Define your generation here. Generation What

القاضي المتهم.. ومن حظر النشر ما فشل

كما لا بد أنك تعرف، هناك بعض المميزات في أن تصبح قاضيًا في مصر. رواتب كبيرة، بدلات كثيرة، احترام تكتسبه أثناء ممارساتك لنشاطات حياتك اليومية. لن يستطيع أي ضابط في أي كمين أن يرفع عينيه في وجهك، لن يقوم بتفتيشك، لن يستطيع سوى أن يقول لك: “اتفضل يا باشا” مع تحية عسكرية تليق بك. لن تنتظر في أية مصلحة حكومية لتنتهي من بعض اﻷوراق، لن يستطيع أي موظف أن يقول لك: “تعالى كمان أسبوع”. تعرف أن تأمينك القضائي سيجعل رحلة علاجك من أي مرض نزهة خلال المستشفيات. هناك دائمًا شخص ما يتمنى أن تطلب منه أي شيء. لن تدفع أية مخالفات مرورية. وبالطبع، حين يكبر أبناؤك يمكنك بمنتهى السهولة تعيينهم في السلك القضائي.

كل هذا ربما كنا نعرفه. لكن الميزة الجديدة التي تعرفنا عليها هذا اﻷسبوع من مميزات أن تصبح قاضيًا في مصر، هي أنه إذا كنت متهمًا باستغلال سلطتك وطلب رشوة جنسية من سيدة أو أكثر كي تصدر حكمًا لهن في إحدى القضايا التي تنظرها، يمكن للدولة أن تصدر قرارًا بحظر النشر في قضيتك، ربما حتى تنتهي من الوصول إلى مخرج ما.

تثير تصورات البيروقراطية المصرية، المحملة بتاريخ عقود مزيج من الغباء والفساد اﻹداريين، عن اللحظة الراهنة انبهارنا طوال الوقت.

يجلس النائب العام في مكتبه، محملًا بكل التصورات الناصرية عن إمكانية خلق سلطة قوية لتمارس دور اﻷب في اختيار ما يشاهده اﻷطفال/ الشعب، فيقرر بعد ضجيج يجتاح شبكات التواصل الاجتماعي أنه سيحظر النشر في قضية ما. يكتسب إحساسه بالقوة من موقعه كأحد أهم رموز جهاز الدولة المصرية العجيب، لكنه يكتسب أيضًا قوته من ذلك الجو الشائع منذ عامين، والذي ينتشر حاملًا رعبًا خفيًا وتهديدًا تشعر به طوال الوقت إذا جرؤت على إغضاب الدولة، وهي “متعصّبة” هذه اﻷيام بسبب اﻹرهاب، “اتهامك” بأنك “إخوان” سيصبح أقل مخاطرك.

لكن ما لا يعرفه النائب العام هو أنه في مصر اﻵن ما يقرب من 5 ملايين مستخدم للهواتف الذكية، معظمهم يدخل على اﻹنترنت ويستخدم فيسبوك بشكل شبه دائم، باﻹضافة إلى ملايين آخرين أصبح مفهوم وجودهم في هذا العالم هو أنهم يحدثون “ستاتس” حياتهم، النقاشات تجري هناك، والعزاءات والتأملات والتهاني ودعوات اﻷفراح و”جروبات” العمل، وكل اﻷشياء اﻷخرى التي يمكن تصورها في الحياة.

من مكتبه، هنا، في العالم المادي الناصري في كل شيء حتى اﻵن، يصدر قرار بحظر النشر في قضية القاضي رامي عبد الهادي، فتلتزم به معظم مؤسسات العالم الناصري، الصحف، قنوات التليفزيون، بعد تغطية إخبارية خجولة أو ربما منحازة استمرت ليومين. لكن في عالم هذا العصر، شبكات التواصل الاجتماعي، يمرح اﻷطفال بلعبتهم التكنولوجية، يتقاذفون المعلومات عن القاضي وتاريخه وقضيته، ويبدأون في إطلاق النار على الصورة الكلاسيكية للقضاء المنزه عن النقد. تثير اﻷخبار التي تصلهم عن حظر النشر ضحكاتهم. يبدوأن في تداول النكات. يشعرون بالشفقة تجاه أطراف تتخيل قدرتها على التحكم حتى في معلومات عن قضية كهذه. تبدأ حملة عفوية، ساخرة ذكية كما هو مفضل في التعاطي مع مشاكل الحياة اﻵن، تنتهي إلى نشر الجميع اسم القاضي وصفته والقضية المتهم فيها بشكل متواتر يملأ اﻵن إيميلات مئات اﻵلاف من المواطنين في تنويعات مختلفة للمعني نفسه: “من الواجب احترام حظر النشر في قضية القاضي رامي عبدالهادي- رئيس محكمة جنح مستأنف مدينة نصر- المتهم بطلب رشوة جنسية”.

