Define your generation here. Generation What

قانون الجريمة الإلكترونية.. أحكام غائبة ونصوص مشكوك في أمرها

تناقلت الصحف في الفترة الماضية أنباءً عن قرب إصدار الحكومة المصرية قانونًا للجريمة الإلكترونية. المسودة التي نشرتها بعض الصحف تضرب بعنف في العديد من الحقوق والحريات الأساسية، على رأسها حرية التعبير.

منذ تولى رئيس الجمهورية مقاليد الأمور في يونيو 2014، جمع بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لحين انتخاب برلمان، وقد أصدر خلال هذه الفترة عددًا كبيرًا من التشريعات، وهو عدد يصعب توقعه في حالة وجود برلمان يمارس مهامه التشريعية. ويمارس رئيس الجمهورية هذه السلطة الاستثنائية للتشريع بموجب المادة (156)  من باب السلطة التنفيذية، والتي تعطي الحق لرئيس الجمهورية في إصدار قرارات بقوانين في حالة اﻻستعجال والضرورة حال غياب البرلمان، على أن تعرض هذه القوانين على البرلمان خلال15  يومًا من اﻻنعقاد. لا يمكن إنكار أهمية هذا النص؛ لأنه قد فرض شروطًا وضوابط تنظم هذه السلطة الاستثنائية التي هي  في المقام الأول من اختصاص النواب المنتخبين من قبل الشعب. أحد هذه الشروط يتمثل في وجود ظروف توجب سرعة مواجهتها بتدابير لا تحتمل التأخير على أن يضع لهذه السلطة الاستثنائية في التشريع من الضوابط والقيود ما يكفل عدم تحولها إلى ممارسة تشريعية مطلقة.

وبقراءة النص لا نرى مبررًا واضحًا يدفع رئيس الجمهورية لاتخاذ قرار استثنائي بإصدار قانون للجريمة الإلكترونية، أو التوسع في إصدار القوانين العقابية “التجريمية” بشكل عام، في الوقت الذي يجب أن تنصب فيه الجهود التشريعية في مجال القوانين التنظيمية. فما الضرورة المجتمعية التي تنادي بإقرار مثل هذا التشريع، وبخاصة أن هناك من النصوص ما يمكن الاستناد إليها لمواجهة الجرائم المذكورة بهذا القانون، في كل من قانوني العقوبات وتنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003  والذي نختلف مع بعض محتواه .

الأحكام التي يجب أن  ينظمها قانون الجريمة الإلكترونية

أدى التقدم في تكنولوجيا الاتصالات إلى زيادة في تناقل البيانات الشخصية في مختلف المجالات، مما أبرز تحديات تكنولوجية معقدة، فتبادل البيانات يجب معالجته وحمايته. ويقصد بالبيانات الشخصية أية معلومات تتعلق بشخص محدد أو قابل للتحديد بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء من خلال الإشارة إلى عامل واحد أو أكثر محدد لهوية الشخص البدنية أو العقلية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية )على سبيل المثال الاسم والاسم الأول، تاريخ الميلاد، الرقم القومي). أو أية معلومات يمكن استخدامها لتحديد هوية الفرد، وبالتالي أصبح من المهم التوفيق بين هذين الاعتبارين:  حماية البيانات الشخصية مع تشجيع التدفق المستمر للمعلومات.

لذلك أصبح على القواعد والقوانين الجديدة ضرورة حماية البيانات الشخصية لضمان الحقوق الأساسية المعنية. وتشكل حماية البيانات الركيزة الأساسية التي يجب أن يعمل على حمايتها قانون الجريمة الإلكترونية في الأساس، والتي تنطلق من المبدأ الدستوري للحق في الخصوصية بموجب المادة (57) من الدستور المصري.

إشكاليات النصوص المطروحة بمسودة القانون

يتكون مشروع القانون من 28 مادة تنظم أشكالًا متعددة من الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها، إلا أنه يغلب على هذه النصوص مجموعة كبيرة من الملاحظات التي قد تشكك في الهدف من إقرار مثل هذا التشريع؛ حيث تفتقر نصوص القانون للعناصر المكونة للجريمة، وبخاصة الركن المعنوي، وهو ما يعرف بـ “القصد الجنائي”، ويقصد به العلم بعناصر الجريمة مع اتجاه الإرادة إلى تحقيقها. يمكن أن يبعدنا عنصر من عناصر القصد الجنائي عن دائرة العمد في ارتكاب الفعل المكون للجريمة، وهو ما يدخل هذا الفعل الأخير إلى توصيف آخر مثل الخطأ، وهو الفعل غير المقصود إتيانه أو غير مقصود النتيجة المترتبة على فعله، وبخاصة أن الجريمة الإلكترونية تتميز عن غيرها من الجرائم المادية بأنها تقترب من جرائم السلوك، وهو ما يجعلها أكثر صعوبة في تأثيمها، وهو أمر يفرض على المشرع أن يكون أكثر تحديدًا ودقة في تعريف وتوضيح أركان الجريمة .

