Define your generation here. Generation What

عن الوقوع الاختياري “تحت السيطرة”!

لا تبدو لي الكتابة المتكررة عن مريم نعوم وأعمالها الدرامية أمرًا مملًا، وبخاصة أنها هي أيضًا لا تملّ من بذل كل ما في وسعها لإبراز مهاراتها في إبهارنا كمشاهدين، ليس فقط على مستوى اللغة الدرامية المتطورة التي تعتمد عليها، وإنما أيضًا على مستوى القضايا التي تطرحها والتي حتى وإن كان قد تم التطرق إليها فنيًا من قبل، إلّا أن مريم نعوم تملك دائمًا القدرة على تناول تلك القضايا من منظورها بالغ الخصوصية والغارق حتى النخاع في البحث عن التفاصيل الأكثر إنسانية، والتي قد تتوه في زحام الشعارات.

أتابع مثل الكثير منذ بداية شهر رمضان أحدث إنتاجات مريم نعوم الفنيّة، ألا وهو مسلسل “تحت السيطرة” الذي شاركها في كتابة قصته تامر محسن، بينما تصدت هي لكتابة السيناريو والحوار، والحقيقة أنّني في البداية كنت متخوفًا من متابعة المسلسل، وبخاصة أنّ الإدمان طالما كان موضوعًا شديد الوطأة على المستوى النفسي من ناحية، بالإضافة لكونه على مدار السنوات فخًا دراميًا من ناحية أخرى، بل إنّه نادرًا ما نجا من هذا الفخ الباحثون عن صيغة إبداعية للتعامل معه، إلّا أنني وجدت نفسي يومًا بعد يوم وحلقة بعد حلقة عاجزًا عن الانفصال عن أبطاله وصراعاتهم وحكاياتهم، ولكن ما أدهشني بحق هو اكتشافي أنني لست وحدي من انتابته تلك الحالات من الخوف والحنين إلى حلقات المسلسل اليومية، وبأن هناك أعدادًا كبيرة من جموع المشاهدين أصبح “تحت السيطرة” بالنسبة لهم جرعة درامية لا يستوي اليوم من دونها، بل أضف إلى ذلك تلك الحالة من الجدال اليومي بين الأصدقاء والمعارف سواء عبر وسائل الإعلام الاجتماعي أو من خلال الأحاديث الشخصية حول شخصيات المسلسل؛ حيث يتصدى كل منا للدفاع عن شخصيات “تحت السيطرة” أو انتقادها، فما بين من يرى أنّ “سلمى” قد فعلت الصواب حينما أجهضت ومن يرى أنها كان يجب وأن تعطي “طارق” فرصة ثانية، وبين من يرى في علاقة “هانيا” و”علي” حالة من حالات الرومانسية التي يقف المجتمع في وجهها ومن يراها نوعًا من الاستغلال الجنسي حتى وإن أخذ شكل الزواج بعد ذلك- من قبل “علي” لـ “هانيا”، والتي هي في النهاية طفلة لم يتجاوز عمرها السادسة عشر. انشغلنا جميعًا بتلك الجدالات اليومية وربما لم ننتبه في زحام تلك الجدالات لسؤال أصبح من الضروري أن يتم طرحه حين الحديث عن “تحت السيطرة”، هذا السؤال هو ببساطة: لماذا يمكننا اعتبار “تحت السيطرة” انتصارًا تليفزيونيًا تحقق أخيرًا وبعد طول انتظار؟! الإجابة أيضًا لا تقل بساطةً عن السؤال وتكمن في اسم كاتبة المسلسل “مريم نعوم”، التي بجانب موهبتها وقدرتها على تحويل أصعب القضايا الاجتماعية وأكثرها إشكالية إلى مادة درامية غنية، إلا أنها في هذا المسلسل بالذات تسلحت بقيم وأفكار وتصورات أضافت كثيرًا إلى تلك الموهبة وجعلت من المسلسل حالة استثنائية على النحو الذي نستعرضه في السطور التالية:

