Define your generation here. Generation What
«مثلث ماسبيرو».. هل يحظى السكان بنهاية سعيدة؟ (٢)
 
 

تاريخيًا، يعود ظهور منطقة بولاق التي تضم مثلث ماسبيرو إلى أواخر القرن الثاني عشر، مع الطرح السابع لنهر النيل، حيث تراكم الطمي في المكان الذي أصبح معروفًا باسم “بولاق”، التي أصبحت مع مرور الوقت ميناءً هامًا خاصة مع ابتعاد القاهرة التاريخية عن النهر وتدهور حالة ميناء أثر النبي. غير أن منطقة بولاق لم تشهد تعميرًا حقيقيًا إلا مع احتلال الحملة الفرنسية لمصر. وقتها، شق الفرنسيون طريقًا يربط بين ميدان الأزبكية وبولاق، وهو الطريق الذي استكمله محمد علي باشا وزاد عليه أن أنشأ المطابع الأميرية والترسانة البحرية وطوّر الميناء وأنشأ الورش الحكومية هناك. وأصبح الميناء يلعب دورًا رئيسيًا في التجارة الداخلية، كما بدأ تعمير المنطقة المحيطة به. وخلال فترة حكم الخديو إسماعيل، اكتسبت المنطقة أهمية إضافية، مع مشروع إنشاء القاهرة الإسماعيلية الواقعة بين القاهرة القديمة وبولاق، وزادت مساحات التعمير بداية من سنة ١٨٩٠.

يحكي المعماري  أحمد زعزع، أحد أعضاء فريق مشروع تطوير مثلث ماسبيرو التشاركي، أن شركس باشا، أحد الأعيان الذين امتلكوا مساحات كبيرة من الأراضي في المنطقة التي أصبحت تُعرف باسم مثلث ماسبيرو، قد خصص جزءًا من أرضه للخدم والعاملين لديه ليبنوا عليه منازلهم. وفي النصف الثاني من الأربعينات، قبل أن يُغادر شركس باشا البلاد، أوقف الأرض لصالح من يعيشون عليها لمدة ٢٠ سنة، على أمل أن يعود لاحقًا، غير أنه توفي ولم يعد.

يضيف زعزع أنه سنة ١٩٦٨، وبعد انتهاء فترة الوقف، بدأت وزارة الأوقاف في البحث عن ورثة الباشا في تركيا وأخبرتهم أن شركتين سعودية وكويتية تريدان شراء الأرض. لم يهتم الورثة باستمرار احتفاظهم بالأرض، ومع حلول سنة ١٩٧٣ بدأ بيع أجزاء من أراضي مثلث ماسبيرو إلى الشركتين، رغم وجود السكان بهذه المنطقة.

يحكي الأهالي أنه بداية من سنة ١٩٨٥، أُوقفت التراخيص لأي أعمال ترميم داخل مثلث ماسبيرو، ويؤكد زعزع أن أعضاء فريق مشروع التطوير لم يتمكنوا من التأكد من حقيقة هذا القرار، وهل كان قرارًا إداريًا بالفعل أم مجرد ممارسة عملية من موظفي الحيّ. أثّر ذلك القرار على حالة المنازل، خاصة بعد زلزال ١٩٩٢ الذي تسبب في هدم نحو ١٩٪ وتصدّع ١٤٪ من بيوت المنطقة، ولم يتمكن الأهالي من ترميم هذه المنازل لاحقًا، مما سهّل على السلطات التنفيذية نقل بعضهم إلى منطقتي السيدة زينب والوايلي ومدينة ٦ أكتوبر. وبحسب زعزع، فقد أصبح هناك إحساس لدى السكان أن الدولة ترغب في إخلاء المنطقة، عبر إجبار الأهالي على الرحيل تدريجيًا، لصالح الشركات الاستثمارية التي اشترت الأرض منذ سنوات ولم تنتفع منها.

منذ الستينات وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين انتزعت الدولة ملكية أجزاء عديدة من الأراضي لصالح بناء مبنى ماسبيرو ثم وزارة الخارجية ثم جراج ماسبيرو ثم حديقة الوزارة.

التعرف على تاريخ المنطقة والتعرض لكل ما كُتب أو قيل عنها كانت الخطوة الأولى التي قام بها فريق مشروع تطوير مثلث ماسبيرو التشاركي الموازي. وهي المبادرة التي تشكلت من باحثين عمرانيين وحقوقيين متخصصين في الحق في السكن وقانونيين، وبدأت العمل بداية من يونيو ٢٠١٣. وتشكلت المجموعة بالأساس من فريق عمل مبادرة “مدّ”، المعنية بالتطوير الحضري والعمراني، والمركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي.

