كيف تُعلمنا العبرية شيئاً عن ذواتنا؟ (٢) هل أنا مطبع؟ خطاب أعمى ووعي مبصر قليلاً

“بقدر إفهم انك مانسفتش القاعة عشان مايموتوش الاولاد الصغار، وبعرف إنك كنت ضد خطف الرياضيين الإسرائيليين بميونيخ، ضد خطف الطيارات، وضد قتل المدنيين، حتى حرب لبنان كنت ضدها، كنت تقول، مش هيك بتنخاض الحروب، لإن اللي ما بيحترم حياة الغير، مايحقلّوش يدافع عن حياته”.

فيلم “باب الشمس” للمخرج يسري نصر الله، عن رواية إلياس خوري

أول ما يتبادر إلى الذهن عند معرفة أحد ما بأني أترجم عن العبرية، خاصة بين دوائرنا المقربة، كلمتان اثنتان “تطبيع ومقاطعة”. هاتان الكلمتان شديدتا المركزية في أدبيات السياسة في مصر، بل إن المدخل لإسرائيل في مصر أصبح يمر عبرهما، بعكس لبنان مثلاً، التي يروج فيها خطاب المقاومة بجانب خطابي المقاطعة والتطبيع. ولأنه ليس لدينا أية مقاومة من أي نوع في مصر، فعلاقتنا، على الأقل علاقة الإنتلجنسيا، بإسرائيل، تمر عبر مصطلحي التطبيع والمقاطعة. لا صراع ولا صهيونية ولا تحد ولا أي شيء. إما أنك مطبع أو مقاطع.

وبسبب مطاطية مفهوم التطبيع، وعدم وجود تعريف موحد له حتى الآن، فقد سهل هذا أن يتحول المفهوم لفزاعة في كثير من الأحيان، مما أنتج نتيجة عكسية، أن يصبح مفهوم المقاطعة في حد ذاته هدفاً لسخرية كثير من القطاعات الآن في العالم العربي. لهذا فكرت أن أقدم رأياً شخصياً حول التطبيع والمقاطعة. ما الذي يُعد تطبيعاً وما الذي لا يُعد تطبيعاً؟ هذا سؤال مهم لأن المصطلحين يبدوان بديهيين أحياناً وهما ليسا كذلك.

فور تخرجي، وهذه حقيقة لا أحس بالارتياح لها قليلاً، ذهبت مرات معدودة للمركز الأكاديمي الإسرائيلي في الجيزة لطلب كتاب. أتى الكتاب وصورتُه ثم لم أعاود الذهاب. ولكن علاقتي تواصلت بأصدقاء إسرائيليين على الإنترنت، وأحياناً وجهاً لوجه عندما كانوا يأتون لزيارة القاهرة. فور تخرجي أيضاً، وكنت شديد الحماس لدراستي، بدأت أجادل الإسرائيليين على المنتديات الإلكترونية في مواضيع مثل الاحتلال، الصهيونية، الهولوكست، والتفجيرات الانتحارية. كانت تجربة مريرة في حياتي، لأنها عرفتني بشكل قاس على الوجه القومي شديد الغباء والتعصب للإسرائيليين. كنت أنهي الرد عليهم (وكنت أجتهد جداً في صياغته بعبرية سليمة، وكانت تخرج مضحكة رغم كل الجهد) فيرد عشرون على ردي الواحد ردوداً متعصبة واستفزازية وتحكم على نواياي الانتحارية العربية القاتلة. في النهاية مللت وتركت المنتدى. التجربة كانت مريرة، لأنها، للمرة الوحيدة في حياتي، عرضتني للإسرائيليين العاديين، الرافضين سماع الرأي الآخر والمنغلقين داخل الرواية الصهيونية، فأنا، بصفتي مترجماً عن العبرية وأعمل بالشأن الثقافي، لم أحتك، سوى هذه المرة، إلا بمثقفين وشعراء وفنانين ويساريين إسرائيليين. أتساءل الآن، إن كانت حادثة يتيمة جرت مما يزيد على العشر سنوات، تعرضت فيها لغباء الإسرائيليين، لا تريد الامحاء من ذاكرتي، فكيف بالفلسطيني الذي تعرض سابقاً لمن طرده، ويتعرض يومياً لمن ينكر عليه حقه في أرض آبائه، آبائه الذين كانوا على الأرض من خمسين عاماً، لا من ألفي عام؟