لكن نجّنا من الشرير

الكثير خاضوا “التجربة” وحاولوا التعامل إبداعيًا مع موضوع الإدمان، ولكن كان المأزق دائمًا هو إشكالية التعامل مع هذا الموضوع المربك والشائك باعتباره لغزًا غامضًا أو كائنًا فضائيًا سقط فجأة على الكوكب وبات أمرًا واقعًا لا بد من التعامل معه، وهذا تقريبًا الفخ نفسه الذي وقع فيه كثير من المبدعين حينما حاولوا التعامل أيضًا مع قضية التطرف الديني في الثمانينيات والتسعينيات، إلّا أنّ مريم نعوم نجت من هذا الفخ، ولا أتصور أنها كانت لتنجو لولا وعيها بكل تلك التخوّفات والإشكاليات. مريم لم تتوقف كثيرًا عند الخوف وأزاحت عن الإدمان قناع الكائن الفضائي، فذهبت إلى أقصى اليمين تارة وإلى أقصى الشمال تارة أخرى باحثة عن كل معلومة قد تجدها وعن كل تفسير قادر على إزالة هذا الغموض الوهمي، ولكنّها لم تتوقف أيضًا عند ذلك، بل بحثت بداخلها عن كل ما تملكه من جدّية وأودعتها بين سطور “تحت السيطرة”.

نعم لقد فرضت علينا مريم نعوم احترام المسلسل الذي كتبته والتعامل معه بجديّة؛ لأنها منذ اللحظة التي فكرت فيها في كتابته تعاملت معه بالمثل ولم تدخر جهدًا في البحث عن معرفة أضافت لها وللمسلسل وللمشاهدين على حد سواء، والحقّ أنّه لولا هذه الجدّية كان “تحت السيطرة” ليصبح مجرد عمل درامي آخر عن الإدمان لا يسمن ولا يغني من جوع.

بعيدًا عن الملائكة والشياطين

الجديّة في “تحت السيطرة” لا تقف عند هذا الحد بل تمتد إلى الشخصيات الدرامية التي خلقتها مريم نعوم والتي يمكن وصفها باعتبارها “شخصيات عادية”، وبالطبع ليس المقصود من هذا التوصيف أنّها شخصيات مكررةّ أو نمطية أو أن هناك استسهالًا من أي نوع في صياغة ملامحها الدرامية بل العكس تمامًا.

شخصيات “تحت السيطرة” عادية بمعنى أنها شخصيات من لحم ودم، فأنت هنا في مسلسل اجتهد قدر استطاعته في الابتعاد عن كل الصور النمطية المرتبطة ليس فقط بالمدمنين وإنّما أيضًا بالأشخاص الذين يقعون في نطاق دوائرهم الشخصية والاجتماعية.

عندما تنظر إلى “مريم، طارق، علي، هانيا، إنجي، معتز وآخرين” لا تجد الثنائية نفسها التي اعتمدت عليها الأعمال الدرامية التي تعاملت مع الإدمان، والتي ظلّت تتعامل مع المدمنين باعتبارهم إما “ولاد الناس” الذين انحرفوا بسبب الثراء الفاحش، أو “الفقراء” الذين ضاعوا بسبب الجوع.

في “تحت السيطرة” لديك تنوع طبقي واجتماعي مضاف إليه كثير من التفاصيل الإنسانية التي جعلت من شخصيات المسلسل واقعًا يمكن لكثير من المشاهدين أن يشعروا به وأن يلمسوه، وربما هذا ما يفسر حالة الخوف التي انتابت كثير من العائلات التي تابعت المسلسل، والتي ظنّ البعض أن السبب وراءها هو أن “تحت السيطرة” مسلسل “تعليمي”، في حين أنّ السبب الحقيقي وراء تلك الحالة من الخوف هو مدى قدرة مريم نعوم على تحويل لوحات المسلسل الدرامية إلى واقع مألوف للمشاهد، وإن كان الإنجاز الحقيقي لمريم نعوم في هذا المسلسل هو قدرتها على إزالة حالة الوصمة المرتبطة بالمدمنين وتحويلها إلى حالة من التعاطف الإنساني غير الملفق والمبتذل على حد سواء، وهذا ببساطة لأنها قدمت صورتهم البشرية بكل أخطائها ومحاسنها معتمدة في ذلك على تقدير للتفاصيل وإحساس بمعاناة أبطالها الدراميين، فهي في النهاية ليست من هواة الشخصيات ملائكية الطابع أو شيطانية الهوى ولا تميل للخطابة أو الأحكام الأخلاقية فيما تقدمه.

