Define your generation here. Generation What
ما تبقى من وعود الزعيم.. انطباعات حول ندوة “الفن والدولة الشمولية”
 
 

يلخص هذا المقال أهم الأفكار التي تمت نقاشها في ندوة بعنوان “الفن والدولة الشمولية” التي عقدت في “مدى مصر” في التاسع من مايو الماضي، وهي الأولى ضمن سلسلة ندوات ملتقى “التاريخ والذاكرة الثقافية” الذي يعده الناقد الفني إسماعيل البحار والباحث فؤاد حلبوني.. بالتعاون مع “مدى مصر”.

في أولى ندوات ملتقى مدى “التاريخ والذاكرة الثقافية”، بدأنا بكتاب المؤرخ والناقد الفني الألماني بوريس جرويس “الفن الستاليني الشامل: المدرسة الطليعية والدكتاتورية الجمالية وما بعدها”، والذي نشر في ألمانيا سنة ١٩٨٨. وقد كان كتابًا مهمًا وقت صدوره لأنه ألقى الضوء على تاريخ مغاير للحركات الطليعية الروسية في فترة كان يصعب فيها التعرف على تاريخ المشهد الفني في الاتحاد السوفيتي والاتجاهات الفنية التي خرجت عن دوائر المؤسسات الثقافية الرسمية هناك. جرويس قضى فترة طويلة من حياته في الاتحاد السوفيتي بغرض الدراسة وهناك قام بالكتابة في العديد من المجلات  الطليعية التي كانت مرتبطة بالإنتاج الثقافي غير الرسمي وقتها. بعد ترجمة كتابه “الفن الستاليني الشامل” من الألمانية إلى الإنجليزية سنة 1992 من دار “جامعة برنستون”. اشتهر جرويس كناقد ومؤرخ فني بتقديم جوانب من الحركات الفنية الروسية “الما بعد- حداثية” للجمهور الغربي. توالت أعماله الفلسفية والمتخصصة في النقد الفني منها: “يوميات الفيلسوف”، و”عن الجديد: دراسة في الاقتصاديات الفلسفية”، و”ابتداع روسيا وسلطة الفن”.. وأخيرًا دراسة بعنوان “الخروج إلى الجمهور”. يعمل جرويس حاليًا أستاذًا للدراسات الروسية والسلافية في جامعة “نيويورك” في الولايات المتحدة.

أهم ما جذب انتباه القائمين على سلسلة ندوات ملتقى مدى “التاريخ والذاكرة الثقافية” لكتاب جرويس هو قراءته المغايرة لتاريخ الحركات الطليعية الروسية أثناء حكم جوزيف ستالين (1924-1953) والتي خرج من خلالها على أعراف النظرية الأوروبية المهتمة بالحركات الطليعية وتاريخ نشأتها. ينتقد جرويس معظم الأدبيات المرتبطة بنظرية الحركات الطليعية لأسباب أهمها محاولة اختزال معظم الحركات الطليعية الروسية كفروع ثانوية منبثقة عن مثيلاتها الأوروبية وإلحاقها بها دون الانتباه لراديكالية الحركات الروسية في سياقها التاريخي. السبب الثاني لنقد جرويس الأدبيات المهتمة بالحركات الطليعية هو تكريس الأدبيات لقطيعة تاريخية ومعرفية؛ حيث ينتهي تأثير الحركات الطليعية الفنية على المشهد الثقافي الروسي بتأميم وعسكرة ستالين للمجال العام وغلق كل صحفهم ومجلاتهم التي كانوا يعرضون فيها أفكارهم، بل وصل الأمر إلى اضطهاد قطاع كبير منهم والزج به في السجون. 

ويحاول جرويس أن يعرض تاريخًا مغايرًا للحركات الطليعية الروسية في كتابه على مستويات منها: إعادة قراءة علاقة الحركات الطليعية بالستالينية وبالذات، فيما يتعلق بسياسات الحزب الشيوعي التي قامت بدمج واستيعاب الحركات الفنية في مؤسسات ثقافية رسمية، وفرض معايير فنية معينة عليها عُرفت آنذاك باسم “الواقعية الاشتراكية”.