أكثر من هذا، نشرت مرات قليلة في دوريات إسرائيلية. عرض علي الشاعر الصديق (وكان أول صديق أتعرف عليه من إسرائيل) يتسحاق لاؤور أن أكتب لهم شيئاً في مجلة “ميطاعَم”، وهي دورية يسارية راديكالية فكتبت. كان يعدون ملفاً عن الأم، فقمت في مقالي بربط فكرة الأم بفكرة الأرض، ثم التحول للكلام عن الصهيونية وارتباطها بـ”أمنا الأرض”. المجلة معادية للصهيونية بقوة، ولكن وقتها فكرت أنني لن أرتاح للكتابة في شؤون عامة للإسرائيليين، وأني أحب أكثر لو أني أسمعت الإسرائيليين أشياء لا يحبون سماعها عن ذواتهم. اليوم زال عندي هذا التحفظ. اليوم، وإن لم أفعل بعد، لا يبدو أن مشكلة لديّ في الكتابة للإسرائيليين عن شؤون عامة، فقط بشرط أن يجري هذا في منابر مستقلة، أي بعيدة عن مؤسسات الدولة، وتعرّف نفسها بأنها معادية للصهيونية.

بدون أن تتحول المساحة هنا لمساحة لكشف الذات والاعترافات الشخصية، أقول أني لست متأكداً أنني مطبع أو غير مطبع، كل ما أعرفه أني معاد لإسرائيل كدولة عسكرية من رأسها حتى إخمص قدميها، قامت على التهجير وسلب القرى وتشريد العائلات، قامت على هذا، وهذا يختلف عن دولة كان القمع جزءاً من تاريخها، هنا التهجير هو نفسه التاريخ، هو سبب القيام. يحكي الشاعر يتسحاق لاؤور، في كتابه “نحن نكتبك أيها الوطن”، عن حركة يد بن جوريون عام 48، عندما دخل عليه إسحق رابين مع يجآل آلون ليسألاه “ماذا سنفعل مع سكان اللد والرملة”، فأشار بيده بحركة بسيطة بمعنى الطرد. حركة اليد هذه، التي نتج عنها طرد 50 ألف فلسطيني من سكان اللد، لم توثق، لم تكن مكتوبة ولا محكية، فقط حكاها إسحاق رابين لكاتب سيرته الذاتية. ونقلها لاؤور عنه. هذه الحركة لم تكن الوحيدة، تكفي قراءة أعمال من عرفوا باسم المؤرخين الجدد، مثل آڤي شلايم وبني موريس وإيلان پاپيه وغيرهم، للتعرف على المذابح التي جرت في فلسطين ضد الفلسطينيين.  هذا رداً على التفاهة التي تزعم أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم، نعم، باع بعض الفلسطينيين أراضيهم، والباقون حرقت قراهم وقتلوا وتم تهجيرهم.

كل ما أعرفه أن هذه الدولة بصيغتها الحالية لابد أن تنتهي، من أجل خاطر الإنسانية لا من أجل خاطر العروبة أو الإسلام. وأفهم جيداً أنه من أجل هذا لابد من مقاطعتها وعزلها. بما يعني أن المقاطعة ليست خطاباً مجنوناً تماماً كما يحاول البعض أن يصور لنا. نظام الأبارتهايد عُزل وقوطع ثم انتهى. المقاطعة قد لا تنهي الصهيونية صحيح، ولكنها لن تجعلها أمراً رائجاً لهذه الدرجة. أي ستساعد على إنهائها. فقط عليها أن تصبح مقاطعة ذكية.

