Define your generation here. Generation What
لهذا تتجول المُفخّخات في شوارع القاهرة
 
 

استيقظت القاهرة صباح اليوم، السبت، على صوت تفجير مبنى القنصلية الإيطالية بشارع الجلاء، والذي خلّف قتيلا واحدًا، هو أحد الباعة الجائلين، وعشر مصابين غادر ثمانية منهم المستشفى بعد تلقي العلاج- بحسب تصريحات وزارة الصحة. وأدلت قيادات شُرطية بتصريحات للإعلام أكدت فيها أن الانفجار تم بواسطة سيارة مفخخة فُجّرت عن بعد. كما أوضحت المعاينة المبدئية للنيابة أن السيارة تحمل لوحة أرقام “ملاكي السويس”. ويأتي ذلك الحادث بعد عملية اغتيال النائب العام هشام بركات، قبل أقل من أسبوعين، قرب منزله بمصر الجديدة، والهجمات الإرهابية الأخيرة على نقاط تمركز وكمائن الجيش في شمال سيناء، ليطرح المزيد من التساؤلات حول قدرات الأجهزة الأمنية على مواجهة تحركات المجموعات المسلحة وعن كيفية وصول سيارة مفخخة إلى وسط القاهرة بالقرب من دار القضاء العالي وماسبيرو ووزارة الخارجية.

وتبنى تنظيم “ولاية سيناء” العملية في بيان منشور على أحد حسابات “تويتر” المنسوبة لتنظيم الدولة الإسلامية. وأضاف البيان، الذي لم تتمكن “مدى مصر” من التأكد من صحته، أن السيارة المستخدمة في العملية احتوت على 450 كيلوجرامًا من المتفجرات. وأوصى البيان “المسلمين” بالابتعاد عن “الأوكار الأمنية” التي وصفها بالأهداف المشروعة لهجمات التنظيم.

يصف اللواء المتقاعد عبد اللطيف البدّيني، مساعد وزير الداخلية الأسبق، مواجهة السيارات المفخخة بأنه أمر في غاية الصعوبة “لأنه لا يمكن منع السيارات من الحركة في الشارع”- بحسب قوله. غير أنه يعود ليؤكد أن التأمين الجيد للشوارع والمناطق الموجود بها منشآت وأهداف حيوية و”تعّقيم” هذه المناطق عبر إحكام الرقابة عليها سيحد من خطورة هذه العمليات ويقلل منها.

ويستدرك البدّيني: “التأمين الجيد وحده لا يمكنه أن يمنع مثل هذه العمليات. فما كان يجب أن يحدث لمكافحة الإرهاب هو اختراق هذه التنظيمات الإرهابية وتوجيه ضربات استباقية لها قبل تنفيذها مثل هذه العمليات”.

يطرح اللواء المتقاعد حديثًا، مجدي الشاهد، زاوية أخرى؛ حيث انتقد في مكالمة تليفونية مع “مدى مصر” السياسات الأمنية الحالية، قائلا: “هناك حالة من عدم الفهم لمفهوم اللأمن بالدرجة الأولى”. وأضاف أن هناك مدرسة تقليدية في التأمين متفشية في الجهاز الشرطي في مصر تعتمد بشكل أساسي على العنصر البشري والانضباط.

يشرح الشاهد قائلا: “لا يمكن الاعتماد في التأمين على توفير فرد أمن لكل مواطن، أو توفير حماية كل أبراج الكهرباء أو كل الأشخاص والمباني المهمة في الدولة عن طريق زيادة العنصر البشري أو رفع عدد ساعات العمل فقط، هذا غير مُجدٍ بالطبع، لكن هناك طُرقًا أخرى”.

ويضيف: “الكمائن موجودة في أماكن محددة وأوقات معروفة، ويمكن تجاوزها عن طريق استخدام الشوارع الجانبية، أو تجنب المرور أثناء وجودها في الشوارع”.

يستطرد الشاهد طارحًا وجهة نظره، أهمية توفير منظومة لـ “المراقبة وجمع المعلومات”، فيقول: “المتاجر الكبرى، التي يزورها الآلاف يوميًا، فهمت أهمية اتباع منظومة أمنية مختلفة. فلم تقم بتوفير فرد أمن لكل زائر، بل اعتمدت على كاميرات المراقبة التي تُغطي المكان بأكمله ويتابعها عدد قليل من أفراد الأمن. الأمر نفسه يمكن استخدامه لتأمين الشوارع”.

ويضيف أنه في دول العالم المختلفة لا ترى عناصر الآمن في الشارع، لكن فور مخالفتك للقانون سيظهرون فجأة. ويكمل: “الأمن هو أن يعلم كل شخص أنه إذا ما ارتكب جريمة أو مخالفة فإنه سيتم الوصول إليه وسيتعرض للعقاب، وهذا يتحقق بهذه المنظومة المتطورة”.

يتفق البدّيني مع ما قاله الشاهد، قائلًا إن التأمين لا يعني مجرد “رصّ” أفراد الأمن أمام المنشآت الحيوية، وأن هناك احتياجًا لتطوير منظومة التأمين.

وحين طرح “مدى مصر” سؤالًا عما يعوق الأجهزة عن تطوير منظومتها الأمنية، أجاب البدّيني أنه يظن أن هناك اعتقادًا داخل وزارة الداخلية بأن اتباع هذه الطرق الحديثة سيكون أمرًا مُكلّفًا، وهو ما يختلف معه قائلًا: “على العكس تمامًا، فاتباع هذه الوسائل سيكون أقل كُلفة، على الأقل سيخفض من احتياج الوزارة إلى كل هذا العدد من الجنود والأفراد الذين لا يملكون شيئًا في الغالب لمنع أي انفجار، بل غالبًا ما يكونوا أول ضحاياه. ولا نحتاج إلى العنصر البشري بشكل مكثف إلا في المواجهات والصدام المباشر، وهي لا تحدث بشكل دائم”.

وفي إطار طرح ما يراه الشاهد من حلول، يذهب إلى ما هو أبعد بحديثه عن الاحتياج إلى المزيد من الإجراءات التي وصفها بـ “الحاسمة”. فيطالب بتفعيل قانون الطوارئ في شقين، وهما “قواعد الضبط في حالات الاشتباه” و”إطلاق يد الدولة في مراقبة الرسائل والاتصالات”.

يقول الشاهد: “لا يمكن أن تتمكن الدولة من محاربة الإرهاب ويدها مغلولة، وهذه الإجراءات هي ما سيجبر التنظيمات الإرهابية إلى العودة إلى تحت الأرض مرة أخرى”.

وأضاف منفعلًا: “لا يجب للدولة الاستماع إلى أصحاب دكاكين حقوق الإنسان. فرجل الشرطة يشعر أن يده مغلولة بسبب هؤلاء. فبمنتهى البساطة يمكن توجيه شكوى ضده وسيُستمع لهذه الشكوى، وهذا ما يجعله يؤثر السلامة ولا يقوم بعمله”.

اختلف البدّيني مع هذا الطرح الأخير، قائلًا: إن “الإجراءات التي تتفق مع معايير حقوق الإنسان كافية للتصدي لمثل هذه الحوادث. ولا يجب أن تعتدي الدولة على الحقوق المشروعة مثل الحق في الخصوصية وإلا أصبحت دولة نازية”.

وأضاف “التشريعات الموجودة حاليًا قد تحتاج إلى بعض التعديلات التي تساعد مأموري الضبط القضائي في القيام بعملهم، لكن لا يجب أن تتعارض هذه التعديلات مع المعايير العالمية لحقوق الإنسان”.

وأكد أن اتباع النهج الذي يرى حقوق الإنسان عائقًا أمام تحقيق الأمن “أثر أشد خطورة من الإرهاب، وتبعاته ستكون هروب الاستثمارات والسياحة، وابتعاد العالم عنا”.

وشدد على أن “التفكير الاستراتيجي يجب أن يتناول التأثيرات المحتملة لأي إجراء، فليس من المعقول أن أتخذ قرارات لحل مشكلة وفي الوقت نفسه أخلق مشكلات سياسية واقتصادية أخرى”.

يطرح علي الرجّال، الباحث في علم الاجتماع السياسي والشؤون الأمنية، زاوية مختلفة لما حدث. فيقول: إن “الهدف من التفجير هو إثبات التنظيم قدرته على فعل ما يشاء. فاختيار مكان العملية بوسط القاهرة التي تشهد تواجدًا أمنيًا مكثفًا وثقيلًا يرسل رسالة للأمن أننا قادرون على الوصول إلى أي مكان. واستهداف منشأة أجنبية الغرض منه إظهار الدولة أمام العالم بمظهر العاجز عن فعل أي شيء”.

ويضيف أن طريقة تعامل “الداخلية” مع الوضع الحالي، وبخاصة أمناء الشرطة الذين يصفهم الرجّال بالذراع الأمنية الحقيقية في الشارع، “ليست على مستوى الحدث”.

يشرح الرجّال تأثيرات ما يصفه بالميراث الأمني الثقيل لحقبة التسعينيات على السياسات الأمنية فيقول: “الداخلية في التسعينيات قررت الاعتماد على سياسة التوغل في المجتمع بشكل لا مؤسسي. فزاد اعتمادها على أمناء الشرطة والمخبرين والبلطجية للسيطرة على مناطق بعينها وضبطها من ناحية، ولمواجهة الإسلاميين من ناحية أخرى. ونجحت هذه الشبكات بالفعل، رغم انحطاطها وإشكالياتها، في تحقيق درجة من السيطرة لصالح الشرطة على المجتمع، لكن هذه الاستراتيجية لن تنجح الآن في هذه المرحلة الجديدة”.

يضيف الرجّال، أن الأساليب المعتادة وشبكات العلاقات القديمة المتغلغلة في المجتمع والوجود الأمني في صورته “اللامؤسسية” (كالأمناء والمخبرين والبلطجية) لن ينجح في ظل الوضع الحالي في وقف الهجمات الإرهابية أو اختراق هذه التنظيمات، بل سيزيد من الفشل- بحسب الرجّال.

اعلان