بالمنطق نفسه تعاملت مريم نعوم مع الشخصيات المحيطة بالمدمنين، ولعل ذلك بدا أكثر وضوحًا في شخصية “سلمى” زوجة “طارق”، والتي جسدت دورها “إنجي أبو زيد”، فحالة الانقسام الحادة في الآراء ما بين متعاطف مع أو منتقد لـ “سلمى” بسبب الطريقة التي تعاملت بها مع زوجها،وبخاصة بعد واقعة الإجهاض تعتبر أبرز مثال على نجاح مريم نعوم في كسر حالة المثالية التي ارتبطت في أذهان المشاهدين بشخصية “سلمى”، والتي هي في النهاية زوجة وجدت مصيرها بات شديد الارتباط بزوج كان وما زال وسيظل يكذب عليها حتى النهاية، بل ورأت حياتها تتحول إلى دائرة مفرغة من التوقعات المتفائلة والإخفاقات المرعبة، وبالتالي بدا ما فعلته شديد المنطقية والواقعية حتى وإن جعلها تخسر تضامن بعض المشاهدين.

النساء أولًا وأخيرًا

عندما شاهدت كيف تحولت حالة الخصومة بين “مريم/نيللي كريم” و”سلمى” إلى حالة من الصداقة والتضامن أدركت أنه ربما لو كان تصدى لكتابة “تحت السيطرة” كاتب آخر أو كاتبة أخرى لكان تحول “تحت السيطرة” إلى مسلسل عن قصة انتقام “مريم” من “سلمى”؛ حيث كثير من البهارات الدرامية التي تميل إلى إثبات الأسطورة الخالدة التي تقول:إن كيد النساء عظيم وأنّهن عدوات أنفسهنّ وبعضهنّ البعض. المفارقة الحقيقية أن هذه الفكرة التي خطرت في ذهني بكل عبثيتها إلا أنها تبدو منطقية في ضوء الدراما التليفزيونية والسينمائية المصرية التي تصرّ في كثير من الأوقات على تجنب رؤية النساء وتجاربهنّ، بل إنّه حتى إن حدث  ورأتهنّ فهي لا ترى أبعد من صور نمطية باتت أمرًا واقعًا على الشاشة تصورنا لسنوات طويلة أنّه سيظل هكذا إلى الأبد، إلاّ أن مريم نعوم تعطينا مساحات من الأمل الذي ينبهنا إلى أن هذا الواقع يمكن تغييره. فعلت هذا في “ذات” وبات أكثر وضوحًا في “سجن النسا”، إلّا أنّه في “تحت السيطرة” يأخذ مسارًا مختلفًا نظرًا لأنّ التحدي أكثر صعوبة.

أنت هنا أمام عمل درامي يؤكد منذ اللحظة الأولى أنه بصدد التعامل مع قضية ما بكل أبعادها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية، على عكس “ذات” و”سجن النسا”، والتي كانت في النهاية أعمال تركز في بنيتها الدرامية على حكايات لنساء بعينهنّ، وهو الأمر الذي زاد من صعوبة التحدي أمام مريم نعوم التي تعلم جيدًا أن كونها امرأة تتصدى لكتابة عمل كهذا وأن تصدي “نيللي كريم” كامرأة لبطولة المسلسل جعلنا أكثر ترقبًا لرؤية كيف ستنجح في ربط صراعات ورحلات بطلاتها الشخصية بموضوع بالغ التعقيد كالإدمان، وربما جاء الوقت لكي نعترف بأن “مريم نعوم” لم تخذلنا، بل على العكس جعلتنا أكثر إيمانًا بأنّ في أعمالها الدرامية محاولات لتقديم ما هو أقرب لطرح نسوي قادر على خلق مساحات للنساء حتى في زحام أكثر القضايا تعقيدًا.

سواء اعتبرنا انفصال “حاتم” عن “مريم” مبررًا لانتكاستها وعودتها للإدمان أم لا إلاّ أنّ هذا لا ينفي أن “مريم نعوم” جعلت من هذا الحدث محورًا من محاور النقاش المجتمعي الدائر حول المسلسل. أزمة (مريم/نيللي كريم) في “تحت السيطرة” ليست فقط أنها مدمنة انتكست ثم تعافت، وإنما أزمتها في الأساس هي في دلالات وتبعات ارتباط صفة الإدمان بكونها امرأة في الأساس، ولذا أهم ما يحسب لـمريم نعوم في “تحت السيطرة” هو قدرتها على صياغة تلك الدلالات بسلاسة جعلت من حياة (مريم/نيللي كريم) الشخصية عنصرًا فاعلًا في المسلسل يؤثر في علاقتها بالإدمان ويتأثر بها لتصبح الوصمة في النهاية أكبر بكثير من وصمة الإدمان.