فهمي للمقاطعة الذي أفكر فيه يقوم على التمييز بين الأفراد ومؤسسات الدولة. أرى أن مقاطعة الأفراد الإسرائيليين لن تحل شيئاً، وبالأحرى لو كانوا أفراداً معادين للصهيونية. بالعكس، ستجعل الصراع صراعاً عنصرياً بدلاً من أن يكون صراعاً إنسانياً. هذا التمييز مهم بالنسبة لي على المستوى الأخلاقي، وهو ما أدى بي في فترة مبكرة لرفض العمليات الانتحارية التي تجرى داخل المدن الإسرائيلية، فقتل إنسان أعزل هو جريمة. صحيح أنني أفهم بعض هذه العمليات، بمعنى أنني أفهم أن الإنسان المقموع بشكل يومي لا يفرق بين إنسان ومنظومة، ولكني لا أبررها، ودوماً ما ظل الهدف الأخلاقي الأسمى بالنسبة لي هو “تجريد السادة من أدوات السيادة”، لا “قتل السادة”. ما هي أدوات السيادة المشار إليها في هذه الحالة؟ إنه الجيش الإسرائيلي بشكل أبرز.

المثال الواضح بالنسبة لي هو حالة تحرير جنوب لبنان على يد حزب الله، وكان حزب الله بطل المقاومة العربية المفضل بالنسبة لي في عام 2000، بخلاف حالتي حرب 2006 وما تلاها من التدخل في سوريا. في حالة تحرير الجنوب عام 2000، استطاع حزب الله، من ناحية، أن ينجح ويحرر الجنوب بالفعل، ومشاهد هروب الجنود الإسرائيليين المهانين من لبنان تدل على أكبر هزيمة لإسرائيل منيت بها منذ تاريخها،  ومن ناحية أخرى، لم يتورط حزب الله وقتها في عمليات ضد مدنيين إسرائيليين، أو أنه تورط بشكل لا يكاد يذكر، وإنما كانت أهدافه دائماً أهدافاً عسكرية. هذا ممكن إذن. أن يكون المرء أخلاقياً وناجحاً في نفس الوقت.

وفي النهاية، فالتعامل مع مؤسسات دولة إسرائيل، قبول دعوات من جهات رسمية، وأحياناً اللجوء للسفارة الإسرائيلية، كل هذا قد يسهم في تزايد غطرسة الإسرائيليين، أي أن يكونوا قد نجحوا فيما قاموا لأجله. وهذا بالتحديد سبب عدم ارتياحي الآن للجوء للمركز الأكاديمي الإسرائيلي في مرحلة سابقة في حياتي. المركز الأكاديمي الإسرائيلي يتبع السفارة الإسرائيلية، التي تتبع بدورها وزارة الخارجية الإسرائيلية، والتي هي بتعريفها “غاسلة وجه” الدولة، أي أن المركز ليس بريئاً لكل هذا الحد، لقد أقيم في إطار اتفاق كامب ديفيد الذي فرض فيه السادات على المصريين، بدون سؤالهم، لأنهم الطرف غير المهم هنا، أن يشعروا بمشاعر “طبيعية” تجاه آخرين. السلام مع إسرائيل كان فعلاً غير طبيعي يطالب بـ”التطبيع”، فعلاً سلطوياً ولا عجب في كونه ولد ميتاً.

