Define your generation here. Generation What

لماذا ينتصر العسكر وينهزم الآخرون

لماذا يزداد العسكريون انتصارا؟

مثل الحيلة السينمائية الشهيرة، التي تُفرع الحاضر لعدة مسارات زمنية ممكنة، يمكننا القول أننا اختبرنا في وقت ما المسار الزمني الأكثر تفاؤلًا، ثم اختبرنا المسار الزمني الأكثر ظلمة، لكن وعلى عكس منطق الحيلة السينمائية، لم تكن تلك المسارات -في رأيي- بنت الصدفة تمامًا.

المسار الزمني الذي أخطأوا فيه كل شيء

كان لنا مسارنا الزمني، المهييء لانتصارنا. حلولنا كانت أكثر نجاعة وجرأة، وأكثر تناسبًا مع المشكلات المطروحة. لم تنهزم الديكتاتوريات العربية في مقتبل الربيع العربي بسهولة، لأنها كانت شديدة الضعف، ولكنها جوبهت بأشياء جديدة، لم تتعود على الاستجابة لها. كانت القوى الأخرى أسرع حركة منها وأشد وعيًا بمتطلبات المعركة. أكثر منها مرونة، وأصعب على الانكسار. كان ذلك المسار هو المسار الذي كانت فيه اختياراتنا في مجملها أكثر ذكاءً من خياراتهم، وكانوا من الكهولة والبطء بشكل لم يساعدهم على الاستمرار في المعركة لمدة أطول.

لكن الاختيارات الذكية هذه لم تحدث لتدخل ميتافيزيقي ما، أو لمتوالية حظ عجيبة؛ كانت بنت أفق فكري تم تشييده خلال سنوات طويلة، ونتيجة لإجابات واضحة على أسئلة السياسة. كانت إجابات الربيع العربي في مجملها بسيطة: الديموقراطية، والتنوع، ومحاربة الفساد. وشكلت الإجابات لبساطتها الحد الأدنى من التوافق المطلوب للتجمهر حولها، رغم الاختلافات.

ما أجادل من أجله هو أن الرهان الأولي للمعركة، والذي يشكل حدودها، يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في نتيجة الصراع. ذلك الرهان هو الذي يسهل على طرف معين أن ينتصر في متواليات المعركة، بينما يُصعّب ذلك جدًا على الجانب الآخر، الذي يظل يفكر في أخطائه التكتيكية، دون أن يرى السبب الذي دفعه ليخطئ كل هذه المرات.

يمكن للمنتمين لنظام حسني مبارك بعد الثورة في 2011 أن يندبوا خياراتهم قبل الثورة بقليل أو أثناءها؛ أن يفكروا في إمكانات أخرى كانت في أيديهم ولكنهم غضوا النظر عنها: ماذا لو لم يحدث التزوير في آخر انتخابات لمجلس الشعب بهذه الفجاجة؟ ماذا لو تم احتواء بعض الأطراف السياسية في معادلة الحكم بدلًا من محاربة الجميع؟ ماذا لو اختلف التعامل الأمنى مع المظاهرات؟ عنف أكثر؟ أو عنف أقل؟ ماذا لو اختلفت الخطابات الرئاسية عن ما حدث؟ ماذا لو كانوا قدموا حلولًا أكثر مراوغة لا يمكن رفضها ببساطة؟ ماذا لو ماطلوا قليلا؟

كان ذلك مسارهم الزمني الذي أخطأوا فيه كل شيء، لكن الخطأ في كل الخيارات لا يكون لغباء فادح. الأخطاء التكتيكية المتتالية تكون بنت رهان بسيط، لم يعد صالحا للتعامل مع الأشياء. ورغم أن النظام لم يكن مغيبًا تمامًا عن الحدس بأن شيئًا جديدًا يحدث، ويجب أن يستجيب له بشكل مختلف، فإنه أخطأ في معرفة ماهية هذا الشيء الجديد، وكيف يستجيب له.

