الأحوال لا يتوقع جديدًا في مشكلته ويقول: “الكنيسة خذلتني والمحاكم برضه”.

الشاب روماني (٤٣ عامًا)، لجأ إلى رفع قضية “انسلاخ من المذهب الأرثوذكسي” أمام محكمة القضاء الإداري، لكنها لم تعتبر ذلك “تغيير الدين” الذي تقصده تعديلات البابا شنودة، فرفضت دعوى الطلاق.

دخل روماني في مشكلات زوجية بعد ثمانية أشهر من زواجه عام ٢٠٠٦، حين هجرته زوجته عقب إصابته بفيروس الالتهاب الكبدي (سي). ولم يستطع حتى الآن استصدار حكم من الكنيسة بالطلاق لعدم وجود علة الزنى أو تغيير الدين.

لم تستطع معدة التحقيق الحصول على أرقام تقريبية عن عدد مختصمي الكنيسة في محكمة القضاء الإداري، لكنها سجلت حالات منذ تولّى الأنبا تواضروس كرسي البابوية، مثل أشرف أنيس- أول مسيحي يستقيل من الكنيسة الأرثوذكسية-، في مارس 2013- أي ينسلخ من ملته الأصلية ويصبح مسيحي فقط دون ملة محددة. وقد طالب أمام محكمة القضاء الإداري بالحصول على إقرار من الكنيسة بخروجه من مظلتها، لكنّها أحجمت عن الرد. وبعد عام وسبعة أشهر، جاء رد المحكمة بأن الكنيسة “ليست بجهة إدارية  لتلزمها المحكمة بإلغاء الرد”، وبالتالي رفضت الدعوى مع إشارتها في حيثيات الحكم إلى أن من “حق المتقاضي أن يستقيل وينسلخ من الملة وفقًا لمبدأ حرية العقيدة التي ينص عليها الدستور”.

قصة مريم

طردت مريم (26 عامًا)، من بيت الزوجية لأول مرة بعد ستة أشهر من بداية زواجها، وتقول: “ما ارتحناش، كل شوية خناق وضرب وشتيمة”، وهي لا تعتقد بجدوى اللجوء إلى المجلس الإكليركي حين تقول: “مش هيعملوا حاجة”.

وبعد زواج استمر ثلاث سنوات من زوج هجرها منذ العام 2012، لا تستطيع مريم الانعتاق من ذمته عبر دعوى طلاق أو خلع أمام المحكمة، إلا إذا لجأ أحد الطرفين لتغيير “الملة”. وقبل ذلك تواجه الآن دعوى طاعة من زوج تركها مع طفلين: “سابني مع الأولاد لا بيشوفهم ولا بيدفع نفقة”.

مقارنة بين قضايا الخلع والطلاق عامي 2002 و2003

مقارنة بين قضايا الخلع والطلاق عامي 2002 و2003

استعصاء أسامة

من جانبه تحدث أسامة عن مشكلته المستمرة منذ عام 2008، وهو يرى في إعادة لائحة 38 حلًا: “إحنا عايزين لائحة زي 38 تشتغل عليها المحاكم”، بخاصة المادة التي تنص على: “يجوز طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر، أو أخل بواجباته نحوه إخلالًا جسيمًا ما أدى لاستحكام النفور بينهما وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متتالية”.

فخلافات أسامة- البالغ من العمر 55 عامًا- مع زوجته بدأت بعد أول شهر من الزواج عام 1995. وبعد أن أنجبا ابنين قدمت زوجته مذكرات بخط يدها تعترف فيها أنها اقترنت به تحت ضغط والدتها.

لم يطلب أسامة الطلاق أمام المجلس الإكليركي إلا عام 2008، إلا أن المجلس رفض لأكثر من سبب: “عدم قدرة الزوج على إثبات الزنى الحكمي، كما أنه لا يمكن أن يتم الحكم ببطلان الزواج على أساس أن الزوجة كانت مكرهة بعد مرور سنوات (…) فلائحة المجلس الإكليركي الداخلية لا تقضي ببطلان الزواج بعد مرور 60 يومًا من توقيع عقد الزواج”.

أرقام متضاربة وحجب للمعلومات

يصعب الحصول على إحصائيات رسمية عن عدد المتضررين من النص التشريعي لقوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين. وتختلف التقديرات بين الكنيسة ومنظمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية التي شكّلها متضررون.

