Define your generation here. Generation What

معركة الاتصالات في مصر

خطاب يرسله النواب التنفيذيون للشركة المصرية للاتصالات إلى الرأي العام، يتهمون فيه وزير الاتصالات بتغليب مصالح شركات الإنترنت الخاصة على مصلحة “الشركة الوطنية” التي يعملون بها، بيان من مجلس إدارة الشركة يستنكر فيه “لجوء بعض القيادات الوسيطة إلى مخاطبة وزير الاتصالات عبر وسائل الإعلام”، واصفًا إياه بـ”التصرف غير المسؤول”، وزير الاتصالات يحيل الموقعين على الخطاب إلى التحقيق، تسريب لرواتب الموقعين تتداوله مواقع التواصل الاجتماعي.

تعدى الأمر القدرة على توصيفه كصراع داخلي بين رؤساء قطاعات تمت الإطاحة بزميل لهم مؤخرًا، ووزير قام بتغيير مجلس إدارة الشركة منذ أقل من شهر، ليكون فصلًا جديدًا من معركة مستمرة على سوق الاتصالات في مصر.

وككل معركة، يلزمنا فهم ساحتها وأطرافها.

تنقسم سوق الاتصالات في مصر بين أكثر من لاعب، ويختلف اللاعبون وقوتهم بحسب قطاعات الاتصالات المختلفة.

تنقسم سوق المحمول بين ثلاثة لاعبين: فودافون واتصالات وموبينيل، فبحسب تقرير وزارة الاتصالات لعام 2014، تبلغ نسبة فودافون نحو 42% من السوق المصرية، تليها موبينيل بحوالي 35%، ثم اتصالات بنسبة 23%. يجدر الإشارة إلى أن الشركة المصرية للاتصالات تملك نحو 45% من أسهم شركة فودافون.

أما بالنسبة للتليفون الأرضي؛ فتستأثر المصرية للاتصالات بكامل البنية التحتية ومستخدمي التليفون الأرضي نظرًا لوضعها القانوني المميز؛ حيث يعطي قانون الاتصالات الحق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات “أن يقصر على الشركة (المصرية للاتصالات) أداء بعض الأنشطة والخدمات الأخرى التي تنفرد بالقيام بها”، ويعدد القانون تلك الأنشطة والخدمات في “إنشاء وتشغيل واستغلال شبكات التراسل الدولية بين مصر وأية دولة أخرى من خلال المعابر الدولية، بواسطة الكابلات البحرية والأرضية ووصلات الميكروويف والأقمار الصناعية للخدمات الثابتة وتمرير المكالمات التليفونية الدولية وتقديم خدمات الهاتف والفاكس والتلكس والتلغراف التي تتم عبر هذه الشبكات”. هذا يعني أنه بالإضافة إلى خدمات الهاتف الأرضي، تملك المصرية للاتصالات الحق الحصري في إنشاء وإدارة البنية التحتية للإنترنت. ولاشتراط القانون عدم احتكارها للخدمات التي تنفرد بها, تسمح المصرية للاتصالات لشركات الإنترنت الأخرى- التابعة لمقدمي خدمات المحمول- بالنفاد إلى البنية التحتية للإنترنت من خلال تعاقدات وقيمة إيجارية يتم تحديدها سنويًا. أدى هذا الوضع القانوني المميز إلى استحواذ “تي إي داتا” التابعة للمصرية للاتصالات على 67.3% من مشتركي الإنترنت، في حين تتوزع النسبة الباقية بين “لينك دوت نت” التابعة لشركة موبينيل بواقع 21.6% من مشتركي الإنترنت في مصر، و”فودافون إنترنت” بنسبة 6.8%، و”اتصالات إنترنت” بنسبة 3.1%.

وبذلك تكون المصرية للاتصالات اللاعب التجاري الأكبر في سوق الاتصالات المصرية؛ حيث تستحوذ على كامل خدمات التليفون الأرضي، وأساس البنية التحتية للإنترنت مع أكبر نسبة من المستخدمين، كما تملك نسبة كبيرة من أسهم فودافون، الشركة صاحبة الحصة السوقية الأكبر في سوق المحمول.

تأتي الدولة كأحد أهم اللاعبين في سوق الاتصالات، فبخلاف امتلاكها لنسبة80% من أسهم الشركة المصرية للاتصالات، تلعب الحكومة دورًا كبيرًا في تنظيم قطاع الاتصالات؛ حيث يقوم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات– الغالب على تشكيله ممثلين لوزارات وأجهزة الأمن القومي- بإصدار تراخيص عمل شركات المحمول والإنترنت، ويقوم بالموافقة على خطط الأسعار، كما يملك وزير الاتصالات الحق في تحديد أسعار الخدمات بالتنسيق مع جهاز تنظيم الاتصالات. ويقوم الوزير باختيار مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات.

ومع تعيين خالد نجم وزيرًا للاتصالات، بدأت سلسلة الأحداث التي أدت إلى الخطاب الأخير.

