Define your generation here. Generation What

الإرهاب والمدينة

مزرعة اللوز التي بدأ كل شيء فيها

أدعو الله كل يوم وأنا في المدينة ألا أقع في المكان الخطأ بالتوقيت الخاطئ.

كنت أنتظر جاري في مزرعة لوز صغيرة تقع بين منزلينا عندما بدأ الأمر. كنت مستلقيًا على بقعة ناعمة من الرمال بجانب إحدى شجرات اللوز لمدة نصف ساعة تقريبًا، مستمتعًا بجو خريفي جميل، وحين أدركت أن جاري لن يأتي، قررت العودة إلى المنزل، وبينما أهم بالقيام للمغادرة، إذا بصوت وابلٍ من الرصاص يطلق في الهواء مصحوبًا بصيحات: “إثبت يا ابن العاهرة، اثبت يا ابن …”.

اقتربت الأصوات من المزرعة أكثرًا فأكثر، بينما أنا ألتفت في حيرة يمينًا ويسارًا محاولًا معرفة ما إذا كانوا يقصدونني أنا بـ “ابن العاهرة”، ذاك الذي يصيحون ويطلقون النار عليه، أم أن هناك شخصًا آخر في المزرعة، وهو الذي يقصدونه.

دخل من بوابة المزرعة أربعة جنود وسط حالة من التوتر مع إطلاق نار لا يتوقف، بينما أنا في وضعية القرفصاء بجانب الشجرة رافعًا يداي في انتظار أن يروني، شلّت الصدمة تفكيري ولم أعرف ما يتوجب عليّ فعله.. هل ألفت انتباههم لوجودي، أم أن السكوت هو الأفضل؟ اصطف الجنود بموازاة سور المزرعة ورفعوا أسلحتهم إلى السماء وواصل ثلاثة منهم إطلاق النار بشكل هيستيري، إلا أن الجندي الرابع بدا هو أيضًا في حيرة من أمره؛ عَلام يطلق زملاؤه الرصاص ولم؟! ولكنه أدرك سريعًا أنه من الأسهل أن يفعل كما يفعلون، فبدأ هو الآخر في إطلاق النار بشكل عشوائي، وبمستوى أكثر انخفاضًا، وهو ما دفعني إلى إلقاء نفسي على الأرض متمددًا، وحينها تأكدت أن الأفضل هو ألا أتفوّه بكلمة، وأن أظل فقط متمددًا إلى أن أرى ما سيحدث.

انضم إلى المجموعة الأولى مجموعة أخرى من ستة جنود وبدأوا في إطلاق النار وهم يسألون عمّا حدث، ولكن لم يسمعهم أحد من زملائهم لكثافة إطلاق النار. وفي النهاية رد أحدهم بأن شخصًا ما قد أطلق الرصاص عليهم وفَر هاربًا في ذلك الاتجاه.

انتابت جسدي حالة من التجمد عند سماع تلك الجملة، واستمرت عملية البحث عن ذلك الشخص المجازي لمدة ٤٠ دقيقة، مرت عليّ وكأنها ٤٠ سنة. وبينما أنا في حالة التجمد تلك، كانت الفكرة المسيطرة على رأسي هي أن الأمر سينتهي بي مجرد خبر في شريط الأخبار، يعلن عن مقتل أحد العناصر الإرهابية على أيدي قواتنا الباسلة وسط تصفيق وحفاوة الجميع. لحُسن حظي توقف إطلاق النار، ولم يعثروا أبدًا على “ابن العاهرة”، ولم يرني أحد في ذلك اليوم وعدت سالمًا إلى منزلي، وبعد بضع ساعات نشرت صحيفة محلية خبرًا عن “هجوم بقذائف الآر بي جي على كمين أمني بالمدينة وقواتنا ردت على الهجوم”.

عامان مرّا على تلك الحادثة وما زلت لا أملك أي تفسير لما حدث، وما زالت بطني تؤلمني مع كل صوت رصاصة أسمعه، وهو صوت من أصوات المدينة المألوفة في أيامنا هذه.