بدوره، ومنذ بداية تنحي مبارك وانتقال السلطة إليه، خاض المجلس العسكري العديد من الصراعات مع قوى الثورة، ولم يفز في أي منها، خاضت المنابر الإعلامية المحسوبة على نظام مبارك، معارك مستمرة لخلق صورة سلبية عن الحركات السياسية المشتركة في الثورة، ولم تنتصر فيها. حصلت مواجهات عديدة، اضطر المجلس العسكري في أغلبها للرضوخ لمطالب المنتمين للثورة. لم نكن أقوياء تمامًا، لكنه كان عالمنا الذي نستطيع فيه بسهولة إحراز الانتصارات. كانت المعادلة التي يتم اللعب على أساسها هي معادلة “انتقال ديموقراطي” و”ربيع عربي” وفتح المجال العام، معادلة تتيح لنا مساحة كبيرة للفعل وللمناورة ولتدارك الهزائم، بينما لا تتيح للعسكر سوى الوقوع في الأخطاء، المرة تلو الأخرى، ثم التراجع عنها بعد تقديم التنازلات.

رهانات الحد الأقصى من الطموح

كانت انتصاراتنا السهلة تلك، خادعة لنا وللآخرين. ظننا أنفسنا أقوى من واقعنا، وهكذا ظن الآخرون. وهو ما جعل كل الأطراف التي اشتركت في الحراك المعارض لمبارك ثم في الانتفاض عليه، ترفع سقف طموحاتها الأيديولوجية وبالتالي تجذر خطاباتها أكثر وأكثر. الإسلاميون بتنوعاتهم صاروا أكثر راديكالية، يريدون دولة إسلامية لا يعرفون بالضبط ماهيتها، ويخوضون معاركهم الرئيسية ضد العلمانيين، ويضطرون الآخرين للمضي معهم في ذلك السياق. الاستقطاب الإسلامي/العلماني، لم يكن خطأً تماما، كان للجميع أن يدافعوا عما يؤمنون به في حده الأقصى؛ كان ذلك بالأساس هو معنى الثورة، لكنه كان في تجذره السريع، ليزيح اللثام عن هشاشة انتصارها المخادع.

كحدس مبكر بالكارثة، حصلت العديد من المحاولات التوافقية للخروج بحلول وسط، وفشلت كلها. وبوصول مرسي، المرشح الإخواني الصرف، للحكم، كان محتما على الاستقطاب أن يستمر في التصاعد، ومعه تتم صناعة معسكرات جديدة، ويتم تجذيرها بالوقت عن طريق المشاحنات الإعلامية أو الاشتباكات الجسدية المتتالية في العديد من الأحداث. وفي كل ذلك كان الإخوان مصممين على إحراز انتصار ملحمي على الجميع، دون الاستعانة بأي أحد، دون احتواء أي أحد، سوى أطياف الإسلاميين الأكثر يمينية منهم. وفي خضم ذلك تشكلت رهانات عالية الطموح الأيديولوجي، هي أنه على أحد طرفي الاستقطاب، أن ينجح تماما في هزيمة الآخر، مرة واحدة وللأبد.

فشل الإخوان في المهمة التي طرحتها الثورة المصرية- إدارة المجتمع لخلافاته بشكل ديموقراطي- برفضهم لأي توافق، ثم فشلوا في المهمة التي اختارتهم الجماهير على أساسها: الإصلاح بهدوء واحتواء زخم الشارع وفرض الاستقرار، وهي نفس المهمة التي تحالفت معهم على أساسها بعض أجنحة الدولة، وتسامحت معهم على أساسها أيضا بعض القوى الدولية، لم ينجح الإخوان في أي من ذلك، وانجرّوا لفرض مهمة أخرى على أنفسهم، أثبتت الأحداث أنهم لم يكونوا مهيئين لها بأي درجة.