كانت الفكرة وراء المشروع هي تشكيل فريق من السكان ومتخصصين عمرانيين وحقوقيين وقانونيين للعمل على مشروع تطوير متكامل موازي لمشاريع الدولة، على أن يعرضوا ذلك المشروع على الحكومة لاحقًا ويبدأوا الضغط من أجل تنفيذه.

يحكي محمد أبو طيرة، معماري وعضو فريق مشروع التطوير، أن الهدف الأساسي من عملهم هو محاولة إنتاج بدائل عمرانية لما يتم تقديمه بصفته الحل الوحيد الممكن، وهو تطوير مناطق وسط القاهرة بتحويلها إلى أبراج استثمارية، وتهجير السكان إلى أطراف المدينة أو المدن الجديدة. يضيف أبو طيرة: “هدفنا الاستثمار في خيال الناس. ليصبح ممكنًا أن يتخيلوا أن هناك ما هو ممكن ومختلف في التعامل مع مناطق معيشتهم لتطويرها دون إخراجهم منها”.

يشرح أبو طيرة أن الموقفين اللذين صادفهما في بداية عمله مع سكان مثلث ماسبيرو هما إما القبول بما هو قائم دون تغيير، أو الرفض المطلق الذي لا يرى إمكانية لتطوير المنطقة مع الحفاظ على سكانها ونمط حياتهم كما هو. يضيف أبو طيرة: “احتاج تغيير ذلك إلى مسار طويل من العمل المشترك بيننا كفريق عمل ورابطة السكان والأهالي”.

لم يكن مشروع التطوير الذي قام به فريق البحث هو الأول من نوعه، فقبل ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ظهر أكثر من مشروع مُتعلّق بمثلث ماسبيرو. بحسب زعزع، فقد كان من المُخطط، وفقا لمشروع القاهرة ٢٠٥٠، تحويل المنطقة إلى حي إداري ومالي مميز، ووضع ذلك المخطط الهيئة العامة للتخطيط العمراني. وفي ٢٠٠٩، كُلّف المهندس الاستشاري حسام يوسف، بوضع مخطط للمنطقة تضمّن تحويلها بالكامل إلى مباني إدارية ومولات تجارية وفنادق يتخللها قناة متصلة بنهر النيل، واختفى الأهالي تمامًا من المخطط الذي كان من المنتظر لتنفيذه تهجيرهم مع تعويضهم إما بوحدات سكنية على أطراف القاهرة أو في المدن الجديدة، أو بتعويضات مالية. لاحقًا، وفي عام ٢٠١٠، كُلفت المهندسة الاستشارية سحر عطية من قِبل محافظة القاهرة والمجلس الأعلى للتخطيط العمراني بوضع مخطط لمنطقة وسط البلد ثم مثلث ماسبيرو، وتشابه المخطط مع ما جاء في المشروعين السابقين.

يحكي تامر محمود، أحد أعضاء رابطة أهالي مثلث ماسبيرو للدفاع عن الأرض والسكن، أن أخبار المشاريع المختلفة لتطوير المنطقة بدأت في الورود إلى أسماعهم عام ٢٠٠٨، ففكروا في تأسيس رابطة للدفاع عن تطوير المنطقة لصالح السكان، وبدأوا في جمع توقيعات الأهالي على عريضة تطالب بتطوير المنطقة.

يقول محمود: “قبل الثورة، كانت الدولة رافضة لأي تطوير للمنطقة، وتعرضت الرابطة للمحاربة من قِبل الحكومة، لكن ثورة يناير أنقذتنا”.

يؤكد زعزع أن الإحساس بأن ثورة يناير مثّلت نجدة لسكان ماسبيرو هو إحساس عام بين الأهالي، فعقب الثورة توقف الحديث لفترة عن مشاريع التطوير التي تتضمن إجلاء لسكان المنطقة، كما أدى انفتاح المجال العام إلى السماح للسكان بالتحرك للدفاع عن حقهم في تطوير المنطقة.

يؤيد محمود ما ذكره زعزع، فيحكي أن الأهالي بمساعدة الرابطة نظموا عدة وقفات احتجاجية خلال السنوات التي أعقبت الثورة للمطالبة بتطوير المكان وعدم إجلائهم منه.

تزامنت تحركات الأهالي في مرحلتها الأخيرة عام ٢٠١٣، مع بدء فريق مشروع التطوير التشاركي الموازي في يونيو ٢٠١٣. تواصل أعضاء الفريق مع رابطة الأهالي، وفي أغسطس من العام نفسه نظم كلاهما مؤتمرًا شعبيًا لعرض فكرة المشروع على السكان.

يحكي زعزع ضاحكًا أن المؤتمر كاد أن يفشل في بدايته بسبب توتر الأهالي وتوجسهم منهم وشكوكهم تجاه أي شخص غريب عن المنطقة، إلى أن أنقذهم أحد السكان الذي لم يكن يعرفهم غير أنه دافع عن المشروع، وأنتهى الأمر بمباركة الأهالي لفريق العمل.