لم تكن الحال هكذا دومًا

كانت رفح مدينة هادئة وبسيطة وتحت سيطرة أمنية محكمة، مثلها مثل أغلب المدن والبلدات النائية. كان أغلب السكان يعملون إما بالزراعة أو في المعبر الحدودي أو موظفين حكوميين. كان الناس يستمتعون بالبحر والشاطئ نهارًا، ويسهرون حول حلقات النار في الليل. إلا أن ذلك أصبح شبه مستحيل، فقد مُنع المدنيين من الاقتراب من البحر منذ قرابة السنتين، وحال حظر التجوال بينهم وبين جلسات السمر المسائية.

في ٢٠٠٧، دخلت المدينة مرحلة من الحراك بعد فرض السلطات الإسرائيلية الحصار على غزة ردًا على سيطرة حركة “حماس” على القطاع. بعد الحصار بأشهرعدة، أسقط الغزيون الجدار الذي يفصل بين القطاع ومصر، وعندها تغير كل شيء: الناس، والأرض والسياسة وحتى المناخ، أصبح الهواء معبّأ بالتراب من أثر سيارات الشحن الخاصة بالأنفاق.

بالرغم من قربها؛ فإن عبور الحدود من وإلى غزة كان يتطلب إجراءات أمنية معقدة. ولكن كل تلك الإجراءات سقطت بسقوط الجدار، وكنت في وسط غزة فعلًا في غضون ساعات قليلة، وكان ذلك بمثابة حلم. ولكن ذلك الحلم انتهى بعد أسبوع، وعاد كلٌ إلى الجهة التي أتى منها محملًا بكل أنواع البضائع من الناحية الأخرى.

ترك هذا الحدث الكبير الجميع يتساءلون: هل كان هذا حقيقيًا؟ وكيف حدث؟ في كل الأحوال تصور الجميع أنه لن يتكرر ثانية، وفعلًا أُغلقت الحدود.

ما تلا ذلك كان فوضى عارمة. حلت الأنفاق محل معبر رفح المغلق أغلب الأحيان، وفي غضون عامين تجاوز عددها الألفي نفق، وتم إدخال كل ما يمكن تخيله من خلال تلك الأنفاق. كانت المنتجات المهربة من مصر إلى القطاع أكثر من القادمة إليها. وبينما أنعشت الأنفاق اقتصاد المدينة، إلا أنها أصبحت أيضًا لعنة عليها.

تغير كل شيء مرة أخرى

مع ثورة ٢٠١١ والفراغ الأمني الذي تلاها، أصبحت المدينة تقريبًا تحت الحكم الذاتي، إلى أن طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزيرًا للدفاع وقتها، في ٢٠١٣ من الشعب المصري تفويضه لمحاربة الإرهاب. أعلن الجيش عن بداية الحرب على الإرهاب في شمال سيناء. تحولت المدينة إلى هدف للنيران، واعتبرت الدولة أن الأنفاق هي المصدر الرئيسي الذي تتدفق منه الأسلحة والمسلحين.

ومرة أخرى يتغير كل شيء. فرضت الدولة حظرًا للتجوال يبدأ مع غروب الشمس وينتهي بشروقها، ولا يزال حظر التجوال قائمًا لما يقارب العامين الآن. أُغلقت معظم الشوارع الرئيسية، وتخللت الأجزاء المفتوحة منها نقاط تفتيش صعبة ومزعجة. فأصبح الطريق بين العريش ورفح مثلًا- والذي كان يستغرق ٣٥ دقيقة- بمثابة رحلة من المتاعب تستمر لمدة ثلاث أو أربع ساعات، تنقضي ما بين الانتظار لساعات عند نقاط التفتيش حتى مرور مواكب عسكرية، أو في الالتفاف عبر المدقات الترابية حول الأجزاء المغلقة من الطريق.

حجبت الحكومة اثنتين من ثلاث شبكات للمحمول كانت تعمل في المدينة، مدّعين أن المسلحين يعتمدون عليهما. بينما لا تعمل الشبكة المتبقية أغلب ساعات اليوم. وبجانب الصعوبات الحياتية، أصبحت الحملات الأمنية على المنازل بمثابة روتين يومي: تقوم القوات بمحاصرة البيوت ومن ثم اقتحامها في أي وقت من اليوم، بداعٍ أو من دون.