حاولت معدة التحقيق الحصول على بيانات من وزارة العدل أكثر من مرة على مدار شهر، وانتهت المحاولات برفض رئيس مركز المعلومات القضائي بوزارة العدل الاستجابة للطلب، وقد ادّعى أنه لا يستطيع أن يعطي إفادة بمثل هذه المعلومات خارج الوزارة. على أن مركز قضايا المرأة المصرية- منظمة مجتمع مدني غير حكومية- رصد 1449 قضية طلاق في القاهرة بين عامي 1999 و2004، أما في محافظة الأقصر فرصد 35 قضية طلاق لأسباب مثل “النفور- الزنى- الهجر” و51 قضية اعتراض على إنذار الطاعة.

الكنيسة تقلل من أهمية المشكلة

يقول الأنبا بولا- المسؤول عن ملف الأحوال الشخصية للمسيحيين الأرثوذكس- في تصريحات لصحيفة “الوطن” في يناير الماضي: “كل ما يصلنا من حالات شخصية للطلاق والزواج الثاني، للأقباط داخل مصر وخارجها، لا يزيد على 800 حالة سنويًا… والنسبة الكبيرة تأخذ تصاريح زواج ثان”.

أما مجدي كامل- العضو المؤسس لائتلاف متضرري الأحوال الشخصية- فيؤكد تراكم 200 ألف قضية أحوال شخصية في المحاكم المدنية منذ 2008 وحتى الآن.

في حين يقدر رمسيس النجار- محامي الكنيسة في عهد البابا شنودة الثالث- عدد المتضررين بين ستة آﻻف وثمانية آلاف أسرة، وفقا لإحصائيات جمعها من محاكم الأحوال الشخصية.

بينما يقدر هاني عزت- مؤسس رابطة منكوبي الأحوال الشخصية للأقباط، وهي رابطة ليس لها صفة قانونية حتى الآن ويتواصل أعضاؤها من المتضررين عبر شبكات التواصل الاجتماعي- فيقدر أعضاء الرابطة بثمانية آلاف متضرر.

من جانبه، يقول الأنبا دانيال- أسقف المعادي وتوابعها ورئيس المجلس الإكليريكي بالقاهرة- في تصريحات صحفية للأهرام نُشرت في 9 يونيو الماضي: إن عدد الملفات التي تسلمها 100 ملف “لدينا في القاهرة 100 حالة خلال الـ5 سنوات الأخيرة”.

لكنه عاد ليصرح لصحيفة “المصري اليوم” في حوار نُشر في 21 يوليو الجاري، بأن “مجلسي القاهرة والجيزة هما أكبر المجالس الإقليمية، ومجلس القاهرة القديم تولى فرز الملفات، وسلمها لنا من خلال دفعتين، الأولى ١٠٠ ملف، والثانية ١٠٧ ملفات بإجمالى ٢٠٧ فى القاهرة، وتشمل هذه الملفات، ما أصدره المجلس الإكليريكى من قرارات بشأنها، منذ عام ٢٠١١، أما مجلس الجيزة، فلديه ٥٤ ملفًا فقط، تمثل جميع الملفات القديمة، منذ ٢٠١١”.

أي أن عدد القضايا التي أصدر فيها المجلس الأكليركي قرارًا منذ 2011 كانت 261 حالة في القاهرة والجيزة فقط.

المسيحيين المتضررين من قوانين الأحوال الشخصية

المسيحيين المتضررين من قوانين الأحوال الشخصية

محاوﻻت إيجاد حل

كانت أولى محاولات تعديل هذا الوضع حين اجتمع ممثلون للطوائف المسيحية الكبرى الثلاث: الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، عام 1979، ووافقوا على مشروع قانون موحّد للأحوال الشخصية لغير المسلمين. تذكر الصحفية كريمة كمال في كتابها “الأحوال الشخصية للأقباط” أن مشروع القانون ضم بابًا خاصًا بأسباب الطلاق التي تراها الكنيسة مقبولة في ظل الالتزام بنص الإنجيل، إذ أضاف مشروع القانون إلى “الزنى الفعلي” ما سمي “الزنى الحكمي” كسبب للطلاق.