بتصاعد الاستقطاب والفشل التام في رسم حدود للصراع، أصبح الصراع يشمل كل شئ، والانتصار الكامل فيه هو خطة كل طرف، لم يقف أحد ليتساءل كيف يمكن لطرفه أن ينتصر بشكل كامل؟

الإسلاميون الذي أخذتهم هيستيريا الانتصار الانتخابي، وظنوا أنهم سيطروا على كل شئ، لم يتوقفوا لحظة ليعرفوا حقيقة أنهم لا يملكون أي شئ في أيديهم؛ لم يعرفوا حدود اللعبة التي أدخلوا أنفسهم فيها. والعلمانيون الذين أخذت بعض أجنحتهم مع الوقت تميل إلى استدعاء الجيش لعزل محمد مرسي، لم يفكروا في  تداعيات ذلك.

كانت هناك مهمة جديدة يتم طرحها على كل الأطراف، وهي كيفية ازاحة الآخر تماما، وهزيمته بالضربة القاضية. واستجابة لتلك المهمة، ومع الوقت، كانت أدوار العقلانيين، في كل طرف، تقل تدريجيا. من موقعهم الخطابي الديموقراطي لم يكن لديهم أي شئ ليقدموه في المعركة الجديدة، التي صعد على إثرها مجانين كل طرف إلى المسرح. أكثر الإسلاميين يمينية وغباءا أصبحوا هم المتحدثين شبه الرسميين باسم جل الإسلاميين، وأكثر العلمانيين يمينية وناصرية، أصبحوا هم من يقفون في وجههم.

المعركة الجديدة  كانت تخلق فرسانها، ولا يعني ذلك أن هذه الأجنحة العقلانية لم تكن موجودة في المشهد، كانت موجودة ولكن تحت إمرة الآخرين، بدون حلول خاصة بها، وتحت إرهاب فكري ومزايدات مستمرة ممن حولها حول ميوعتها. ورغم كل الزخم الذي خلقته الأجنحة الراديكالية في كل طرف، إلا أنها بعد كل ذلك الضجيج لم تكن تمتلك صيغة لانتصارها الخاص.

سقوط حر

مع الوقت، أصبحت المعسكرات أكثر وضوحا. اضطرت الأطراف في الوسط بين كلا المعسكرين أن تحسم اختيارها داخل أحدهما. لكن أحد الطرفين كانت تقل شعبيته نتيجة لوجوده في خانة السلطة، ونتيجة لأنه أساء تحليل انتصاراته الانتخابية التي كانت في أغلبها نتيجة لرهان الجماهير على قدرته على الدخول بالبلد إلى حالة أكثر استقرارا وهدوءا. اعتبر الإخوان انتصاراتهم دليلا على وقوف الجماهير معهم في تصعيدهم ضد الآخرين، بدون الوعي بمعنى حصولهم على نصف أصوات الشعب فقط في مواجهة أحد جنرالات الثورة المضادة، ومدفوعين بحماسة الأجنحة الأكثر يمينية للإسلاميين؛ ظلوا يصعدون خطاباتهم ضد كل شئ، حتى انتهى بهم الأمر في مواجهة أكبر حشد شعبي خرج للتظاهر في تاريخ البلد.

بعد المظاهرات الحاشدة في 30 يونيو 2013، يمكننا تشبيه وضع التيارات السياسية كلها بأنها أصبحت في حالة سقوط حر؛ ليس هناك قدرة لدى أي أحد أن يتخذ أي موقف يمكنه فيه أن يبطئ السقوط، أن يتعلق بحبل هنا أو هناك. استسلم الجميع لحالة سريان الأمور كما هي. حتى الإخوان، الذين كانوا يملكون الكثير من الأوراق التي يمكنهم لعبها أوعمل مناورات سياسية، لم يفعلوا أي شئ؛ راهنوا على أن سير الأمور كما هي سيكون في صالحهم، بينما انزوت التيارات الأخرى تحت عباءة العسكر، ولم تعد تملك من حينها أي رهان سياسي آخر. يمكننا القول إنه منذ 4 يوليو 2013 لم يتخذ أي تيار سياسي، إسلامي أو علماني، أي موقف فيه مناورة لإرباك موقف العسكر السياسي. لقد لعب الجميع بالقواعد التي على أساسها ظل العسكر يحرزون الانتصارات.