تظل حلقة يوم السبت 11 يوليو بمثابة تتويج درامي للإشكالية المرتبطة بتعقيدات علاقة النساء بالإدمان؛ حيث تجد (مريم/نيللي كريم) التي تفاجأ بالرجل الذي كان قد أبدى إعجابه بها في البداية وعرض عليها الزواج وقد تغيرت نبرته مثلما تغير هدفه من إعجابه بها لتصبح جملة “ممكن نتصاحب” بالنسبة له عرضًا أكثر منطقية نظرًا لكونها مدمنة متعافية؛ حيث أصبحت تلك الصفة دليلًا على كون (مريم/نيللي كريم) بالنسبة له “امرأة متاحة”، وبينما تحاول أن تفيق من تلك الصدمة تفاجأ بطليقها وقد قرر أن يحرمها من ابنتها دون أن نعلم ما إذا كان سببه الحقيقي هو “الغيرة” أم هو حقًا لا يراها كامرأة “لها ماضي” في الإدمان قادرة على تربية ابنته؟ وسواء كان هذا أم ذاك تظل معاناة “(مريم/نيللي كريم) واحدة في كل الأحوال بل ومرتبطة بشكل أصيل وعميق بالثمن الذي عليها أن تدفعه كامرأة في النهاية في مواجهة منظومة عاجزة عن منحها أبسط صور العدالة.

في الحلقة نفسها تجد حوارًا شديد البساطة والقوة في الوقت ذاته يدور بين “إنجي” و”طارق” والذي يندهش لكونها حزينة على حبس زوجها، ويعلل ذلك بأن لديها علاقات مع كثير غيره ولتجد هي نفسها في النهاية بحاجة إلى “تبرير موقفها” أمامه. قبل أن نفيق من صدمة هذا الحوار تفاجئنا جملة أخرى من “علي” لـ “هانيا” حين يقول لها: “أنتي اتجوزتيني من ورا أهلك أنا أختي مش زيّك”.

نعم يمكننا القول إن مريم نعوم لم تعتبر الإدمان بضراوته وقسوة وصمته كافيًا للتعبير عن معاناة بطلاتها، بل استدعت من رحلاتهنّ الشخصية ما يضيف إلى تلك المعاناة أعباء من التصورات والأحكام المسبقة التي تقلل منهنّ ليس فقط في نظر مجتمعاتهنّ بل وفي نظر أقرب الأشخاص إليهنّ، والذين في معظم الأحوال ليسوا فقط رجالًا، بل أيضًا شركاء في فعل الإدمان والذي يبدو أنّه فعل لا يقبل سواء في تنفيذه أوتبعاته أو وصمته بالمساواة بين فاعلينه وفاعلاته.

في “تحت السيطرة” غضب أطلقته مريم نعوم تجاه منظومة ثقافية واجتماعية ظالمة تميل إلى جعل النساء تدفع دائمًا أثمانًا مضاعفة، وتمنح الرجال أدوات للسلطة حتى في أكثر لحظاتهم ضعفًا،إلا أن غضب مريم نعوم بطيء وهادئ تسلل إلى مسامنا ثم انتبهنا إلى وجوده فجأة ونحن نتابع ذلك المشهد كئيب الجماليات الذي تعود فيه “هانيا” إلى “علي” بعد أن تم اغتصابها على يد تاجر المخدرات الذي سلمها له زوجها.

إلى جانب كل ماسبق سيظل محسوبًا لـمريم نعوم قدرتها على تمرير دفاع يخلو من المباشرة أو الاعتذارية على حد سواء عن اختيارات إنجابية “مشهد إجهاض سلمى على سبيل المثال” وعاطفية وجنسية وشخصية لبطلاتها، وهو الأمر الذي حتى وإن جعل بعض المشاهدين ينشغلون ولو لوهلة بإصدار أحكام أخلاقية تجاه هؤلاء النساء، إلا أنه تسبب على الأقل في فتح حوار في كثير من البيوت حول اختيارات شخصية وقضايا اجتماعية طالما تخوف الكثير من مجرد التفكير في الاقتراب منها.

في النهاية سيظل الانتصار الحقيقي الذي حققته مريم نعوم هو وقوعنا كمشاهدين بشكل اختياري وواعٍ تحت سيطرة مسلسل تليفزيوني يجعلنا نقف في مواجهة مخاوفنا وآلامنا التي تصورنا أننا لو أدرنا ظهرنا لها لن تلاحقنا.

اعلان
 
 
طارق مصطفى