قُدم مشروع القانون عام 1980 إلى رئيس مجلس الشعب حينئذ د. صوفي أبو طالب، لكنه لم يخرج إلى النور بسبب اغتيال السادات في أكتوبر 1981.

تكرر الأمر عام 1998، حين قدمت الطوائف الثلاث نسخة معدلة لمشروع قانون سنة 1980 للمستشار فاروق سيف النصر- وزير العدل حينذاك. لكنه أيضًا لم يُعرض على مجلس الشعب وقتها ووضع في الأدراج. واتسم هذا المشروع بأنه أغلق الباب تمامًا للتحول داخل الديانة المسيحية من طائفة لأخرى بغية الحصول على الطلاق.

المحاولة الثالثة كانت في مايو 2010، حين اجتمعت الطوائف الثلاث لكتابة مسودة قانون موحد للأحوال الشخصية. جاء ذلك بعد عامين على نشوب خلاف بين البابا شنودة الثالث والمحكمة المدنية، بعد أن حكمت بتزويج مواطن قبطي، ما دفع البابا إلى تعديل لائحة 38 رسميًا وقصر التطليق على الزنى الفعلي أو الحكمي وتغيير الدين أو الطائفة. وسرى آنذاك اتفاق ضمني بين الكنائس الثلاث على ألا يتم منح شهادات تغيير الملة- حسبما يستذكر رمسيس النجار محامي الكنيسة في عهد البابا شنودة الثالث.

عادت الأمور للجمود بعد أحداث ثورة يناير 2011، وفي نوفمبر 2014، حثّ الرئيس عبد الفتاح السيسي وزارة العدالة اﻻنتقالية على إعداد مسودة قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين.

أربعة مسودات لقانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين

أربعة مسودات لقانون موحد للأحوال الشخصية للمسيحيين

توسيع أسباب الطلاق

يقول المستشار منصف سليمان، عضو المجلس الملي وممثل الكنيسة الأرثوذكسية في لجنة إعداد مسودة القانون، إنها توفر تيسيرات تتعلق بأسباب بطلان الزواج. مثل إضافة مسببات جديدة مثل “الآفة العقلية أو المرض العصبي أو النفسي” إلى جانب شرط المرض العقلي السابق للزواج. تحت هذه التفرعات أضيفت أشكال عدّة “زي المتعود يضرب مراته.. دي غالبًا آفة نفسية قديمة ما تتصلحش”. كما أضيف إلى الشروط هجر منزل الزوجية ثلاث سنوات متصلة دون رضاء الزوجة.

نادر صبحي- مؤسس حركة شباب كريستيان للأقباط الأرثوذكس- يقول إن مسودة اللائحة الجديدة تحل 99.9% من مشكلات الأحوال الشخصية للأقباط، كما أنها أفضل من لائحة 38 لأنها تحتوي لأول مرة على مادة تبيح زواج من تم تطليقه لعلة الزنى مرة أخرى إذا أعلنت توبته. المادة 20 من المسودة تنص على: “لا يجوز زواج من طلق لعلة زنى، ما لم تأذن الرئاسة الدينية لطائفته بزواجه، ويكون القرار الصادر فى هذا الشأن قرارًا كنسيًا دينيًا، غير قابل للطعن عليه بأي وسيلة من وسائل الطعن”.

الزواج المدني

تعقد حركات اجتماعية أسسها متضررون من قوانين الأحوال الشخصية، الأمل على سن تشريع يبيح الزواج المدني بمعزل عن الكنيسة حتى يمكن أن تُحل آلاف القضايا العالقة بين مشكلات الزواج الثاني والمعلقين الحاصلين على أحكام طلاق من محاكم مدنية وليس بوسعهم الحصول على تصريح مماثل من الكنيسة أو العكس، وأيضا لإنهاء الفتن الطائفية الناجمة عن هذه المشكلات الزوجية.

كان آخر تلك التحركات التي قام بها متضررون لأجل تشريع زواج مدني، ما دعت له رابطة منكوبي الأحوال الشخصية للمسيحيين في يونيو الماضي، بإرسال تلغراف يناشد الرئيس عبد الفتاح السيسي بسن تشريع قانون مدني للمسيحيين مع ضمان عدم الطعن بعدم دستوريته- حسب حديث هاني عزت مؤسس الرابطة لمعدة التحقيق.