أحمد*، ٢٢ عامًا، لا يملك نفقًا، ولكنه كان يخزن بعض البضائع المهربة، مثل السجائر، فأصبح مطلوبًا أمنيًا. قامت القوات باقتحام منزله يوميًا على مدار ما يزيد على الشهر، مع سب أفراد أسرته بأبشع الألفاظ. لم يكن أحمد في المنزل في كل مرة اقتحمت القوات منزله، ففاض الكيل بأحد الضباط في الاقتحام الأخير، فما كان منه إلا أن حمل سيارته الجيب بالمتفجرات، وهَدَّد أبو أحمد بتفجير المنزل إذا لم يسلم ابنه نفسه خلال ٢٤ ساعة. وأثناء خروجهم من المنزل في تلك المرة، ألقت القوات القبض على شقيقي أحمد الأصغر سنًا، اللذين تعرضا للتعذيب لساعات عدة حتى سلم أحمد نفسه في اليوم التالي.

في أكتوبر ٢٠١٤، قام مسلحون بهجوم إرهابي على كمين للجيش- يبعد ١٢ كم عن الحدود مع غزة- وأدى الهجوم إلى مقتل ٣٣ جنديًا وإصابة آخرين. قالت الحكومة إن الأسلحة المستخدمة في الهجوم قد جاءت من غزة، وعليه قررت إقامة منطقة عازلة بطول خمسة كيلو مترات وعرض ١٤ كيلو مترًا. باختصار، قررت الحكومة مسح المدينة بالكامل. إقامة المنطقة العازلة تلك من شأنها طرد عشرات الآلاف من سكان المدينة من بيوتهم ودفنها كاملة تحت الأرض بلا أي ذنب سوى أنها وقعت في منطقة حساسة، أو بالأحرى، هكذا أرادت الدولة أن تصفها.

صورة من رفح

صورة من رفح

ليلى*، في العقد الثالث من عمرها، كانت تقف على عتبة بيتها تتابع عملية هدم منزل جارتها الذي يقع في المنطقة العازلة الجديدة. واجهها أحد الضباط المشرفين على العملية بما يتردد عن أنها توزع الحلوى عند مقتل عسكريين على أيدي إرهابيين، واتهمها بالخيانة. فردت ليلى بأنه منطقي جدًا بالنسبة لها أن تكره وتتمنى الموت لكل من يقتل ويعتقل ويهجر أهلها الآمنين، ويعاملهم معاملة الإرهابيين.. لم يحتمل الضابط سماع ذلك، فعبر عن غضبه بهدم منزل ليلى على الفور ودون سابق إنذار؛ عقابًا لها على جرأتها.

لم يُسمح لليلى بأخذ أي من متعلقاتها هي وعائلتها من المنزل قبل أن يتم تدميره بالكامل. ولن تحصل على أي من التعويضات المستحقة للمهجرين من منازلهم في إطار المنطقة العازلة، لأن منزلها قد هدم بطريقة غير رسمية، ولن يعاقَب أحد على هدمه بتلك الطريقة. لم ينته عقاب ليلى عند هذا الحد، فقد رآها أحد الجنود خلال عملية تفتيش لمنزل إحدى جاراتها في سكنها الجديد، فهرول خارجًا لإبلاغ الضابط نفسه، وعند عودتهما إلى داخل المنزل كانت ليلى  قد هربت. اعتقل الضابط ومن معه ابن جارة ليلى وعذبوه لبضع ساعات حتى اعترف بمحل إقامتها الجديد، اقتحم الضابط وفريقه منزل ليلى الجديد وبكل بساطة ألقوا كل محتويات منزلها من الشباك إمعانًا في الانتقام منها.

صلاح سالم، شاب في أواخر العشرينات، يعاني إعاقة ذهنية واضحة في مظهره الخارجي، سواء من خلال طريقة مشيه أو في تصرفاته. كان سالم عائدًا إلى منزله في أحد الأيام عندما استوقفته نقطة تفتيش عسكرية. وطلب الجنود منه إظهار بطاقته الشخصية، إلا أنه لم يكن لديه أية بطاقة، وأخبرهم بأنه “تبع المخابرات”؛ حيث إن منزله كان بجوار مكتب المخابرات، وكان يشتري الخبز لأفراد المكتب في رفح كل صباح. تم التحفظ على سالم بالنقطة وباشرت قوات الكمين في تفحص السيارات، فقرر سالم استغلال انشغال أفراد الكمين والهرب من خلف ظهورهم. يقول الشهود إن القوات طلبت منه التوقف مرتين قبل إصابته بطلقتين مباشرتين في ظهره، ما أدى إلى مقتله في الحال. رفضت القوات السماح للموجودين بمساعدة سالم، مؤكدين أن سيارة الإسعاف في طريقها إليه، ولكن الإسعاف وصلت بعد نصف ساعة.