 قام الوزير الجديد بتحديد أولوياته والمتمثلة في خفض أسعار الإنترنت الثابت، الأمر الذي أدى إلى احتدام الجدل بين شركات الإنترنت من جهة، والمصرية للاتصالات من جهة أخرى؛ حيث طالبت شركات الإنترنت- التابعة لشركات المحمول- بتخفيض القيمة الإيجارية للبنية التحتية التي تم التعاقد عليها مع المصرية للاتصالات نظير تخفيض أسعار الإنترنت للمشتركين، الأمر الذي رفضته الشركة المصرية للاتصالات، والتي أبدت استعدادها لتخفيض أسعار اشتراكات مستخدميها من جانبها، وترتب على ذلك عدم إرسال شركات الإنترنت الخاصة لخطط الأسعار الجديدة التي طالبهم بها الوزير.

ومع قيام صفحة “ثورة الإنترنت”، التي طالبت منذ نشأتها بتخفيض أسعار سرعات الإنترنت، بالدعوة لمقاطعة شركات المحمول، قام الوزير بإعفاء أحد نواب رئيس مجلس إدارة الشركة من منصبه، والذي كان قد تردد عنه معارضته لمطالب خفض القيمة الإيجارية للشركات. ومع عدم تحمس شركات الإنترنت لتخفيض الأسعار بناءً على شروط المصرية للاتصالات، لوح الوزير باعتماده على قيام المصرية للاتصالات بتخفيضها لأسعار الإنترنت منفردة.

ولكن المعركة على الاتصالات لم تبدأ برغبة الوزير في خفض أسعار الإنترنت للمستخدمين.

من الممكن نسبة بدايات المعركة إلى ما قبل الوزير الحالي، عندما أبدت الشركة المصرية للاتصالات رغبتها في دخول سوق اتصالات المحمول عبر الحصول على رخصة تشغيل خدمات المحمول من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والمعروفة بـ”الرخصة الرابعة”، الأمر الذي أدى إلى احتجاج شركات تقديم خدمات المحمول الثلاث– فودافون واتصالات وموبينيل- نظرًا لما قد يشكله هذا من انخفاض لأرباحها مع عدم وجود بديل لتلك الشركات يمكنها من إنشاء شبكات اتصالات أرضية تنافس بها الشركة المصرية للاتصالات في تقديم خدمات التليفون الأرضي والإنترنت.

قامت الحكومة إثر ذلك بتقديم حزمة من المقترحات، تمثلت في طرح تصور لرخصة موحدة يصدرها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، تعطي هذه الرخصة الحق لمشغلي خدمات الاتصالات بتقديم جميع الخدمات من تليفون أرضي، ومحمول، وإنترنت؛ ما يفتح الباب أمام المصرية للاتصالات لدخول سوق المحمول، مع تمكين شركات المحمول من تقديم خدمات التليفون الأرضي والإنترنت عن طريق وضع الحكومة لتصور جديد لملكية البنية التحتية للاتصالات، يتلخص هذا التصور في إنشاء كيان جديد تؤول إليه ملكية البنية التحتية من المصرية للاتصالات، وتتشارك الدولة وشركات الاتصالات في ملكيته، وتم تقسيم الملكية في أحد التصورات بواقع 30% لوزارة الدفاع، و30% مقسمة بين وزارات الاتصالات والكهرباء والمالية والنقل، و5.5% لصالح المصرية للاتصالات، و11.5% لكل من شركات المحمول الثلاث, الأمر الذي اعترضت عليه المصرية للاتصالات واشترطت تساوي نسب المساهمين.

وفي بيان له، ربط الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بين طرح الرخصة الموحدة وإنشاء الكيان الجديد المالك للبنية التحتية للاتصالات, والذي لم يتم الاتفاق على طبيعة تشكيله حتى تاريخه.

تعبر هذه الأحداث بامتياز عن تغير كبير منتظر في بنية قطاع الاتصالات في مصر. هذا التغير- غير واضح المعالم- اكتسب مع خطاب النواب التنفيذيين للمصرية للاتصالات بعدًا جديدًا.

فلأول مرة يتم استدعاء الرأي العام صراحة في صراع اتسم منذ بداياته بتفاهمات الغرف المغلقة؛ حيث لم تقم اللجنة التأسيسية للكيان الموحد، والمشكلة من وزارات الاتصالات والدفاع والنقل والكهرباء، بإصدار أي بيان عن أعمالها. ولم تتعد تصريحات وزير الاتصالات السابق كونها تعبيرًا عن موقف وزارته، وانتشرت في الصحف أخبار مجهلة المصادر عن تصورات للكيان الجديد تتبنى وجهة النظر هذه أو تلك.

ومع قلة المعلومات وندرتها، يبقى استدعاء الرأي العام منقوصًا، وربما يهدف لتغليب كفة أحد أطراف الصراع على حساب الآخرين.

اعلان
 
 
محمود البنهاوي