يبدو لي أن أن الأمر عندنا معكوس، فالساسة ورجال الأعمال المصريون يتعاملون مع الساسة ورجال الأعمال الإسرائيليين. من يرفض التطبيع فقط هم المثقفون، ويؤدي هذا لنتيجتين، أولاهما منح الشرعية السياسية والاقتصادية لإسرائيل، والثانية عدم فهم أي شيء عن إسرائيل. الأجدى في رأيي من المقاطعة الثقافية هي المقاطعة الاقتصادية، الأجدى من الضغط على المثقفين لكي لا يصافحوا إسرائيليين في المؤتمرات الدولية، هو الضغط على رجال الأعمال لكي لا يستثمروا في إسرائيل، ولكن المثقفين عندنا لا يستطيعون رفع الصوت ضد رجال الأعمال، أو أمر آخر، إنهم لا يعتبرون رجال الأعمال والساسة “منهم”، هم آلهة ويفعلون ما يحلو لنا، أما نحن، المثقفين الضعفاء، فنتشطر على غيرنا المثقفين الضعفاء. المثقفون أقدر على مقاطعة المثقفين المطبعين، من قدرتهم على مقاطعة الساسة ورجال الأعمال المطبعين.

مع هذا فحتى خطاب المقاطعة الثقافية، والتي قد تؤدي أحياناً إلى منع فهم أي شيء عن المجتمع الإسرائيلي، هو أيضاً ليس مجنوناً تماماً. كل ما في الأمر أنه ليس مصاغاً، ولا مُفكَراً فيه، بشكل ذكي. دائماً ما أتذكر حالة المسرحي علي سالم الذي ذهب لإسرائيل، في مقابل حالة الأديبة أهداف سويف التي ذهبت هي الأخرى لإسرائيل. ما الذي أدى إلى إقصاء الأول والتسامح مع الثانية؟ يبدو لي أن السبب الحقيقي هو شيء ما يتعلق بخطاب كل منهما تجاه إسرائيل. هناك من يذهب لإسرائيل بهدف مسبق وهو الانبهار بها، كما فعل سالم، وهناك من يذهب بهدف مسبق وهو فضحها، كما فعلت سويف. صحيح أن الاثنين ذهبا برؤى مسبقة، ولكن هذا يعني أيضاً أن الموضوع ليس موضوع “الذهاب إلى إسرائيل”، وإنما “الموقف من إسرائيل”، وهذا فارق ضخم بين شعار أعمى ووعي مبصر قليلاً. ومثال آخر: بينما جموع المصريين بنخبهم الثقافية والسياسية تشاهد مسلسل “رأفت الهجان”، لم يفكر أحد في اتهام الجاسوس المصري بالتطبيع مع العدو، ولا اتهم أحد الكاتب صالح مرسي بـ”أنسنة العدو”؟ بل ظل مؤلف القصة “صالح مرسي”، محبوباً من جموع الناصريين والقوميين في مصر ومعبراً عن أفكارهم، لماذا حدث هذا بينما كان كان الكاتب يصور الحياة في إسرائيل بإيجابياتها وسلبياتها، ويؤنسن العدو، بل وقد أجرى حواراً مع جريدة “هاآرتس” بعد عرض المسلسل؟ الإجابة، لأن شعار المقاطعة ليس مجنوناً تماماً. لأنه في نقطة ما من عقله، نقطة غير واعية بنفسها، يفّرق بين التعامل مع إسرائيل وبين الموقف من إسرائيل.

الشعار ليس مجنوناً تماماً، ولكنه أيضاً ليس ذكياً بما يكفي، ويلزم له كي يكون فعالاً أن يتخلص من الجهل والرؤى المسبقة شديدة العمومية، حتى يعرف متى يكون سلاحاً فعالاً، ومتى يرتد السلاح إلى صدر صاحبه.

—–
* تصويب: تبين لي بعد نشر المقال أن “المركز الأكاديمي الإسرائيلي” لا يتبع السفارة الإسرائيلية في القاهرة وإنما “الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم والإنسانيات”، والتي هي بحسب تعريف صفحة “وزارة الخارجية الإسرائيلية” على الإنترنت: “ممثلة دولة إسرائيل أمام المؤسسات العلمية الدولية والمعاهد العلمية المحلية”.. وأعتذر بشدة عن هذا الخطأ.

اعلان
 
 
نائل الطوخي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن