Define your generation here. Generation What
من يدفع ثمن بَسْط “يد العدالة المغلولة”؟
 
 

في مداخلة هاتفية مع برنامج “على مسئوليتي” مع اﻹعلامي أحمد موسى، أمس الاثنين، قال المستشار محمد ناجي شحاتة، القاضي الذي اشتهر بحزمة من أحكام اﻹعدام التي أثارت كثيرًا من الجدل، في معرض حديثه عن الطرق التي يمكن أن تتحقق بها العدالة، إنه يطالب بـ “تعديل قانون اﻹجراءات الجنائية عشان تبقى اﻷحكام قابلة للتنفيذ”. بانفعال شديد رد عليه موسى: “الناس عايزه تقتل الناس اللي في السجن [اﻹخوان].. عايزين يعدموا الناس اللي لابسين بدلة حمرا النهارده، مش عايزين نقض.. عايز يعدمه دلوقتي”، قبل أن يسأله: “إزاي أعمل الحكاية دي بالقانون؟”. ردًا على السؤال، يسترسل شحاتة في شرح طرق تنفيذ أحكام إعدام سريعة بشكل “قانوني”. “اﻷمر بسيط”، يوضح شحاتة، “تعمل جميع هذه الجرائم [أمام محاكم] جنايات أمن دولة عليا طوارئ، بمعنى إن هنا الحكم يخضع لتصديق رئيس الجمهورية.. ما بيروحش نقض”. لم يكن التخلص من محكمة النقض في محاكمات قضايا اﻹرهاب هو الاقتراح الوحيد الذي تقدم به شحاتة، اقترح القاضي الشهير أيضًا تعديل قانون اﻹجراءات الجنائية الذي “يلزم” القاضي بسماع الشهود في جرائم اﻹرهاب بجعل اﻷمر اختياريًا.

بعد مداخلة شحاتة بوقت قليل، قام وزير العدل المستشار أحمد الزند بمداخلة مع البرنامج نفسه، أكد فيها أن وزارة العدل سوف تتقدم إلى مجلس الوزراء، في اجتماعه المقرر غدًا، بحزمة تشريعية تحتوي على ما اقترحه المستشار ناجي شحاتة، وأضاف أنه “متأكد من أنها ستقر”.

تلك المداخلات التي تكررت عبر قنوات وبرامج أخرى، وتكرر ما طُرح فيها عبر ضيوف آخرين ينتمي معظمهم لمنظومة القضاء، بدت لأول وهلة وكأنها مجرد رد فعل غاضب وسريع، وجماعي، من القضاة بعد حادث اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات أمس. وهو ما جعل البعض يتساءل: هل سيشكل هذا ضغطًا على الرئيس عبد الفتاح السيسي، يدفعه للموافقة على تلك التعديلات والطلبات “التشريعية”، بما يعنيه هذا من أن يصبح هو المسئول عن التصديق على أحكام الإعدام دون اللجوء لمحكمة النقض، ما يسحب منه أحد الحلول “السياسية” التي كان يسوقها حين يُسأل عن أحكام الإعدام الصادرة بحق قيادات الإخوان، مثلما حدث خلال زيارته الأخيرة لألمانيا، وهو ما كان يرد عليه بقوله إنه لا يتدخل في شئون القضاء “المستقل”، فضلًا عن حديثه عن كون الأحكام صادرة في أول درجات التقاضي، وما زال أمامها درجات أخرى يكون بعدها لكل مقام مقال.

إجابة تلك الأسئلة أتت في كلمة السيسي أثناء مشاركته في تشييع جنازة المستشار هشام بركات اليوم، والتي قدمت رؤية متطابقة مع ما قاله شحاتة والزند أمس، من دون أن يُعرف هل هذه رؤيته الخاصة، أم أنها استجابة لضغوط القضاة التي ظهرت أمس؟!