رسم توضيحي لأصول سكان مثلث ماسبيرو.jpg

رسم توضيحي لأصول سكان مثلث ماسبيرو

في سبتمبر استأجر الفريق مقرًا داخل المنطقة السكنية وبدأوا، بمعاونة الرابطة ومشاركة الأهالي، في رحلة دراسة المنطقة بكل تفاصيلها الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية والثقافية. وأسفر البحث عن بلورة عدد من الحقائق بخصوص المنطقة التي يرى فريق العمل أنها يجب أن تنعكس على أي مشروع لتطوير المكان، منها أن ٨٤٪ من سكان مثلث ماسبيرو الحاليين أصولهم من نفس المنطقة، و٦٨.٤٪ من السكان لهم أقارب فيها، و٢٣.٨٪ منهم في نفس الشارع، و٢٤.٦٪ منهم في نفس البيت. بالإضافة إلى أن ٧٨٪ ممن يعملون في مثلث ماسبيرو تتواجد أماكن عملهم في المنطقة نفسها، و٥٨٪ منهم يذهبون إلى عملهم مشيًا، كما يتركز زبائن ٤٧٪ من العاملين في مثلث ماسبيرو في نفس المكان.

رسم توضيحي للعلاقات الاجتماعية لسكان مثلث ماسبيرو.jpg

رسم توضيحي للعلاقات الاجتماعية لسكان مثلث ماسبيرو

رسم توضيحي متعلق بالعمل في مثلث ماسبيرو

وفقًا لزعزع، فإن الإحصائيات السابقة تؤكد إستحالة نقل سكان المنطقة منها وإلا سيؤدي ذلك إلى تدمير نمط حياتهم بالكامل.

يحكي زعزع عن بعض السكان الذين نُقلوا قبل الثورة إلى مساكن عثمان في نهاية مدينة ٦ أكتوبر بالقرب من طريق الواحات، والذين شملهم البحث أيضًا، فيقول: “وجدنا أن متوسط دخل أي عائلة ممن تم نقلهم إلى ٦ أكتوبر كان يبلغ نحو ٧٠ ألف جنيه في السنة قبل نقلهم إلى هناك، أما بعد النقل فانخفض دخل الأسرة إلى ٣٠ ألف جنيه سنويا، مع الأخذ في الاعتبار أن مصاريفهم اليومية تضاعفت بشكل ملحوظ بسبب بُعد كل أنواع الخدمات عنهم”.

وتتنوع ملكيات الأراضي في مثلث ماسبيرو بين ٢٠.٩٪ تمتلكها الشركة الكويتية، و١٤.٢٪ تمتلكها وزارة الإعلام، و١٣.٥٪ تمتلكها وزارة الخارجية، و١٣.٤٪ حيازات الأهالي، و١١.٣٪ تمتلكها شركة ماسبيرو، و١١.٩٪ تمتلكها محافظة القاهرة، و٣.٧٪ تمتلكها الشركة السعودية، وباقي المساحات تمتلكها جهات حكومية وأجنبية واستثمارية أخرى. ويبلغ إجمال مساحة الأرض ٨٢ فدانًا، يعيش نحو ١٤ ألف مواطن (٣٥٠٠ أسرة) على ٢٠ فدان منها.

رسم توضيحي لحيازات الأراضي في مثلث ماسبيرو.jpg

رسم توضيحي لحيازات الأراضي في مثلث ماسبيرو

يشرح زعزع أن مشروع التطوير يعتمد على إعادة توزيع الملكيات بحيث يمكن معالجة حالة التشظى التي تعاني منها المنطقة والتي تمنع أي إمكانية للتطوير. فيهدف المشروع إلى تجميع الأهالي على مساحة ١٢ فدان، ممتدة بطول شارع ٢٦ يوليو؛ ليظل السكان قريبين من أماكن عملهم ومن خطوط المواصلات العامة والمترو، وفي هذه المنطقة سيتم إعادة بناء الأراضي الخلاء وتعلية المباني التي بحالة جيدة، وهدم وبناء بعض المنازل التي تحتاج ذلك، لتوفير ٣٥٠٠ وحدة سكنية. وستمتلك المحافظة الأراضي التي سيُبنى عليها المنازل بواقع ١٠ أفدنة للبيوت وفدانين للخدمات. وسيُمنح الأهالي، وفقا للتخطيط، عدة اختيارات أولها أن يحصلوا على عقد إيجار تملكي يدفعوا وفقه ما بين ٢٥٠ إلى ٤٠٠ جنيه شهريًا، بحسب مساحة الوحدة السكنية، لمدة ٢٠ سنة، بعدها يتملكون وحداتهم وجزءًا من الأرض، أو أن يحصلوا على عقد إيجار قديم لمدة ٥٠ سنة بقيمة تتراوح بين ١٥٠ إلى ١٧٠ جنيه شهريا، أو تعويض من يريد الرحيل عن مثلث ماسبيرو بتعويض مالي قيمته ٥٠ ألف جنيه عن كل حجرة أو بمنحه شقة سكنية خارج المنطقة.