المسار الزمني الذي أخطأنا فيه كل شئ

كان لنا مسارنا الزمني الذي أخطأنا فيه كل شئ، والذي فعلوا فيه كل الأشياء الصحيحة. كانت كل خطواتهم ذكية وأكثر مرونة، بينما كانت خياراتنا بطيئة وثقيلة، ويتم خداعنا  بسهولة. لم نكن أغبياء تماما؛ انطلقنا من رهان جديد لم يمكننا مهما حاولنا أن ننتصر فيه. كانت اللعبة الجديدة مصممة في الأصل لهزيمتنا. بينما كان العسكر يسيرون في مسار زمني يوتوبي تماما بالنسبة لهم؛ المسار الزمني الذي فعلوا فيه كل شئ بشكل سليم، وتجاوزوا كل الفخاخ التي كان من شأنها أن تقلل من درجة انتصارهم.

إذا انجرفنا لتحليل التصرفات التكتيكية للأطراف المختلفة منذ ازاحة الجيش للإخوان من السلطة، سيكون الطرف الوحيد الذي ظلت كل حركاته موفقة تماما وذكية وفي وقتها هو طرف الجيش. وكل تصرفات الأطراف الأخرى ليست إلا سلسلة من الأخطاء المتتالية.

في الوقت الذي لم يعرف فيه الإخوان كيف يخلقون معسكرا متنوعا ضد المعسكر المساند لإزاحتهم من السلطة، وظلوا يحاربون الجميع بدونكيشوتية مثيرة للرثاء، وفي الوقت الذي كان العلمانيون فيه يصطفون مع الجيش أملا في مكاسب سريعة  من أجلهم، ويغضون الطرف بشكل متتالٍ عن القمع الآخذ بالتصاعد أملا في انتصار سريع ونهائي على الإسلاميين لمصلحتهم، كان الجيش هو الطرف الأكثر قدرة على المناورة، وعلى وضع اللاعبين حيث يريد هو، وعلى رسم خطوط حمراء لا يمكن للآخرين تجاوزها. عرف كيف يحكم حصاره على الإخوان، بدمج الأطراف الأخرى، علمانيين وسلفيين، في مشهد السلطة، لكن دون أن يكون لهم أي تأثير، وعرف كيف يجعل شركاءه هؤلاء يشعرون بإنجازات ذاتية متوهمة في ملفات مثل تعديل الدستور، ثم عندما انتهت مهمتهم المشهدية، عرف كيف يقمعهم بسرعة ويرسم لهم خطوطا لا يسمح لهم بعبورها، ثم أخيرا في الاستغناء الكامل عنهم، وطردهم من الحكومة مصحوبين بلعنات الإعلاميين الأمنيين.

أكثر من ذلك، عرف العسكر ما هي التنازلات التي لا يمكن تقديمها أبدا. مثلا كان يمكن لانتخابات برلمانية مبكرة قبل الرئاسة أن تخلق أطرافا سياسية تجبر الرئيس العسكري على التفاوض معها، لكنهم لم يسقطوا في هذا الفخ. وكان يمكن للعسكر أيضا أن يكتفوا بدستور يحصن وزير الدفاع لدورتين رئاسيتين ولا يرشحوا أحدا منهم، وكانت تلك الخطوة أيضا لتكون خطأ تكتيكيا فادحا ربما يفقدون على إثره كل شئ، عندما يجدون أنفسهم مع الوقت أمام رئيس مدني، مهما كان منعدم القيمة، يفقدون ميزة أنهم يمتلكون “منقذ الأمة”، ليصبحوا حينها مجرد “مجلس عسكري” متحكم في القرارات .

