Define your generation here. Generation What
نظرة ثانية على مداهمة “قاتلة”
 
 

أثناء سفرهم من محافظات الدلتا في الأول من يوليو لحضور الاجتماع الأسبوعي السري في إحدى المناطق المهجورة بالضواحي الواقعة جنوبي العاصمة، لم يكن تسعة من كبار كوادر الإخوان على علم بأن خمسة أفراد من القوات الخاصة التابعة للشرطة يستعدون لما سيصبح بعد ذلك مداهمة مميتة.

فبداخل شقة صغيرة بمبنى أصفر اللون مكون من خمسة طوابق في منطقة السادس من أكتوبر، كان التسعة- الخمسينيون في معظمهم، وضمنهم محامون بارزون وبرلمانيون سابقون- قد خلعوا أحذيتهم وجلسوا متربّعين حول منضدة خشبية صغيرة في الصالة وحولهم كومة من المال والأوراق.

بحلول الساعة التاسعة صباحًا، اتصل واحد على الأقل من التسعة بأحد أقاربه لطمأنته على وصولهم بسلام، وبعد مرور ساعتين كانوا كلهم قد قُتلوا.

الدافع وراء حادث القتل الذي هز مساكن “أبو الوفا” الهادئة يبقى غامضًا، بعد أن ملأت الشهادات المتضاربة من كلا الطرفين الفجوات الناتجة عن نقص المعلومات بخصوص ما حدث بين المداهمة والقتل.

الرواية الرسمية

بدأت المداهمة الأمنية عقب ورود معلومات لجهاز الأمن الوطني عبر أحد مرشدي الشرطة عن اجتماع قادم لـ “قادة عمليات نوعية يخططون لشن سلسلة من الهجمات التخريبية بهدف تعطيل الدولة”- حسبما صرح مسؤول أمني رفيع المستوى لـ«مدى مصر» بمكتبه داخل قسم ثان السادس من أكتوبر. وأضاف أن الهجمات كانت لتتم في الذكرى الثانية لعزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي- وحسبما أفاد المصدر، فقد تم إرسال قوة قبيل عقد الاجتماع لفحص المكان.

وأفاد مسؤولون آخرون شهدوا المداهمة، من ضمنهم ضابط مباحث جنائية رفيع المستوى، أن “الإسلاميين” كانوا المبادرين بفتح النيران من وراء باب مغلق داخل الشقة لحظة اقتراب القوة، مما بدأ معركة بالأسلحة النارية انتهت بموت التسعة كلهم، وقد أضاف أن المداهمة بدأت في حوالي الساعة العاشرة وانتهت بعد ساعة ونصف الساعة.

وحسب الرواية الأمنية، عثرت القوات على وثائق بعنوان “الحسم” تضمنت التخطيط لتنفيذ هجمات تخريبية من ضمنها الهجوم على أقسام الشرطة.

وعلى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على “فيسبوك”، نشرت السلطات الأمنية صور ومقطع فيديو لصور الجثث الملطخة بالدماء، أظهرت أربع جثث وجهها لأسفل مصفوفة بجانب بعضها، في حين ظهرت اثنتان في وضع الجلوس خلف المنضدة الخشبية، وظهر سلاحان آليان لونهما أسود في الصور بجانب الجثث الهامدة التي كان بجوار كل منها ورقة تحمل اسم صاحبها.

وحسب الصور المنشورة، ظهرت الشقة سليمة دون آثار لطلقات نارية أو بقع دماء ظاهرة، ولم تظهر أي آثار لمقاومة القوة التي داهمت الشقة، حتى المنضدة ظلت في مكانها وفوقها النقود والأوراق.

وقد باءت بالفشل جميع محاولات الوصول إلى “مدّعو نيابة أمن الدولة” للتعليق على تصريحات المسؤولين، ورفض المستشار تامر الفرجاني- المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا، والمسؤول عن القضية- أن يعلّق قبل أن “ننتهي من كل شيء”.