في عشية الثورة البلشفية، كان هناك قطاع كبير من الشعب الروسي، مقتنعًا بأن روسيا تمثل بقايا عالم القرون الوسطى، وأن المطلوب تغير شامل في كل مناحي الحياة. كانت هناك رؤى متقاربة بين البلاشفة والطليعيين فيما يتعلق بسبل تغير الحياة وإقامة قطيعة جذرية مع تقاليد العالم القديم. ولكنهم اختلفوا على كيفية تحقيق تلك الرؤى على أرض الواقع والمنوط بتحقيقها¡ مما أدى إلى قيام ستالين بإطاحة كل معارضيه الفعليين والمحتملين وإلقائهم في السجون أو “الجولاج”. 

يروي جرويس قصة تاريخية مختلفة عن نقاط التلاقي، ما بين أهم أفكار الحركات الطليعية ومنهج “الواقعية الاشتراكية” في مواجهة تراث الأدبيات النظرية الأوروبية التي ركزت على التنافر التاريخي الدائم بينهما. فعلي سبيل المثال، رصد جرويس فترات المواءمة بين البلاشفة والطليعيين في بدايات الثورة الروسية عندما انخرط العديد منهم في صفوف المؤسسات الثقافية الوليدة ورأوا أنهم مكلفين بإزاحة كل الأحوال المتردية والعوامل الرجعية، ومنها المعايير الفنية البرجوازية والتقليدية بالإضافة إلى الحركات الفنية المعادية لهم، وكلها عوامل قد تعطل من تحويل الثورة آنذاك، إلى عمل فني كلي يستطيع الفنان من خلاله تطويع وتذليل الحياة المعيشة لخلق عالم جديد منها. 

الواقع الذي لمحه جرويس في لوحة كازمير مالفيتش- أحد أهم الفنانين الطليعيين في زمنه- الشهيرة بالمربع الأسود، هو واقع يعود بنا إلى أكثر صورة قدمًا وبساطة وكأنك اختزلت كل ما يتعلق بصور الحياة وتمثيلاتها- كما ندركها بحواسنا- إلى أكثر أشكالها قدمًا وبساطة. فطبقًا لجرويس اللوحة تعلن عن عالم في مركزه تجويف أسود في إشارة إلى موت الإله. يسمح هذا التصور عن ماهية الواقع وإرجاعه إلى مادته الأولية للفنان أن يعيد تشكيله كمادة خام لعمله الفني من المنظور نفسه. 

المربع.jpg

كازمير مالفيتش (1879-1935)،”المربع الأسود” ، 1915، زيت على أتوال، 106*106 سم، متحف القومي الروسي، بطرسبرج، روسيا، المصدر: ويكي آرت، موسوعة الفن البصري

يلتقط جرويس هذا التصور الطليعي عن الحياة ليرى مشروع ستالين السياسي والاجتماعي كتطبيق راديكالي لرؤى الحركات الراديكالية وتجاوزًا لمحدوديتها في الوقت نفسه. فكان وقتها يستحيل تحقيق رؤى الحركات الطليعية دون إدماجها في إطار أشمل منها. ومن هذا المنظور يصبح المشروع الستاليني في سعيه للشمولية تطبيقًا عمليًا لرؤى الحركات الطليعية ومتجاوزًا لها في الوقت فتتلاشى كليًا الفواصل بين الحياة والفن. يتحول ستالين للحاكم- الفنان المتفرد في رؤيته الشاملة للمجتمع بحكم منصبه على عكس ضيق رؤية وأفق الفنان الطليعي. فالحاكم الفنان هو الوحيد القادر على تسخير وتوظيف كل مواد الحياة من أجل خلق عالم جديد وإنسان اشتراكي جديد. في النهاية فإن جرويس لا يقدم مقاربة مبالغًا فيها عندما يقارن فيها الفنان- الصانع بالحاكم- الملك، ولكنه يعود لجذور أكثر قدمًا لمصطلح السياسة بمعنى فن الحكم (Statecraft).

