Define your generation here. Generation What
«مثلث ماسبيرو».. هل يحظى السكان بنهاية سعيدة؟ (١)
 
 

عندما استيقظت القاهرة على صوت التفجير الذي استهدف القنصلية الإيطالية، بشارع الجلاء، في يوم ١١ يوليو الماضي، لم يتخيل أهالي منطقة مثلث ماسبيرو أن التفجير سيكون له كل هذه التأثيرات على حياتهم. امتدت الموجة الارتدادية لتصيب المنازل، لكن أثرها لم يتوقف عند اللحظات التي أعقبت الانفجار، بل استمر طوال الأسابيع الماضية، وستستمر لفترة أطول، ولم تتوقف أضرارها عند حد البيوت المتصدّعة والمتضرّرة، بل أصابت حالة السِلم المؤقتة التي حظيت بها المنطقة خلال السنوات التي أعقبت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١. لتعيد فتح كافة الاحتمالات من جديد، وطرح كل المصائر على سكان المنطقة البالغ عددهم نحو ٣٠٠٠ أسرة.

فعقب تفجير القنصلية الإيطالية، اشتكى عدد من الأهالي من الضرر الذي وقع بمنازلهم جراء الانفجار، وأن المسؤولين الحكوميين صبوا اهتمامهم على المبنى التابع للبعثة الدبلوماسية الإيطالية ولم يعيروا السكان اهتمامًا. ولكن في اليوم التالي بدأت زيارات مسؤولي حي بولاق ومحافظة القاهرة لمثلث ماسبيرو، وعلى الفور بدأت التصريحات الحكومية أن ١٤ منزلا قد تضررت من الانفجار، وأن ٨ منها تحتاج إلى إزالة فضلًا عن ٦ منازل أخرى تحتاج إلى إعادة تأهيل وتخفيف أحمال بإزالة عدد من الطوابق، بحسب تصريحات محافظ القاهرة جلال السعيد لقناة «سي بي سي إكسترا». وأضاف السعيد وقتها أن المحافظة تعمل على توفير وحدات سكنية بديلة أو تعويضات مالية للمضارين بحسب رغبتهم.

تصريحات المسؤولين الحكوميين أثارت الخوف والارتباك لدى الأهالي. فالخروج من المنطقة ليس أمرًا مأمونًا بالنسبة لهم، خاصة مع صدور قرار من المجلس الأعلى للتخطيط العمراني ومحافظ القاهرة، في ٢٤ يناير الماضي، باعتبار مثلث ماسبيرو منطقة إعادة تخطيط، مما قد يجعل الخروج من المنطقة مخاطرة قد تطيح بحق الخارجين في إعادة توطينهم بعد الانتهاء من مشروع التطوير.

يقول أحمد زعزع، أحد المعماريين الذين عملوا على مشروع تطوير “مثلث ماسبيرو” التشاركي، أنه عقب زيارة مسؤولي المحافظة والحي للمنطقة، زارتها وزيرة التطوير الحضري والعشوائيات ليلى اسكندر، وطلبت أحد المهندسين الاستشاريين لمعاينة المباني المتضررة، والذي أكد بدوره أن المنازل تحتاج إلى ترميم فقط، وأن منزل واحد هو الذي يستوجب هدمه.

التضارب بين تقريري الوزارة والمحافظة دفع رئيس مجلس الوزراء إبراهيم محلب، إلى الاستعانة بالرأي الفني لشركة «المقاولون العرب» والذي أكد في البداية أن المنازل تحتاج إلى ترميم فقط. وبالفعل بدأت الشركة في أعمال الترميم، التي تركزت في شارع زهر الجمّال الملاصق لمبنى القنصلية.

لاحقًا، زادت أعداد المنازل التي تحتاج إلى ترميم من ١٤ إلى ٥٥ بحسب تصريحات مسؤولين بمحافظة القاهرة لصحيفة «الشروق»، ويقوم بأعمال الترميم تلك شركة «المقاولون العرب». يقول زعزع في هذا الشأن، أنه والأهالي فوجئوا بتكليف شركة أخرى هي «فهيمكو لأعمال المقاولات» بإزالة ١٠ منازل يُصرّ الحيّ أنها تحتاج لإزالة.

يتساءل زعزع عن سبب إصرار المحافظة على هدم المنازل العشرة والتي بدأت شركة «المقاولون العرب» في أعمال ترميمها، كما يتسائل عن جدوى أعمال الطلاء وإصلاح الواجهات التي تقوم بها شركة «المقاولون العرب»، خاصة أن المنطقة ستخضع خلال شهور إلى أعمال التطوير وبالتالي سيتم تغيير هذه الواجهات، وبعض المنازل ستخضع لتغيرات شاملة، وقد يُهدم بعضها.