خلال كلمته قال السيسي إن يد العدالة “مغلولة بالقوانين”، وهو الوضع الذي رأى وجوب تغييره، “احنا مش هنستنى على ده”، وأضاف: “احنا هنعدّل القوانين اللي تخلينا ننفذ القانون والعدالة في أسرع وقت ممكن”، ثم وضح الطرق التي ستلجأ الدولة إليها لتنفيذ العدالة بشكل سريع. “خلال أيام تتعرض القوانين.. قوانين اﻹجراءات الجنائية المظبوطة اللي بتجابه التطور اللي حاصل”، مستنكرًا أن تظل الدولة “5 سنين و10 سنين نحاكم الناس اللي بتقتلنا وهمّا بيصدروا اﻷمر وهمّا في القفص وبيتنفذ الحكم واحنا قاعدين بننفذ القانون”. بعدها، أوضح السيسي أن هذا لا يعني عدم احترام القوانين، “احنا هنحترم القانون بس هنخلي القانون قانون يجابه ده”. ثم توجه بحديثه للقضاة مؤكدًا: “احنا بننفذ قانون.. هتصدر حكم باﻹعدام هيتنفذ حكم اﻹعدام”.

“باطل يراد به باطل” هكذا رأى جمال عيد، المحامي ومدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق اﻹنسان، تصريحات السيسي، وأضاف أن هذا الكلام “صادر من رئيس معلوماته القضائية معدومة، وأنه كان لا بد أن يستشير مستشاريه القضائيين قبل اﻹدلاء بمثل هذه التصريحات”.

بالنسبة لعيد، فإن “أسوأ توقيت يتم فيه الحديث عن تعديلات قانونية هو وقت الرغبة في الانتقام بعد جريمة بشعة كجريمة اغتيال النائب العام”.

الدكتور رأفت فودة، أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، يؤكد ما قاله عيد، مؤكدًا أن اتخاذ قرارات في “لحظة غضب” قد يترك آثارًا شديدة على الجميع. وهو يرى أن كل دول العالم قد تحتاج ﻹجراء تعديلات قانونية ﻷسباب مختلفة، إلا أن هناك ميزانًا ﻹجراء أي تعديل، وهو أن يحافظ على الحقوق والحريات للمواطنين و”ألا يؤدي إلى أن يؤخذ البريء بذنب المجرم”.

لم تكن هذه هي المرة اﻷولى التي يُطرح فيها تعديل قانون اﻹجراءات الجنائية. ففي فبراير الماضي، وافقت الحكومة المصرية على مشروع قرار رئيس الجمهورية بمشروع قانون بتعديل المادتين 277 و289 من قانون الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بالشهود، بحيث يكون قرار استدعاء الشهود أو سماعهم في يد المحكمة، على عكس الإلزام القانوني للمحكمة بسماع كافة شهود النفي والإثبات. وفي المذكرة التوضيحية التي أرفقتها الحكومة بمشروع التعديل حين تم تقديمه لقسم التشريع بمجلس الدولة، حسبما ذكرت صحيفة اليوم السابع، أن “الممارسة العملية أثبتت سوء نية بعض المتهمين أو المدافعين عنهم فى استغلال بعض الثغرات القانونية، ومنها ما جاء بنص المادتين ٢٧٧، ٢٨٩ من قانون الإجراءات الجنائية بشأن طلب سماع شهود أدلوا بأقوالهم بالتحقيقات، مستغلين أن القانون أوقف أمر سماع الشهود على قبول المتهم أو المدافع عنه، وفى هذه الحالة تقف المحكمة عاجزة عن الفصل فى الدعوى، رغم وضوح الواقعة أمامها تطبيقًا للقانون”. لكن اﻷسباب التي ساقتها الحكومة لم تقنع قسم التشريع بمجلس الدولة. ففي مارس، قرر قسم التشريع رفض التعديلات التي اقترحتها الحكومة على قانون اﻹجراءات الجنائية. وأفادت مصادر مطلعة، لصحيفة “الشروق” بأن هذا الرفض جاء بسبب أن “التعديلات تخالف كفالة حق المتهمين ومحاميهم في الدفاع، الواردة بالمادة 198 من الدستور”، وأنها “تخل أيضًا بمبدأ المحاكمة العادلة المنصوص عليه في القانون، كما تخالف ما نص عليه قانون الإجراءات الجنائية ذاته من تولي المحكمة التحقيق القضائي كاملاً في الدعوى المعروضة عليها، باعتبار أن سماع الشهود، النفي كانوا أو الإثبات، جزءًا لا يتجزأ من أي تحقيق قضائي تجريه المحاكم”. وهو الرأي ذاته الذي اتفق معه المحامي عصام الإسلامبولي في تعليقه على هذه التعديلات، والتي اعتبرها “جريمة دستورية” تخالف الدستور المصري اﻷخير، باعتبار شهادة الشهود أهم أركان أدلة اﻹدانة، معتبرًا أن من قام بتقديم التعديلات “ليس له دراية لا بالقانون ولا بأصول القانون ولا بالعدالة ولا بأصول التقاضي”.