كما أن هناك مغالاة شديدة  في توقيع العقوبات لتصل إلى المؤبد وغرامات تصل إلى 20  مليون جنيه مصري. مثال على ذلك، ما تنص عليه المواد (20) و(22)، وهو ما يتطلب أن يكون هناك ضوابط للنصوص العقابية، وبخاصة تلك التي تتصل بالحرية الشخصية وإلا أصبحت أداة لقمع الحريات .هناك أيضًا عدم تناسب بين العقوبات المقررة والضرر الناجم عن ارتكابها؛ حيث تتحدث المادة (16) عن توقيع عقوبات تصل إلى الحبس لمدة سنة وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه على المسؤول عن إدارة الموقع إذا تعرض لإحدى الجرائم المنصوص عليها في القانون بسبب إهماله. فكيف لقضية أن تضم عقاب كل من المتهم ومن وقع في حقه الفعل المجرم، وهو ما يدفعنا إلى القول إن الهدف الحقيقي من استخدام مثل هذه النصوص هو خلق حالة من الرعب للمستخدم العادي أو غير المتخصص؛ حيث يمتلئ الإنترنت بعشرات الألوف من المدونين وصانعي المحتوى والتقنيين المبتدئين. من يملك من هؤلاء المستخدمين التقنيات التي تمكنه من “اتخاذ الاحتياطات اللازمة “لتجنب التعرض للجريمة الإلكترونية، بل من الذي يملك إيقاف التطور التقني الهائل الذي يحمل إلينا الجديد كل يوم بما فيه تقنيات الاختراق. هذا النوع من التشريع لا يعني جهل أو تناسي المشرع بالضرورة، بل ينطوي على نوع من الترهيب لمستخدمي الإنترنت .

كما أطلق عقوبة الشروع في جميع نصوص القانون بالعقوبة نفسها المقررة للجرائم المكتملة، وهو أمر غير مسوغ وغير مفهوم. هذا كله بالإضافة إلى صعوبة إثبات “جريمة الشروع نفسه”، فكيف يتصور أو يفهم أن هناك شروعًا في عدم الإبلاغ عن انتهاك لبريد إلكتروني-على سبيل المثال. يؤكد ذلك أن هذا القانون لم يمر بقنوات الضبط التشريعية السليمة التي يجب من خلالها عقد مشاورات مع الفنيين والتقنيين المتخصصين في مثل هذه الأمور التقنية، بل أطلق هذا القانون مجموعة من المواد تعاقب على أي فعل يتم على شبكة الإنترنت دون أن يبرز ضرورة اجتماعية واجبة ولا بديل عنها لإقرار هذه العقوبات، فأصبح شكل من أشكال الانتقام الجماعي .

كما  يغيب عن النصوص عنصر الوضوح والدقة؛ فنجد أن أغلب المواد يسيطر على عناصرها الغموض، وهو ما يتعارض مع درجة اليقين التي ينبغي أن تنتظم بها  أحكام القوانين الجزائية، وبخاصة أن مثل هذه القوانين التي تحمل نصوصًا عقابية سالبة للحرية. وبالقراءة المتأنية في نصوص قانون الجريمة الإلكترونية نجد نص المادة (22)، التي تتحدث عن الجرائم التي يكون غرضها الإضرار بالنظام العام أو تعريض سلامة وأمن المجتمع للخطر. فالمادة بحالتها هذه كفيلة بتهديد حرية أي مستخدم؛ حيث يتم توجيه اتهامات غير مفهومة وغامضة؛ حيث تعتبر الألفاظ المستخدمة نسبية لا يمكن تحديدها أو وضع قواعد مادية ملموسة يمكن أن تكون المرجعية لها، وهو ما يفتح للأنظمة السياسية الباب لإساءة استخدامها. وفي حقيقة الأمر نجد أن أغلب نصوص القانون جوفاء تبتعد عن حماية الأشخاص وحياتهم الخاصة، وفي الوقت ذاته نجد نصوصًا غامضة مثل تلك المادة، وهو ما يرفع احتمالية بأن مثل هذه القوانين صُنعت لتزج بها نصوص منفلتة وعبارات مثل سلامة المجتمع وأمنه ومنع ممارسة السلطات العامة لأعمالها، مما ينذر بأن هذه النصوص سوف تشكل قيدًا علي الحريات العامة، وعلي الأخص علي حرية التعبير، من خلال الوسائط الإلكترونية.

غياب التزامات الدولة

إقرار مثل هذا النوع من القوانين، والذي يتماس بشكل مباشر مع جوهر الحقوق والحريات الدستورية يجب أن يقابله التزام جاد وواضح من قبل الدولة بأجهزتها المختلفة، وهي الطرف الأقوى في هذه المعادلة التي تعاني خللًا بالأساس. فإعطاء صلاحيات غير واضحة بالقبض والحبس وحجب المواقع يجب أن يقابلها التزام واضح بعدم الإخلال بحرمة الأشخاص أو التنصت عليهم أو مراقبة  مراسلاتهم، وهي القواعد المحمية بموجب نصوص الدستور، وهذا الأمر يجب أن يكون أيضًا في شكل عقوبات واضحة توقع على من يخل  بهذه الالتزامات، وهو ما يجب أن يكون في شكل عقوبات مغلظة.

اعلان
 
 
حسن الأزهري