عندما فكرنا في ترجمة نص جرويس للعربية، وهو ما قامت به المترجمة أميرة المصري، كنا معنيّن بأن تفتح لنا الترجمة مساحات لقراءة مغايرة لأهم أطروحات الكتاب مع انتقالها وانفتاحها على سياقات مختلفة. فبجانب طرح فصل مترجم من كتاب جرويس للمشاركين في الندوة، اخترنا مجموعة من النصوص المرتبطة بتاريخ الحركات الطليعية في مصر¡ منها مقالات من مجلة “التطور” التابعة لجماعة الفن والحرية في أوائل الأربعينيات، بالإضافة إلى بعض المقالات المنشورة في المجلات الثقافية في أواخر الخمسينيات، والتي توضح من منظورنا إرهاصات تشكل رؤية دولة يوليو للثقافة ومهام المثقف في “المجتمع الجديد” آنذاك. كان الهدف من اختيار تلك النصوص هو طرح إمكانية إعادة قراءة تاريخ الحركات الطليعية في مصر على المشاركين في الندوة. 

وبالرغم من أن البعض قد يتهم القائمين على الندوة باختزال كتاب جرويس وعدم التعاطي الجدي مع أهم أطروحاته في مقابل التركيز على الحركات الطليعية المصرية في سياق تاريخي معين، ولكننا كنا نحاول أن نبقى أكثر أمانة لأطروحات جرويس بالتركيز على اشتباكه النقدي مع أدبيات نظرية الحركات الطليعية ومحاولة محاكاة هذا الاشتباك. إذا كان جرويس قد قدم مروية تاريخية جديدة للحركات الطليعية الروسية خلافًا للأدبيات الأوروبية؛ فإننا نحاول طرح قراءة بديلة لتاريخ الحركات الطليعية في مصر، رغم محدوديتها العددية ومحدودية دائرة تأثيرها في زمنها أن تلك الحركات تعرضت للنسيان ما بعد ثورة يوليو، إلى أن تم إعادة تعريفها وترجمة إنتاج الكتاب الأدبي من الفرنسية في أوائل التسعينيات؛ حيث صدرت في مطبوعة “الكتابة الأخرى” بالإضافة إلى كتاب سمير غريب عن تاريخ السرياليين المصريين.        

في قراءتنا لمجموعة النصوص المرتبطة بالحركات الطليعية المصرية، حاولنا أن نستكشف جوانب من نقدهم الاجتماعي لبعض القضايا الاجتماعية والثقافية في زمنهم. فعلى سبيل المثال، ناقشنا مقال رمسيس يونان النقدي، المنشور في مجلة “التطور” في أوائل الأربعينيات بمناسبة صدور كتاب طه حسين مستقبل الثقافة في مصر والذي يعرض نقدًا لتعريف طه حسين الفضفاض عن الثقافة بالإضافة إلى محاولة تقديم مشروع إصلاح اجتماعي وثقافي جذري بديل له. بجانب منشورات الطليعيين طرحنا مجموعة من المقالات والأبحاث المنشورة حول التحولات في القطاع الثقافي، التي أعقبت تأميم وأمننة المجال العام في مصر في أوائل الخمسينيات؛ حيث ركزنا على مقالات ثروت عكاشة وراجي عنايت حول رؤية الدولة الناصرية للثقافة وإعادة تعريفهم لدور المثقفين في معركة النظام ضد الاستعمار.