هذه النقطة، يتفق معنا فيها القاضي رامي عبد الهادي نفسه. هو اﻵخر، كان يرى أن فيسبوك هو العالم الجديد، وأن العقليات الناصرية القديمة لا تفهم العصر الحديث. هذا هو انطباع الجولة التي تأخذها في حسابه على فيسبوك. صورة البروفايل التي يستخدمها “فورمة ساحل”. يعرف عبد الهادي أنه ممنوع بحكم القانون من إبداء رأيه السياسي أو الانحياز في أية معركة سياسية، لكنه يعرف أيضًا أن هذا القانون ينطبق فقط في عالم أبناء عبد الناصر الخارجي، لكن هذا لن يمنعه أبدًا من ممارسة ما يراه حقًا طبيعيًا في التعبير عن رأيه. يمكنه هنا على فيسبوك أن يضرب بمثل هذه القوانين عرض الحائط. يمكنه أن يضع صورة محمد البلتاجي على جسد راقصة، أو صورة صفوت حجازي على جسد راقصة تعرِ دون خوف من أية مساءلة.

هناك أشياء أخرى تقليدية تراها هناك، بعض البوستات الدينية ربما على سبيل نزعة تطهرية تصيب الكثير في بعض اﻷوقات. ستجد أيضًا ذلك الخليط البديع: مجموعة مما يتخيله أنها اقتباسات عميقة تمتلئ بالحكمة من نوع: “إذا نجحت في خداع شخص ما!! فلا تظن أنه غبي ولكنه كان يثق بك”، مكتوبة على صورة لطفل يسير مبتعدًا بجوار كلبه الصغير وسط جو ممتلئ بالغيوم، ومجموعة أخرى من الحسرات على زمن اﻷصدقاء، وعلى “الزمن الذي يكشف كل إنسان على حقيقته“، تمامًا كموخرة أي توك توك يحترم نفسه في مصر.

ربما يهمك أن تعرف أن القاضي رامي عبد الهادي، كان هو القاضي الذي حكم ببراءة اﻹعلامي أحمد موسى في قضية سب وقذف الدكتور أسامة الغزالي حرب بعد أن قضت محكمة الجنح بحبسه عامًا، وبراءته من سب وقذف المستشار هشام جنينة- رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات. باﻹضافة إلى هذا، كان هو القاضي الذي رفض الاستشكال المقدم من طالبات اﻷزهر الخمسة على حكم حبسهم خمس سنوات بعد اعتقالهم على خلفية المظاهرات التي استمرت في جامعة اﻷزهر. أو ربما لا تهمك مثل هذه المعلومات. المهم هو ما نتفق فيه جميعًا مع القاضي رامي عبد الهادي- رئيس محكمة جنح مستأنف مدينة نصر- متهم بطلب رشوة جنسية. نتفق نحن وهو على أن أدوات السلطة القديمة لم تعد صالحة للتطبيق في العصر الحديث. نتفق أيضًا على أن أوهام بقايا الدولة الناصرية الحائرة منذ أربعة أعوام في أزمات وجودية خانقة لن تستطيع أن تمنع أيًا منا من التعبير عن رأيه مهما كان غبيًا.

يستمر النقاش الدائر في طرح أسئلة جديدة منطقية تتسع لها حياتنا الجديدة ولا تتسع لها روح البيروقراطية المصرية. ما نعرفه هذه المرة هو أن المعركة التي بدأت بإصرار المواطنين في فيسبوك على السخرية من قرار حظر النشر في قضية القاضي رامي عبدالهادي، انتهى بفوز- ربما مؤقت- وهزيمة مهينة للبيروقراطية: بعد منعه من دخول المحكمة اليوم، أُجبر القاضي على تقديم استقالته.

 
اعلان
 
 
محمد حمامة