وذكرت نسخ تصاريح دفن المقتولين التي حصل عليها «مدى مصر» أسباب الوفيات، فبالإضافة لطلقات الرصاص ورد في معظمها: كسر في العظام، ونزيف داخلي و”تهتك بالأحشاء”.

death certificate 1

death certificate 1

death certificate 3

death certificate 3

death certificate 4

death certificate 4

ماذا رأى وسمع الجيران؟

وفي مساكن “أبو الوفا”، تم تحصين باب الشقة ببوابة أخرى حديدية سوداء، وكانا مغلقين بإحكام وقت زيارة مراسلنا، وخرج من أسفل البابين سلكان موصّلان بصحنيّ قمر صناعي “دش” يقعان خارج الشقة، ولطّخت بقع دم جافة أرضية مدخل الشقة، وتناثرت القفازات الطبية بطول السلم وظهر بجانب مدخل المبنى قمامة وأحذية ملقاة وشباشب، وجرو نافق.

وحسبما أفاد السكان، فقد استيقظوا على أصوات إطلاق النيران، مما دفع المذعورين لإغلاق أبوابهم على أنفسهم لقرابة نصف يوم، وأسرعت إحدى ربات البيوت إلى داخل شقتها بعد أن كانت متجهة للخارج لإلقاء القمامة حين سمعت إطلاق النيران- وحسبما تتذكر- كان هذا نحو التاسعة والنصف صباحًا، قبل أن يعود الهدوء ثانيةً، أما البائعة في كشك الخضراوات الذي يبعد أمتارًا من مدخل المبنى، فقد أمرتها قوات الأمن بالبقاء في الداخل.

بعد مرور ساعات، وأثناء سماع أذان المغرب، اصطفت تسع سيارات إسعاف أمام المبنى، حسبما أفاد شاب يعمل في شركة مقاولات مجاورة، وحمل رجال الإسعاف جثث القتلى للسيارات واحدًا تلو الآخر في أكياس بلاستيكية سوداء.

رواية ذوي القتلى

في الوقت نفسه، يقول ذوو القتلى: إن الجثث حملت علامات تعذيب وطعن وإصابات أخرى لا يمكن أن يسببها إطلاق النيران، فضلًا عن أن أصابع القتلى كانت ملطخة بالحبر، وهو ما يشير، في رأيهم، لأن القتلى قد اعتقلوا وتم استجوابهم قبل وقوع القتل، وتضيف عائلاتهم بأن قتلاهم قد تجمعوا لفرز تبرعات تم تجميعها لأسر المعتقلين، وأن الشرطة قد احتجزتهم قبل تصفيتهم “بدم بارد” إما للتستر وإما للثأر من الهجمات الإرهابية الصادمة على الجيش المصرى صباح اليوم نفسه في شبه جزيرة سيناء البعيدة عن مسرح الأحداث. لكن أهالي المقتولين لا يمتلكون أي دليل على صحة مزاعمهم.

وهاجم مسؤولون ادعاءات ذوي القتلى، بزعم أن أخذ بصمات الأصابع إجراء طبيعي، وأن الطلقات المستخدمة في القتل من عيار 9 مللي، أي أنها لا تتسبب في أن يخرج الدم منفجرًا، أما تقارير الطب الشرعي، وهي الدليل الوحيد على أي تعذيب، فلم تصدر بعد.

المحامي سيد أبو عرب- وهو أحد كثيرين يرفعون دعاوى قضائية ضد وزارة الداخلية متهمين إياها بارتكاب “جريمة قتل”- يصف التسعة بـ”نواة” القيادة لأربعة على الأقل من محافظات الدلتا و”حلقة الوصل الرئيسية بين المحافظات وكوادرها الأصغر من جهة وبين قيادة الجماعة من جهة أخرى”، ويضيف: “من شأن هذا تحطيم الجماعة، فهي ضربة موجعة لها وستسبب جرحًا عميقًا للتسلسل القيادي للجماعة”.

ونشر الإخوان المسلمون بيانًا في أعقاب الواقعة، وصف القتلى بأنهم “أعضاء لجنة الدعم القانوني والحقوقي والنفسي للمضارين من أسر المعتقلين والشهداء بالجماعة”، وأكدت الجماعة فيه على كون “عملية الاغتيال بحق قياداتها تحول له ما بعده، ويؤسس به المجرم عبد الفتاح السيسي لمرحلة جديدة لا يمكن معها السيطرة على غضب القطاعات المظلومة المقهورة التي لن تقبل أن تموت في بيوتها وسط أهلها”، ورأى البيان أن مصر تتحول إلى “دولة عصابات خارجة عن القانون”، مؤكدًا أن “هذه الدماء الزكية ستكون لعنة على هؤلاء القتلة”.

رحلة الهروب والمطاردة

كانت قوات الأمن المصرية قد وجهت في الآونة الأخيرة ضربات موجعة للكوادر الوسيطة في جماعة الإخوان المسلمين، خصوصًا بعد اعتقال أغلب القيادات أو هروبهم خارج البلاد.

القتلى التسعة كان من بينهم هشام خفاجي- القيادي الكبير بالقليوبية وزوج البرلمانية هدى غنية-، والمحامي هشام وضاح من الغربية، ورجل الأعمال عبد الفتاح إبراهيم عطية السيسي الذي يصفه مسؤولو الأمن بـ”وزير دفاع” الجماعة، في حين تصفه الجماعة برئيس “لجنة دعم أسر الشهداء والمصابين”، بالإضافة لطاهر إسماعيل- نائب رئيس المكتب التنفيذي للإخوان بالقليوبية، وسيد دويدار- البرلماني السابق بكفر الشيخ، وجمال خليفة- كبير مسؤولي الإخوان بالمنوفية، والذين كان معظمهم هاربين وكانوا يغيرون أماكن إقاماتهم من وقت لآخر لتفادي الاعتقال، ولم يبيتوا في منازلهم لأشهر ولا يكلمون عائلاتهم إلا في حالات الطوارئ.

كما كان وسط التسعة أسامة الحسيني (55 سنة)، وهو مرشح برلماني سابق في انتخابات 2010 ورئيس مركز ومدينة مطوبس بكفر الشيخ، وترأس نقابة المعلمين الفرعية بدسوق، وقال ابنه عصام إن أباه، وهو رجل أعمال كان معلمًا في السابق، مطلوب على ذمة قضايا متعددة ويواجه أحكامًا مختلفة من ضمنها حكم بالسجن لمدة 21 سنة، وكان دائم الفرار والاختباء في شقق بالإسكندرية ومحافظات أخرى، وأضاف عصام أن الاجتماع الأسبوعي كان يعقد كل مرة في مكان مختلف، وأنه كان يعلم أن اجتماع هذا الأسبوع سيكون في القاهرة، ولكنه لم يكن على علم بالغرض من الاجتماع، وأصيب الحسيني بعدة طلقات أصابت النصف العلوي من جسمه، ويقول الابن إنه وجد يد والده مكسورة “استطعت رؤية العظام وهي خارجة من الجلد”، وأفاد بوجود عدة طعنات بالكتف. كان الأب قد ترك هاتفه بالمنزل وتلقى ابنه مكالمة في الساعة 9:05 من عضو آخر بالاجتماع تفيد بأن والده وصل سليمًا، وكان الحسيني يسير مستعينًا بعصا خشبية، ويعاني مرض السكر وفقد البصر بإحدى عينيه، حسبما أفاد الابن، الذي استكمل متعجبًا: “انظروا للصور، أبي بعيد عن عصاه، كيف؟ إنه لا يستطيع السير خطوة واحدة دونها” مضيفًا: “أعتقد أنهم قد قتلوه في مكان ما خارج الشقة”.

أما المحامي البارز والبرلماني السابق ناصر الحافي، وهو من القليوبية، فقد كان مختبئًا منذ سنتين عقب صدور الحكم ضده بالإعدام في قضية الهروب من السجن في 2011، وهي القضية التي صدر فيها الحكم ضد مرسي نفسه بالإعدام أيضًا، وقد قال ابنه أحمد إن آخر يوم رأى فيه أباه كان في 15 أغسطس 2013، عقب فض اعتصام المتمدد للإخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية، والذي شهد قتلى بالمئات ومصابين بالآلاف.

أما معتصم العجيزي (25 سنة)، رئيس اتحاد طلبة جامعة المنصورة المنتخب، فقد ترك مدينته المحلة في محافظة الغربية عقب صلاة الفجر بعدما أبلغ والدته أنه سيخرج- حسبما أفادت والدته-، والتي أضافت: “لم يقل غير: لا تقلقي سأكون بخير، لقد كان كالصندوق الأسود ولا يتحدث نهائيًا عن عمله، لقد اختار أن يكون شهيدًا، صحيح أنه كان يصلي ودائمًا ما كان يتحدث عن الجنة، ولكن الفراق مؤلم”، وأوضحت أن ضلوعه قد تكسرت وكان بجثمانه خمس رصاصات.

إعادة حكي المشهد

داخل قسم شرطة 6 أكتوبر، أعاد ضابط مباحث جنائية رفيع المستوى ممن شهدوا الواقعة حكي المشهد، فقال مشيرًا إلى باب مكتبه إن الإسلاميين فتحوا النيران من خلف الباب الخشبي لحظة اقتراب القوات من الباب، مما دفع القوة المكونة من خمسة أفراد للرد على النيران، وقال وهو يخرج الرصاص من سلاحه ليبين طلقات صغيرة شبيهة بتلك التي استخدمت في القتل “هم من بدأ ولم يكن لدينا أي خيار بديلًا عن الرد بإطلاق النار، والأسلحة المستخدمة في إطلاق النار أسلحتنا”، وأضاف قائلًا: “ثم حدثت المناوشات قبل أن نقتلهم بالرصاص”- وحسب روايته، فإن الثلاثة الذين كان معهم أسلحة هم: الحافي والسيسي وإسماعيل، ومع ذلك فقد أكد مسؤول أمني آخر عدم وجود دليل واحد على ارتباط التسعة بالهجمات السابقة بما فيها اغتيال النائب العام هشام بركات، فحسبما قال: “هذه المسائل منفصلة.. لكنهم كانوا يخططون لهجمات مشابهة”، وحسب التوقيت الذي أفاد به- والمتضارب مع توقيت إفادات الشهود وذوي القتلى-؛ فإطلاق النيران بدأ في العاشرة وانتهى حوالي الحادية عشرة والنصف مساءً، ولكن القوات غادرت مسرح العمليات بين السابعة والثامنة مساءً، وحين سألناه عما إذا كانت القوات كانت مشحونة بسبب هجمات سيناء صباح ذلك اليوم، هز رأسه قائلًا: “لسنا بمرتزقة، نحن قوة محترفة ولن نفعل مثل ذلك”.

مفهوم جديد للعدالة؟

وعلى مر السنتين الماضيتين، منذ عزل الرئيس المنتمي للإخوان المسلمين محمد مرسي من منصبه، ومصر غارقة في العنف، وقد أثار حراك مؤيدي مرسي، الذي تضمن تظاهرات حاشدة واعتصامات تطالب بإعادته لمنصبه طوال أشهر عدة، فرض حملات أمنية صارمة، فالآلاف من أعضاء الجماعة ومؤيدوهم بين قتيل ومصاب ومعتقل، وصدرت أحكام إعدام ضد القيادات العليا للجماعة في محاكمات جماعية، وفر العديد من البلد في حين ظل آخرون مطاردون داخلها، وأعلنت الحكومة أن الإخوان جماعة إرهابية في الوقت الذي تشن جماعات أكثر راديكالية وعنفًا (مثل تنظيم الدولة الإسلامية بسيناء) تفجيرات انتحارية وهجمات قاتلة تستهدف بشكل رئيسي الشرطة والجيش.

ومع ذلك فالخوف من أن يصبح الإعدام خارج نطاق القضاء من المميزات الجديدة للعصر، حين تستخدم الشرطة القوة المفرطة لتصفية حساباتها بسرعة مع الإسلاميين بعيدًا عن ساحات القضاء، خصوصًا مع اتهام إسلاميين الحكومة بالاستجابة لتعهد عبد الفتاح السيسي، الرئيس الحالي وزير الدفاع سابقًا، بـ”العدالة الناجزة” والإسراع في تنفيذ عقوبات الإعدام، وهو العهد الذي قطعه في جنازة النائب العام هشام بركات، قبل يوم واحد من قتل القيادات الإخوانية التسعة، ويعد بركات- الذي اغتيل في هجوم بسيارة محملة بالمتفجرات- أول مسؤول مصري رفيع يتم اغتياله على يد إسلاميين مشتبهين منذ أكثر من ربع قرن.

حين سألنا ضابطًا أعلى رتبة بالمباحث الجنائية بقسم السادس من أكتوبر، عما إذا كانوا قد قرروا التخلص من أعضاء جماعة الإخوان استجابةً لدعوة السيسي لـ”عدالة ناجزة”، قال: “أتمنى فعلًا لو كان باستطاعتنا ذلك، لكننا لا نستطيع”.

اعلان