Define your generation here. Generation What
ماذا يعني أن تكون متحولًا جنسيًا في مصر
 
 

كانت عائشة* نائمة في شقتها قبل مداهمتها، حيث انتقلت حديثًا هي وثلاث من صديقاتها، قبل أن تأتي الشرطة لتسأل عما إذا ما كان بحوزتهن أسلحة أو أشياء غير قانونية. أجابتهم الفتيات بالنفي ثم سُئلوا عن بطاقات هوياتهن.

عائشة وصديقاتها سيدات متحولات جنسيًا، لكن بطاقات هوياتهن ما زالت تشير إلى كونهن ذكورًا. وعندما اكتشفت الشرطة ذلك أخذوهن إلى القسم دون أي تفسير.

تروي لنا عائشة قائلة: “سألتهم ماذا سوف يفعلون بنا في قسم الشرطة، فقالوا: لا شيء، سوف توقعن على بعض الأوراق ثم يطلق سراحكن”.

وفي قسم الشرطة سُئلن إذا ما كن يعملن في الدعارة. ثم أشار إليهن الضابط الذي أحضرهن موضحًا: “هؤلاء مخنثون”.. بعدها بدأ الضرب.

تقول عائشة وهي تتذكر ما حدث: “[الضابط] ضرب صديقتي بعصا كهربائية. أخذ يضربها على رأسها وبطنها ومؤخرتها وفي كل موضع، بينما كانت هي تصرخ. ضربونا بعنف شديد وقالوا لنا: “أنتم بلا قيمة، أنتم لا تستحقون أن تعيشوا”.

عائشة، هي واحدة من سيدات عديدات متحولات جنسيًا قد شهدن استهدافًا منذ بداية عام 2014. فمنذ ذلك الوقت ألقي القبض على 150 شخصًا من المتحولين جنسيًا، خاصة النساء، حسب ما يقوله سكوت لونج، الناشط في مجال النوع الاجتماعي والحقوق الجنسية، والذي يعمل على توثيق تلك الحملة القمعية.

بعد يوم من إلقاء القبض على عائشة وزميلاتها في السكن أُرسلن إلى المحكمة، وقد حذرها محاميها من وجود احتمال كبير لإدانتهن، ونصحها ألا تتوقع خيرًا حتى وقت الاستئناف.

“ذهبنا إلى القاضي. لم يسألنا عن أسمائنا.. لم يسألنا عن أي شيء”.

حُكم على عائشة واثنتين من صديقاتها بالسجن ثلاث سنوات، بينما حكم على صديقتها صاحبة الشقة بالسجن ثماني سنوات.

فعلى الرغم من أن الحد الأقصى للعقوبة في قوانين الفجور المصرية ثلاث سنوات؛ فإن ارتباط القانون بممارسات الدعارة في الأصل أتاح إمكانية تطبيق عقوبات أكثر قسوة على الأشخاص المذكورة أسماؤهم في أوراق ملكية العقار.

سيدات متحولات جنسيًا يتحدثن عن زيادة القمع الأمني

ترى يارا*- سيدة أخرى متحولة جنسيًا وناشطة- أن تلك الحملة المستمرة ضد مجتمعات المثلية وازدواجية الميول الجنسية والتحول الجنسي في مصر، قد استهدفت السيدات المتحولات بشكل خاص أكثر من أية مجموعة أخرى.

تعتقد يارا أن ذلك بسبب سهولة التعرف عليهن. فهناك عدد كبير من السيدات المتحولات جنسيًا يأخذ هرمون الإستروجين الذي يحدث تغييرًا في مظهرهن لتبدن أكثر أنوثة. كما تكون لدى بعضهن أثداء، مثل عائشة، مما يتعارض مع هويتهن الجنسية المكتوبة في الأوراق الرسمية. ورغم أن معظمهن لا يظهرن كنساء في العلن، فإن هناك احتمالا إذا ظهروا بذلك المظهر في مساحتهن الشخصية أن يراهن الجيران ويبلغوا الشرطة.