وسيتم تقسيم باقي مساحة الأراضي بين الجهات المختلفة، مع تعويض الشركات عن الأراضي التي ستتنازل عنها للأهالي بمساحات أخرى مساوية في القيمة المالية. وفقًا للتخطيط ستتواجد منطقتين استثماريتين، الأولى متوسطة الكثافة والارتفاعات وهي الملاصقة لمساكن لأهالي، والثانية هي المطلة على الكورنيش وهي الأعلى كثافة وارتفاعًا. كما سيتم المحافظة على المناطق التراثية والتاريخية في منطقة ماسبيرو وخلق محور ثقافي عمراني يربط بينها.

رسم توضيحي لمثلث ماسبيرو وفقا لمشروع التطوير التشاركي.jpg

رسم توضيحي لمثلث ماسبيرو وفقا لمشروع التطوير التشاركي

في يونيو ٢٠١٤، عقب إنشاء وزارة التطوير الحضري والعشوائيات وتولي ليلى إسكندر مسؤوليتها، اتصلت الوزيرة بفريق العمل على مشروع التطوير التشاركي. وبدأت في الاجتماع بهم وزيارة المنطقة والتواصل مع الأهالي. يحكي زعزع أن الاجتماعات بدأت تأخذ طابع موسع لدراسة مشروعهم، يحضرها ممثلين عن محافظة القاهرة والوزارة والشركات المالكة لأراضي ماسبيرو وفريق عمل مشروع التطوير وممثلين للأهالي.

في ديسمبر ٢٠١٤، وبعد الانتهاء من المخطط العام لتطوير المنطقة، وقّع مجلس الوزراء من جانب و١٥٠٠ أسرة من منطقة ماسبيرو من جانب أخر “وثيقة توافق شركاء التنمية لمنطقة مثلث ماسبيرو” التي تحتوي على المبادئ الأساسية لفكرة مشروع التطوير، وفي أبريل الماضي أُعلن مثلث ماسبيرو كمنطقة خاضعة لإعادة التطوير، ونُظمت مسابقة رسمية للمكاتب الاستشارية لتحويل المخطط العام للتطوير إلى مخطط تفصيلي، تمهيدًا للبدء في تنفيذه العام المقبل.

رغم التقدم الذي شهده المشروع، إلا أن الأهالي ما زالوا يشعرون بالتشكك تجاه إمكانية تنفيذه، خاصة مع وقوع المسؤولية عن منطقة مثلث ماسبيرو بين أكثر من جهة حكومية لا تتبنى كلها نفس وجهة النظر تجاه منهجية التطوير.

يحكي زعزع أنه في يونيو ٢٠١٤ وعقب اتصال وزارة تطوير العشوائيات بفريق المشروع نظّم كلاهما مؤتمرًا في المنطقة، حضره نائب محافظ القاهرة. وعقب عرض تفاصيل مشروع التطوير في صورته شبه النهائية، اعترض نائب المحافظ مؤكدًا أن المشروع الذي سيتم تنفيذه هو مشروع الهيئة العامة للتخطيط العمراني والذي أعدته سنة ٢٠٠٨. غير أن إسكندر أعلنت أن وزارة تطوير العشوائيات أصبحت هي المسؤولة عن تطوير المنطقة وهي المسؤولة عن اختيار المشروع المناسب.

وأتى التفجير الذي استهدف القنصلية الإيطالية في ١١ يوليو الجاري، ليفتح من جديد ملف مشروع التطوير، خاصة مع التقديرات المتفاوتة لمدى الضرر الذي تعرضت له منازل المنطقة، مما يفتح الباب على احتمالية تهجير بعض سكان مثلث ماسبيرو بما يتعارض مع فلسفة مخطط التطوير والغرض الأساسي منه وهو المحافظة على حقهم في السكن.

من جهته، عبّر أبو طيرة عن مشاركته السكان قلقهم وتخوفهم أن “يتم تفريغ المشروع من مضمونه”، غير أنه، وبغض النظر عن نهاية مشروع التطوير، ستبقى منهجيته المغايرة في التعامل مع تطوير منطقة بحساسية مثلث ماسبيرو وأهميتها للسكان والدولة والمستثمرين تجربة مختلفة يمكن استلهامها في مشاريع ومناطق أخرى.

اعلان