كل هذه النجاحات التكتيكية المبهرة للجيش، في رأيي، ليست وليدة ذكاء تخطيطي هائل؛ هي بشكل أساسي وليدة الرهان السياسي الذي كان مطروحا في الساحة -إزاحة الإخوان من المجال العام تماما- وكانوا هم الوحيدين الذين يقدرون على الاستجابة له، وعلى التعامل بمرونة مع تداعياته.

لماذا ينتصر العسكر وينهزم الآخرون ؟

لم يكن مكتوبا علينا أن نصل إلى ما وصلنا إليه، صحيح. لم تكن مآلات الحدث الكبير 30 يونيو منذ سنتين، هو الوصول لهذا الحاضر بنفس درجة قتامته؛ لكن برأيي أن الوصول للحظة 30 يونيو ثم 3 يوليو، كان يحمل داخله مآلاته وإن لم يكن بالضرورة بنفس درجات مأسويتها.

حين يراجع العلمانيون الآن مواقفهم من مساندتهم للجيش للاطاحة بالإخوان، يميل الكثيرون لرؤية أن الأخطاء التي وقع بها التيار كانت في مجملها أخطاء تكتيكية، كان يمكن تجبنها ببعض الحكمة والحنكة السياسية. ما أجادل من أجله هو العكس تماما: أن كل حدث كبير يخلق معه خارطة جديدة، يمكن لأطراف معينة أن تتصارع على مركزها، بينما يكتب على البقية أن يظلوا يصرخون بمظلومياتهم في الهوامش .

ببساطة، كانت المعادلة التي تشترط إخراج أكبر جماعات الإسلام السياسي ليس فقط من السلطة، بل من السياسة، معادلة مصممة لانتصار العسكر. صحيح أن التداعيات لم تكن كلها واضحة من أول لحظة، لكن كان يمكن ببساطة الحدس بها: الإخوان سيستمرون بالمقاومة، سيتعرضون للمذابح، مع الوقت تبدأ الأطراف الأخرى بمراجعة موقفها من سلطة العسكر، وكل فترة تزداد معارضة النظام، لكن متأخرا جدا بحيث لا يكون لانضمامها أي تأثير، في نفس الوقت الذي يزداد الإخوان فيه تطرفا وهيستيريا ويمنعم تطرفهم من الاستفادة بوجود الكثيرين ممن أصبحوا يعارضون السلطة، ليظل الإخوان يحاربون منفردين ويخبطون رؤسهم بالجدران. السلطة من جهتها ستتخلص كل فترة من بعض الأطراف التي اشتركت معها في الانقلاب، وأنهت دورها المشهدي “الجميع يؤيد الانقلاب”، وأصبحت عبئا على السلطة، بعدما ظنت أن الانتصار على الإخوان يتيح لها أن تبدأ مطالبها الخاصة. في النهاية، سيقف النظام وحيدا، تقوده أجنحته الأمنية والعسكرية، ويقف الإخوان وحدهم، مستمرين في استنزاف حاضنتهم الاجتماعية في معارك بلا قيمة، بينما القوى الآخرى يقبع أفرادها الأكثر راديكالية في السجون منسيين حتى من قبل أحزابهم وحركاتهم، والبقية أرهبهم الخوف، ويحاولون نسيان كل شئ، ككابوس شديد الوطأة.

كانت متوالية لحظة 3 يوليو تبنئ بذلك، وكان الخروج من تلك المتوالية رهنا بالحدس السريع بها، وخلق متوالية جديدة. لكن كلا الطرفين المدنيين كانا مشدودين لمعارك لم تكن تعني إلا استمرار هزيمتهم. أصر الإخوان على معركة لا يمكنهم الاننتصار فيها، وكانوا يعلمون جيدا حجم الطلب الشعبي الكبير لخروجهم من السلطة. وأصر الآخرون على خروج الإخوان من المعادلة السياسية تماما مع علمهم أن القضاء على جماعة بهذا الحجم يتطلب تعزيز الدور الأمني مع ما يعنيه من تزايد الانتهاكات وإغلاق المجال العام تماما.