لكن علامات استفهام جديدة أثارها اﻹعلان عن اللجوء مرة أخرى لتلك التعديلات ذاتها في قانون اﻹجراءات الجنائية بعد رفضها من قبل مجلس الدولة، كرد فعل على حادثة اغتيال النائب العام هشام بركات، وبخاصة أنها تأتي بالتزامن مع تكليف وزير العدالة الانتقالية إبراهيم الهنيدي الأمانة الفنية للجنة العليا للإصلاح التشريعي، بسرعة الانتهاء من دراسة ومراجعة قانون مكافحة الإرهاب، الذي تمت إحالته للجنة من وزارة العدل الأسبوع الماضي، وذلك لعرضه على مجلس الوزراء غدًا، الأربعاء، تمهيدًا لإصداره في أقرب وقت، بحسب ما نقلت “المصري اليوم”.

يرى جمال عيد، أن الرئيس ليس لديه أي حق تشريعي أو دستوري في إصدار أي قوانين؛ ﻷن خارطة الطريق التي تم اﻹعلان عنها بعد عزل مرسي في 3 يوليو 2013، والتي وضع الدستور على أساسها، نصت على انتخاب برلمان قبل انتخاب رئيس الجمهورية وهو ما لم يحدث.

وعما إذا كان مجلس الدولة قد يقبل التعديلات في قانون الإجراءات الجنائية اﻵن بعد أن رفضها في السابق تحت ضغوط السلطة التنفيذية ممثلة في الرئيس، قال عيد إن قضاة مجلس الدولة عليهم أن يثبتوا أنهم لا يكيلون بمكيالين. مضيفًا أن هناك تراجعًا كبيرًا في استقلال القضاء منذ زمن، وأن هناك محاولات مستمرة طوال الوقت ﻹصباغ صبغة قانونية على “ماكينة القمع”. لكن، حسبما يرى عيد، فإن هناك “قلة باقية” من القضاة يُخشى عليها بعد عامين من “غياب احترام منظومة العدالة”.

يوضح الدكتور فودة، أن تحقيق عدالة ناجزة لا يأتي بتعديل القوانين وإنما بإنشاء محاكم جديدة. “هل من إنجاز العدالة أن القاضي ينظر 1200 قضية في اليوم الواحد؟”، يتساءل مستنكرًا، ويضيف: “المفروض التعقل”.

يرى الدكتور فودة أن مثل هذه التعديلات ستتسبب في إرهاب الشعب وليس اﻹرهابيين. تعديلات القوانين كما يراها دكتور فودة تمثل “نصرًا للإرهاب”؛ ﻷن اﻹرهابيين بهذا استطاعوا- على حسب قوله، “ليس فقط إرهاب السلطة، وإنما إرهاب القوانين وإرهاب الشعب نفسه”. يضيف أيضًا أن السماح بتعديلات تستغني عن شهادة الشهود وتكتفي بتقارير اﻷمن ستمثل “مفرمة للحقوق والحريات”.

يختتم جمال عيد بأن “القوانين لا تعطل العدالة وإنما إهدار القوانين هو ما يعطلها”. وهو يرى أن “القادم أسوأ” من طرف الدولة واﻹرهابيين على السواء؛ ﻷنه- حسبما يرى- فـ “القمع لا يولد إلا مزيدًا من اﻹرهاب”.

اعلان
 
 
محمد حمامة