أفردنا الجانب الأهم من النقاش حول معركة بناء السد العالي (1960-1970)¡ المتزامنة مع مشروع حماية آثار النوبة برعاية منظمة “اليونيسكو” وقتها. قبل البدء في مشروع إجلاء القطاع الأكبر من سكان النوبة في أوائل الستينيات، تم إرسال بعثة من الفنانين التشكيليين من أجل توثيق جوانب من الحياة اليومية في قرى النوبة في أواخر الخمسينيات¡ ومنهم الأخوان وانلي وتحية حليم. استعرض إسماعيل البحار العديد من تلك اللوحات التي كانت معنية بتسجيل وتوثيق مظاهر الحياة النوبية قبل تعرض القرى للإغراق¡ كتمثيل أوجه الحياة الذي يعكس اهتمام إثنوجرافي من منظوري. تبين بعض هذه اللوحات اهتمامًا بأدق تفاصيل الحياة والبيئة الطبيعية النوبية مع اختزال لتفاصيل الوجه¡ فيظهر أهل النوبة كأطياف سوداء تلبس جلاليب بيضاء فضفاضة بلا ملامح. أبرز مثل على ذلك، هو لوحة أدهم وانلي، التي تظهر وجه مرتل مقرئ نوبي بملامح فجة أقرب لتمثيل أوروبي عنصري “للوجوه السوداء”. تتكرر تيمة الوجوه السوداء في كاريكاتير منشور في صفحة جريدة الدولة عشية نهاية مشروع تهجير أهالي النوبة؛ حيث يصور الرئيس جمال عبد الناصر كالنبي موسى أمام جحافل من الأشباح السوداء الملفحة بالجلاليب البيضاء. يبشرنا المانشيت الرئيسي المصاحب للرسم الكاريكاتيري بخبر “نجاح أكبر عملية تهجير في التاريخ”.

المربع.jpg

كازمير مالفيتش (1879-1935)،”المربع الأسود” ، 1915، زيت على أتوال، 106*106 سم، متحف القومي الروسي، بطرسبرج، روسيا، المصدر: ويكي آرت، موسوعة الفن البصري

معظم النقاشات التي تمت حول مأساة تهجير أهالي النوبة، لمست جوانب ضئيلة جدًا من روايات “التغريبة النوبية” التي انتهت بهجرة ونزوح أبناء المناطق المهجرة لمحافظات بعد إجلائهم عن قراهم- نظرًا للأحوال المضنية بعد التهجير. يبدو أن هناك تعتيمًا مستمرًا من طرف الدولة حول روايات التهجير وإعادة تذكر تجارب المهجرين. في النهاية كل ما تبقى من روايات التهجير التي تموت تناقض الأجيال التي عاشته في ذكرى وعود عبد الناصر الذي بشرهم بحياة أفضل في مقابل وداع أرض الأجداد. مع وصول آخر أفواج المهجرين إلى أرض النوبة الجديدة، وهي صحراء كوم أمبو الشرقية، اكتشفوا خواء معظم وعود الزعيم عندما وجدوا أن نسبة كبيرة من البيوت الجديدة غير مكتملة البناء، وأن الحكومة لم تمد القرى الجديدة بالمياه. ورحل الزعيم في النهاية وظلت التغريبة إلى يومنا هذا.

يظل أهم درس ممكن نستقيه من كتاب جرويس هو أننا كورثة لعالم بلا وعود، يمكننا أن نعيد النظر في كل الروايات التي خلقت من ستالين وعبد الناصر أشكالًا نصف إلهية لكن مع ضرورة فهم أعمق لتأثيرهم الباقي في أحلام أجيال وشرائح عريضة من الشعوب رغم معرفتها بالأثمان المرعبة التي دفعت في مقابل تصديق وعود الزعماء بخلق عالم مغاير وإنسان اشتراكي جديد. في الوقت نفسه يجب أن نحاول أن نفهم.. لماذا خرجت حشود بعد موتهم لتوديعهم وكأنهم يدفنون أحلامهم معهم؟

 
اعلان
 
 
فؤاد حلبوني