لم يكن انتصار “الجناح المنحط لـ30 يونيو”-بتعبير الصديق عمرو عزت- صدفة أو نتيجة لأخطاء متوالية؛ بل انتصر لأنه كان يملك الأجوبة الأكثر بساطة عن الرهان التاريخي الذي كان مطروحا: كيف يمكننا إخراج الإخوان من المعادلة السياسية تماما؟ بينما كان الآخرون لا يملكون أي أجوبة عن ذلك.

بشكل أكثر صراحة، لم يكن ممكنا القضاء على الإخوان كجماعة وتنظيم بدون انتصار الجيش على بقية أطراف الانقلاب بعد انتصارهم على الإخوان. لم يكن العسكر والمنظرون لهم مجانين تماما حين كانوا يتهمون شركاءهم في الانقلاب بأنهم لا يفهمون أولويات المعركة. لقد كان محمد البرادعي ومن خلفه بعض الأفراد القليلين داخل “الجناح الديموقراطي داخل الانقلاب” يلعبون  لعبة لا يمكنهم الانتصار فيها، لأنهم ببساطة لا يملكون ولو صيغة نظرية لانتصارهم. ماذا الذي يمكنه أن يحدث ليكلل “الديموقراطيون” انتصارهم إثر انقلاب عسكري؟ أن يظلوا في السلطة كديكور جميل، وذكرى من زمن مضى كانت لهم قيمة فيه؟

في الحقيقة كان رهان كتلة “الجناح الديموقراطي” في الحكومة هي أن ينحاز السيسي إليها، بصفتها أكثر عصرية ولها قبول دولي، لكن بدون أن يكون لها أي أفكار مختلفة نوعيا عن أفكار الكتل الأخرى في السلطة.

باستمرارها الديكوري في تأييد الانقلاب فقدت الكتل العلمانية، مع الوقت، موقعها الخاص في المعركة، وإذن خطاباتها الخاصة، وأصبحت لا تعرف بالضبط ماذا تريد، ومازال الكثير من منظريها يتحدثون عن رفضهم التام لعودة الإخوان للمجال السياسي، وكأنهم هم أنفسهم ليسوا مطرودين من المجال السياسي مثلهم مثل الإخوان، وبدون أن يمتلكوا  أي خطة أخرى لاستمرار “عزل الإخوان” سوى نفس الخطة التي ينفذها الجيش بالفعل. لا يقدر هؤلاء على تأييد الجيش في قمعه الهيسيتري للجميع، لكنهم أيضا لا يملكون أي خطة أخرى. يستمر العسكر في الحكم، بالقصور الذاتي لحركته، وبانعدام أي خطط أخرى لدي أي أحد.

الطريقة الوحيدة التي كان يمكن للعلمانيين فيها أن يحتفظوا بموقع خطابي خاص بهم، هي أن يخلقوا رهانا جديدا، لا يمكن للجيش أن يظل منتصرا فيه للأبد، لكن أي رهان جديد- مثل المصالحة مثلا- كان يتطلب الابتعاد كثيرا عن السلطة العسكرية الموجودة، ومعه كان يتطلب الدخول في أتون معركة حامية مع مجلس عسكري منتصر يحظي بشعبية كبيرة في مواجهة إسلاميين لا يريدون إلا الانتصار الكامل على الجميع، ومع حماسة كتل كبيرة من العلمانيين أنفسهم للاصطفاف مع الجيش حتى النهاية في الحرب ضد الإخوان.

في غيبة أي حلول ديموقراطية، وهي الحلول التي كان الانقلاب نفسه رافضا تماما للاحتكام إليها، وبتحول المعركة بين العلمانيين والإسلاميين لمعركة وجودية، لم يكن هناك سوى حتمية انتصار الجيش، في كل السيناريوهات. من سيقضي على الآخر إذن؟ مجموعة مظاهرات؟ كانت المهمة المطروحة من كل الأطراف -وهي سحق الطرف الآخر تماما- مصممة لانتصار الجيش، وباختيار الجيش للانحياز لجبهة المعارضين للإخوان أصبح الأمر محسوما.