جاء ذلك بعد أن اتفقت كل الكنائس التي شاركت في إعداد المسودة على رفض الزواج المدني، فيما عدا الطائفة الإنجيلية التي تغيّر رأيها لأكثر من مرة خلال المناقشة لكنها انتهت إلى قبوله ورفعت رأيها إلى وزير العدالة الانتقالية بمعزل عن بقية الكنائس الأخرى، وما زالت هي الطائفة الوحيدة التي تنادي بتطبيق الزواج المدني.

يقول مدير المكتب الصحفي للكنيسة الكاثوليكية، الأب رفيق جريش، إن الدولة ارتكبت خطأ “دون قصد”، حين وضعت الزواج المدني في الباب الخامس لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين “رغم أن الدولة تعلم أن الكنائس ترفض الزواج المدني”. وهو يرى أنه إذا أرادت الحكومة تشريع الزواج المدني فعليها أن تشرعه بإرادة منفردة، قبل أن يقول مستدركًا: “لكن أنا كقس خلال الوعظة ها أقول: يا جماعة.. هتتجوزوا مدني بعيد عن الكنيسة يبقى بعيد عن ربنا.. جوازكم ده مش متبارك”.

ﻻ يختلف الرأي عند الأرثوذكس. إذ يقول القمص يؤانس كمال- راعي كنيسة رؤساء الملائكة ميخائيل وغبريال بأم المصريين بالجيزة- إن من يتزوج مدنيًا “سيخلع من الكنيسة ولمّا يموت مش هتصلي عليه”. ويحذر: “لو أقرت الدولة زواجًا مدنيًا ستدعو الكنيسة مواطنيها لرفضه. اللي يتزوج مدني يروح للدولة تعَمِّد له عياله ويروح للحكومة تصلي عليه لما يموت”.

ولكنه عاد وقال في اتصال هاتفي مع معدة التحقيق، إن الابناء ليس لهم ذنب وستعمدهم الكنيسة إذا كان زواج الوالدين مدنيًا.

يقول د.إكرام لمعي، رئيس قسم مقارنة الأديان بجامعة الزقازيق، ورئيس المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية سابقًا: “إن من حق الدولة أن تصدر زواجًا مدنيًا، ونحن نشجع هذا لأنه سيحل مشكلات كثيرة في الزواج والطلاق”.

ويعتبر لمعي أن تطبيق الزواج المدني علامة على التطور الذي لحق بقضية الأحوال الشخصية للمسيحيين. محذرًا من ظهور القانون في صورة نهائية دون الزواج المدني بقوله: “هتبقى كارثة، لأنه اتلغى تغيير الملة ودي كانت منفذ للناس، فلو طلع مفيش تغيير طائفة أو دون زواج مدني، هتبقى كارثة على الأسرة المسيحية، ولن يبقى غير أن يقتلها أو تقتله أو تغيير الدين وده باب لمشكلات تانية”.

يقول طارق رمضان- المستشار القانوني لحركة “الحق في الحياة”- إن الدولة إذا سَنت قانونًا مدنيًا ستحافظ على الأمن القومي؛ لأن هذه القضية تمسه من منظور أن أغلب أسباب الصراعات الطائفية ناتجة عن مشكلات الأحوال الشخصية للمسيحيين.

ويضيف رمضان، أن القانون المدني يستطيع أن يوفر حلًا لأصحاب المشكلات الحالية، من خلال إعادته للتسعة أسباب للتطليق بلائحة 1938 للعمل بها من جديد، فيتيح تطبيق الأسباب بأثر رجعي ويمكن إيجاد حل لأصحاب المشكلات القديمة، ومن ناحية أخرى ستحل مشكلة الزواج الثاني، فإذا تم الطلاق مدنيًا يمكن للزوج أن يتزوج مرة أخرى مدنيًا أيضًا.

عدم دستورية

من المشكلات التي يواجهها مشروع القانون الجديد عدم مشاركة الأدفنتيست السبتيين، وهي إحدى الطوائف المسيحية المعترف بها، في إعداد المشروع، ما يجعله عرضة للحكم بعدم دستوريته. الدعوة للمشاركة في الإعداد وجهتها وزارة العدالة اﻻنتقالية لممثلي الكنائس الخمسة الأعضاء في مجلس كنائس مصر، وهي: الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية والأسقفية وطائفة الروم الأرثوذكس.