يضيف زعزع أنه اصطحب مهندس استشاري من وزارة تطوير العشوائيات، وقاموا بزيارة عدد من المنازل الصادر قرار بإزالتها، وكان بصحبتهم أحد مهندسي «المقاولون العرب» وأكد ثلاثتهم  أن بعض هذه المنازل بحالة جيدة، وربما تحتاج إلى بعض الترميمات، ورأوا أنه من غير المفهوم الإصرار على هدمها.

زيارة «مدى مصر» لمثلث ماسبيرو كشفت حجم التوتر وعدم اليقين الذي يعيشه الأهالي. فور دخول شارع زهر الجمّال لاحظنا على الفور “سقالات” البناء المنصوبة أمام المنازل الجاري ترميمها، وحركة العمال التابعين لشركة المقاولون العرب بين المنازل، وعلى المقهى الذي يتصدر الشارع جلس عدد من موظفي حي بولاق.

أحد المساكن التي جرى طلاء واجهتها في مثلث ماسبيرو

أحد المساكن التي جرى طلاء واجهتها في مثلث ماسبيرو ضمن أعمال الترميم

تحدث «مدى مصر» مع تامر محمود، أحد أعضاء رابطة أهالي مثلث ماسبيرو للدفاع عن الأرض والسكن، التي تأسست عام ٢٠٠٨. على الفور بدأ محمود في التحرك بين المنازل الجاري ترميمها مشيرا إلى الأعمال التي تجريها شركة المقاولون العرب، واصفًا إياها بأنها تقتصر على طلاء واجهات المنازل وإصلاح بعض الشبابيك والنوافذ الخارجية، دون القيام بأي أعمال متعلقة بأساسات المنازل أو الحجرات والحوائط الداخلية.

دخل «مدى مصر» أحد المنازل الجاري ترميمها، وكان واضحًا اقتصار تلك الأعمال على الواجهة الخارجية، وهو ما أكدته السيدة عايدة، التي تقطن ذلك المنزل مع أسرتها، قائلة إنها طلبت من المهندس المشرف على العمال أن يمتد عملهم إلى الجدران المتضررة داخل المنزل، إلا أنه أجابها أنه يتلقى أوامره في النهاية من موظفي الحي، وعليها أن تطلب ذلك منهم أولًا ليكلفوه هم بذلك لاحقًا، بحسب روايتها.

بدت عايدة مثلها مثل الكثيرين من الأهالي في المنطقة، حائرة في مدى خطورة التشققات الظاهرة في منزلها، وتخشى أن تقتصر أعمال الترميمات على المظهر الخارجي للمنازل فحسب، دون إصلاح حقيقي للبيوت.

أحد المنازل في مثلث ماسبيرو

أحد المنازل في مثلث ماسبيرو التي تشهد ترميمات من الخارج فقط

الشك في مدى جدية ما يقوم به موظفو الحي وعمال شركة المقاولون العرب له أسباب عديدة، من بينها أن الأعمال اقتصرت على المنازل في شارع زهر الجمّال دون غيرها، حتى الآن. وهو ما أكدته جولة «مدى مصر» في المكان، والحديث مع عدد من الأهالي الذين أكدوا تضرر منازلهم غير أن مسؤولي الحي لم يهتموا، حتى الآن، بالمنازل في الشوارع الداخلية بمنطقة ماسبيرو.

في عطفة عفيفي المتفرعة من حارة الأرمنطي، استوقفنا سيد عطية، وهو رجل في الخمسينات من عمره، وطلب أن ندخل منزله لمعاينة أثر الانفجار على المكان، الذي بدت بعض حجراته مُهدّمة بالفعل. وأكد عطية أنه تحدث إلى مسؤولي الحي المتواجدين بمدخل المنطقة، وزار بعضهم بيته بالفعل ووعدوه أنهم سيأتون إليه مرة أخرى لتحديد ما يجب عمله لترميم البيت، غير أنهم لم يحضروا، بحسب روايته.