رهانات جديدة؟

على الرغم من كل التغيرات التي حدث منذ ازاحة الجيش للإخوان من السلطة، يمكننا القول أن أفق الإسلاميين والعلمانيين ما زال كما كان في صبيحة يوم 4 يوليو 2013: يريد الإخوان هزيمة الجميع هزيمة ساحقة لا تبقي لهم أي أثر، بدون أن يمتلكوا ما يسمح لهم بذلك، سوى أن يُدخلوا أنفسهم في متاهات جديدة لينسوا هزائمهم المتتالية. ويريد العلمانيون الاستمرار في عزل الإخوان بدون أن يعترفوا باستحقاقات ذلك العزل، الذي يعني الكف عن المطالبة بأي إصلاحات ديموقراطية، والوقوف خلف الجيش في كل خطواته، أي أن تعتزل تلك التيارات السياسة إلى الأبد.

ببساطة، استمرار فرض نفس المعادلة التي انتصر فيها الجيش، يعني استمرار انتصاره. وأي تراجع نسبي له هو رهن بتغيير شروط اللعبة مرة أخرى، بفرض معادلة أخرى، مهام أخرى. وبصراحة يبدو ذلك أصعب من أي وقت مضى. التحالف بين التيارات المختلفة بصيغة ما قبل يناير يبدو مستحيلا، وكـ”حل سريع” أصبح متأخرا جدا. الإخوان أصبحوا أقل قابلية للحلول الوسط من أي وقت مضى، كما أن تفكك الجماعة النسبي يصعب المهمة على من يقودها، ويجعل خيار أن يبادر بتغيير مسار التصعيد عديم الجدوى المتبع في السنوات القليلة الماضية أقل احتمالا، كما أن صيغة التحالف التي ألفتها الجماعة في الماضي، وهي صيغة تحالفها مع تيارات أقل زخما وشعبية منها، وتعاملهم بمزيج من الاستغلال والاحتقار الضمني، لم تعد مطروحة، بعدما أصبح الإسلاميون في عمومهم- وليس الإخوان فقط- أحد التيارات في المجتمع، وليسوا التيار الرئيسي فيه.

بشكل عام، تميل الديكتاتوريات في تبريرها لديكتاتوريها إلى الدفع بعدم قدرة المجتمع على إدارة نفسه، وأنها إذا ما تخلت عن دورها الحمائي والقمعي ستبدأ حرب الجميع ضد الجميع. كان ذلك التبرير وقت مبارك شديد السخافة، بعدما تحالفت التيارات الرئيسية للمعارضة، وامتلكت خطوطا عامة لكيفية إدارة “مجتمع ديموقراطي يندمج الجميع فيه”. وفي الوقت الذي أصبحت فيه هذه الخطوط واضحة تماما للجميع، وبعد الهزيمة التاريخية للتيارات الرافضة لهذه الخطوط العامة- كهزيمة الجماعات الإسلامية المسلحة- أصبحت الساحة مهيأة تاريخيا لانتصار هذه الخطوط العامة. حين فشلت هذه الخطوط العامة في إدارة مجتمع ما بعد الثورة، بعدما أصبح الإسلاميين أكثر راديكالية، ويريدون انتصارا ملحميا على الجميع، ويريد الآخرون محو الإسلاميين تماما من الساحة، أصبح الأمر مجرد وقت حتى تتراجع بعض الكتل الشعبية عن رهان إدارة المدنيين للمجتمع، إلى الرهان الديكتاتوري الأول، الذي وللمرة الأولى تكتسب حجته الديكتاتورية بأن البديل له هي حرب الجميع ضد الجميع وجاهة ما، ويستمر بدوره في إحراز الانتصارات ما دام الآخرون متمسكين برهانات لا يستطيعون الانتصار فيها.

اعلان