يقول القس رفعت فكري- رئيس مجلس الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية- إن المناقشة شملت جميع الطوائف (أعضاء مجلس كنائس مصر)، لكن السبتيين طائفة منفصلة تمامًا والدولة معترفة بها و”ليس لدي تفسير لعدم اشتراكها في المناقشة.. كله ماشي بالبركة”.

ويقول الأب أنور إسكندر- الممثل القانوني لطائفة الأدفنتيست ـ إن الطائفة معترف بها من الدولة منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ولها حق بناء الكنائس وتشكيل جمعيات خيرية وإنشاء مدارس تعليمية.

ويضيف: “كيف يطبق علينا قانون ونحن لم نوافق عليه ولم نشارك في إعداده. كيف يطبق على مسيحيين ويظل مسيحيون بلا قانون”.

ورغم اعتراف الدولة بطائفة الأدفنتيست السبتيين؛ فإن مسودة القانون تعتبرهم غير مسيحيين قائلة: “ﻻ يجوز للرجل المسيحي أن يتزوج دينيًا بمن تنتمي إلى دين آخر أو مذهب غير مسيحي كالسبتيين وشهود يهوه والبهائيين والمرمون”.

ازدواجية مجددًا

مسؤول ملف الأحوال الشخصية للأقباط هو الأنبا بولا، أسقف طنطا والغربية ومقرر لجنة العلاقات العامة بـالمجمع المقدس والمسؤول السابق عن المجلس الأكليركي على مدى 26 عامًا، ورئيس لجنة الكنيسة الأرثوذكسية في لجنة إعداد القانون.

ولا يرى الأنبا بولا داعيًا ﻻنتظار موافقة البرلمان على مشروع القانون الجديد. وقد قال في تصريحات لقناة (سي.بي.سي) التليفزيونية في 15 ديسمبر الماضي: “طالما الكنيسة وافقت على هذا المشروع من الممكن من الآن تفعيله كنسيًا إلى حين تفعيله قضائيًا بعد موافقة البرلمان”.

وكان قد قال أيضًا لبرنامج “في النور” على قناة (سي.تي.في) في نوفمبر الماضي: “إمتى الدولة هتقره.. ما يهمكش وبخاصة أن تجربتنا السابقة كنا ماشيين برضه بمشروع قانون لم يتم إقراره من الدولة”، مشيرا إلى إلغاء البابا شنودة ﻻئحة 38 في عام 2008، والتي كان معمولًا بها في المحاكم المدنية.

وتستند تصريحات الأنبا بوﻻ إلى المادة الثالثة من الدستور، التي تعطي المسيحيين الحق في اﻻستناد إلى شرائعهم، لكن المادة تشترط أيضًا أن يكون ذلك وفقًا لقوانين معمول بها.

وفي اتصال هاتفي مع معدة التحقيق، أكد الأنبا بولا تصريحاته السابقة، وبخاصة أن من حق الكنيسة أن تطبق داخليًا ما تراه من لوائح، وقال: “في المرحلة اللي فاتت الكنيسة كانت ماشية بلائحة غير المطبقة في المحاكم، ده حقها بغض النظر اسمها أيه مسودة أو لائحة”.

على العكس ترى الكاتبة كريمة كمال أن “الكنيسة ليست جهة تشريع”. وتضيف أنه بعد إلغاء لائحة 38 في عام 2008 “حدثت فوضى في المحاكم حتى الآن.. حسب القاضي ودماغه”، مشيرة إلى أن البعض طبق التعديلات التي أجرتها الكنيسة عام 2008 والبعض يطبق ما قبلها.

وطالما استمر هذا النقص التشريعي، فلا تلوح في الأفق نهاية للجدل حول هذا الموضوع، وﻻ حلول لمشكلات آﻻف الأقباط ضحايا الخلافات الزوجية حتى لو أدت إلى أحداث فتنة طائفية وضياع أرواح.

*أُنجِز هذا التحقيق بإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) www.arij.netK

*الإنفوجراف من تنفيذ محمد لطفي

اعلان
 
 
سعاد أبو غازي