قصة عطية الذي تظهر التشققات واضحة بمنزله، والذي لم يدخل ضمن الحصر الأولي لأعمال الترميمات، متكررة بشكل ملحوظ في الشوارع الداخلية لمنطقة ماسبيرو، دون يقين من الأهالي تجاه مدى خطورة هذه الشقوق والتصدعات. لاحقا، أثناء جولة «مدى مصر» بالمكان ظهر محمد عبد الوهاب، سكرتير رئيس حي بولاق أثناء تحركه مع عدد من الموظفين للوقوف على حالة باقي المنازل التي لم يشملها الحصر. وعند سؤاله عن عدد المنازل التي تحتاج إلى ترميم قال إنهم ما زلوا يقومون بحصر المنازل وتقييم حالتها، وتحديد أيها يحتاج إلى إزالة وأيها يحتاج إلى الإصلاح فقط. وعند سؤاله عن الخطوات التي سيتم اتخاذها مع سكان البيوت التي ستُهدم، قال إنهم لم يتخذوا أي قرارات بعد، وما زال الأمر قيد الدراسة.

أحد المنازل في مثلث ماسبيرو

أحد المنازل في مثلث ماسبيرو التي تضررت من تفجير القنصلية الإيطالية ولم تدخل ضمن أعمال الترميم

يتعارض ما قاله سكرتير رئيس الحي مع ما أخبرنا به عدد من أهالي المنطقة. فقد وصلت بالفعل إخطارات إزالة لعدد من السكان تطالبهم بإخلاء منازلهم دون منحهم أي ضمانات للرجوع إليها عقب إعادة بناءها، ودون توفير وحدات سكنية بديلة أو تعويضات مالية.

قالت السيدة آمال محمد أحمد، إنها تلقت صباح اليوم إخطارًا بإزالة منزلها، بشارع الأرمنطي، غير أنها رفضت استلامه من موظفي الحيّ خوفًا من عدم تمكنها من الرجوع إليه لاحقًا. ولعدم تأكدهم من حالة البيت، انتقلت الأسر الثلاثة التي تعيش بذلك المنزل إلى منازل أقاربهم في المنطقة نفسها.

وفقا لعقد إيجار الأرض المقام عليها منزل آمال، فإن الأرض مُستأجرة منذ سنة ١٩٦٣، وتقيم أسرتها في ذلك المنزل منذ وقتها. ويرجع وجود عدد من أسر مثلث ماسبيرو إلى أربعة أجيال.

السيدة أمال محمد أحد سكان مثلث ماسبيرو

السيدة أمال محمد أحد سكان مثلث ماسبيرو داخل منزلها الصادر ضده قرار بالإزالة

المنزل المقابل لمنزل آمال صدر له قرار بالإزالة أيضا، وتسلم القرار محمد عاطف، صاحب محل تجاري بالدور الأرضي، ونجل صاحب البيت. يقول عاطف إنه لم يتمكن من الحصول على نسخة من القرار الذي وقّع عليه، وفشلت محاولاته أن يستعلم من موظفي الحيّ عن البدائل أو التعويضات المتاحة لهم.

أضطر سكان المنزل المجاور لبيت عاطف، في حارة الأرمنطي أيضًا، إلى مغادرته بعد بدء ترميمه. يقول عبد الحليم مصطفى، سائق وأحد سكان المنزل، أنهم يسكنون في هذا البيت منذ ٨٠ عامًا، وعقب التفجير كانت هناك بعض الشقوق التي اتسعت جراء الموجة الانفجارية، وبعد معاينة الحيّ للمنزل أقروا أنه يحتاج إلى ترميم، غير أنه أثناء نصب “السقالات” تعرض المبنى لضرر أكبر، أدى إلى صدور قرار بهدمه، بحسب رواية مصطفى.

في كل مرة يتحدث فيها «مدى مصر» مع أحد السكان، يظهر الشك واضحًا في نوايا محافظة القاهرة، والخوف من هاجس إخراجهم من المنطقة بحجة احتياج المنازل إلى الترميم أو الإزالة دون إعادتهم مرة أخرى. وفي الوقت ذاته، يعرب الأهالي عن رغبتهم في البقاء بالمكان وتمسّكهم بمشروع التطوير الذي شاركوا في وضعه مع عدد من المعماريين المستقلين، والذي وافقت على تنفيذه وزارة تطوير العشوائيات ووعدت بعدم إخراج الأهالي من مساكنهم. يظهر في كل حديث ذلك الخوف الدائم من مشاريع قديمة لإجلاء السكان من ذلك المثلث وتحويله إلى ما يُراد به أن يكون “مانهاتن القاهرة”، بأبراجها الإدارية العالية وفنادقها وأسواقها التجارية الفخمة، دون وجود للأهالي.

اعلان