أصبح سالم “إرهابي اقتحم كمين للجيش وتعاملت معه قواتنا”، كما أُعلن في جريدة محلية في اليوم التالي. اضطرت عائلة سالم أن تذكر في الأوراق الرسمية أن رصاصة مجهولة كانت السبب في وفاته، حتى تتمكن من تسلم جثته. لم يمت سالم عبثًا فقط، وإنما أيضًا مات باعتباره إرهابيًا، في ظن الأغلبية العظمى من المصريين.

المدنيون هم الخاسر الوحيد

أطلق سراح الغالبية العظمى من قيادات “ولاية سيناء”ـ أنصار بيت المقدس سابقًا- خلال عامي ٢٠١١ و٢٠١٢ على يد عدوهم اللدود حاليًا: المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان يحكم البلاد في تلك الآونة. أعاد الجهاديون تنظيم صفوفهم ومن ثم أعلنوا الحرب على الجيش. كبرت المجموعة وأعلنت ولاءها لـ”الدولة الإسلامية”، فزاد عدد المقاتلين وزادت الأسلحة. اشتدت وطأة العمليات العسكرية، فقابلتها زيادة في العمليات الإرهابية لـ “ولاية سيناء”. وفي كل مرة يكون الشيء المشترك هو أن الطرفين يعلنان انتصارهما، وبالفعل يخرج الطرفان من المعركة بمكاسب حقيقية. فالأعمال الإرهابية سمحت للدولة بسن قوانين وممارسات دكتاتورية، بالإضافة إلى القمع والظلم الذي طال الجميع من قبل الدولة، وبدوره زاد من تعاطف المظلومين تجاه الجهاديين، على اعتبار أنهم من ينصر المستضعفين. ويبقى المدنيون في المنتصف، هم فقط الخاسرون، فقد أصبح الموت العملة الرخيصة للمدينة.

يقتل المدنيون على أيدي الطرفين كل يوم، وإذا قتلوا على أيدي الجهاديين، فهم ضحايا الإرهاب، وإذا قتلوا على يد الجيش، فهم بلا شك إرهابيون.

استغل الجيش العنصرية التي عانتها المنطقة طويلًا في تعامل باقي المدن مع رفح، واعتبارها مصدرًا لكل المشكلات. الشحن المعنوي للقوات ضد قاطني المنطقة جعلهم يعتبرون كل من ليس فردًا في الجيش هو عدو لهم. ولكن قتل الأبرياء واستغلالهم ووصفهم بالإرهابيين في حرب بروباجندا رخيصة لن ينجح في إقناع الناس إلى الأبد.

بصفتي مواطن تائه في الحرب على الإرهاب، أصبح من الصعب عليّ تعريف كلمة إرهابي تعريفًا منطقيًا. فصورة الإرهابي التي صورتها لنا الدولة لطالما تمثلت في لحية وبندقية، ولكن هذه الصورة قد تغيرت بالنسبة للمدنيين العزل في ظل الأحداث الحالية، فأصبحت متمثلة في دبابة وجرافة وقبعة وبندقية.

انقلب السحر على الساحر؛ لم تعد المجموعة الجهادية هي المجموعة الصغيرة نفسها التي يمكن من خلالها تحقيق المكاسب فقط دون خسارة، وسن قوانين تعسفية بحجة حالة الإرهاب التي تعيشها المنطقة، بل أصبحت قوة لا يستهان بها ولا يمكن التنبؤ بقدراتها العسكرية (كما شاهدنا في عمليتهم الإرهابية الأخيرة بداية الشهر الحالي). وفي فشل واضح لسياسته، أصبح الجيش هو الداعم الأساسي في تغذية الإرهاب الذي أعلن الحرب عليه.

*تم تغيير الأسماء الواردة في المقال.  

اعلان
 
 
مواطن من شمال سيناء