داليا عبد الحميد- مسؤولة ملف النوع الاجتماعي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية- لا تعتقد أن المتحولين جنسيًا مستهدفون بشكل أكبر من الرجال المثليين، لكنها ترى أن الرجال المثليين ذوي الهوية الجنسية الملائمة لدورهم الاجتماعي المتوقع، والذين يظهرون بمظهر أنثوي، أكثر عرضة للاستهداف. وتقول إن هناك نحو 200 شخص من المتحولين جنسيًا والمثليين ألقي القبض عليهم خلال هذه الحملة القمعية ضد المثلية وازدواجية الميول الجنسية والتحول الجنسي في مصر.

وترى عبد الحميد أن وسائل الإعلام والشرطة تبرز أخبار القبض على النساء المتحولات أكثر من أية مجموعة أخرى، لأن ذلك يعني نشر صور وفيديوهات لـ”رجال” يرتدون فساتين، وهذا النوع من الفضائح الذي يزيد مبيعات الصحف.

ويتفق لونج مع يارا في أن استهداف السيدات المتحولات أسهل في ظل الحملة القمعية الحالية. ويستطرد موضحًا: “هذا أكثر جزء معلن من الهوية المثلية”، مضيفًا: “هذه الأخبار تصدم قراء “اليوم السابع” أكثر من الرجال المثليين”.

ويرى لونج أن الجانب الأخلاقي في الحملة القمعية التي تشنها الدولة على مجتمع المثلية وازدواجية الميول الجنسية والتحول الجنسي يتعظم في حالة النساء المتحولات، لأنهم “ينظرون إليهن كمثال مخزٍ على الرجال الذين يرفضون ذكورتهم”.

يقول لونج إن فكرة هوية التحول الجنسي، وحتى فكرة أن أشخاصًا تحدد نوعهم الاجتماعي كذكور عند الولادة قد يرغبون في التحول إلى إناث، أفكار جديدة على مصر. ويضيف: “عندما كنت أعمل هنا في عام 2003، لم تكن هوية التحول الجنسي مطروحة. أنا متأكد أنها كانت موجودة لكنها لم تكن معلنة”.

مع ذلك كان عام 1988، شاهدًا على قضية شهيرة جدًا تخص سالي مرسي، وهي سيدة متحولة جنسيًا. كانت مرسي “طالبًا” في كلية الطب بجامعة الأزهر، وبعدما وجدت طبيبًا يجري لها جراحة لتغيير الجنس حاولت العودة إلى الأزهر كطالبة. ورغم أن شيخ الأزهر محمد طنطاوي أصدر فتوى تجيز عمليات تغيير الجنس، فإن لونج يقول إن الفتوى لم تؤثر في سياسات جامعة الأزهر التي رفضت السماح لمرسي بالعودة إلى الدراسة بصفتها سيدة.

تقول عبد الحميد إنه في عام 2003، حدث تغيير في الميثاق الأخلاقي للأطباء ينص على السماح للأطباء بإجراء جراحات تغيير الجنس “التصحيحية” فقط، دون السماح بإجراء عمليات لأشخاص يغيرون جنسهم بناءً على اختيارهم. يعني ذلك أن مزدوجي الجنس- الذين ولدوا بتشريح جنسي وتناسلي وأنماط كروموزومية لا تتلاءم مع التعريفات النموذجية للذكر والأنثى- يستطيعون إجراء الجراحة، لكن المتحولين جنسيًا لا يستطيعون ذلك.

يلجأ كثير من المتحولات إلى هرمون الإستروجين الذي يمكن شراؤه من الصيدليات دون وصفة طبية أو إشراف من طبيب. وقد يؤدي ذلك إلى العديد من المضاعفات الصحية الخطيرة- كما تقول عبد الحميد. وقد يكون الاكتئاب من بين هذه المضاعفات، سواء بسبب تعاطي الهرمون أو الانقطاع عنه، وتشير يارا إلى أن هذه مشكلة شائعة بين مغيرات الجنس.

تقول: “يمكن أن تصاب بالاكتئاب بكل تأكيد، فلا تستطيع العمل، ولا حتى بالمنزل.. أفضل شيء ألا يراك أحد”.

وحتى بعيدًا عن هذه الحملة القمعية، فمن الصعب العيش كامرأة متحولة جنسيًا في مصر، خاصة إذا كانت تتعاطى الهرمونات. فتغيير الهوية القانونية من ذكر إلى أنثى أو العكس أمر شبه مستحيل. تقول عبد الحميد إنه يمكن إجراء عملية تغيير الجنس خارج البلاد والحصول على شهادة تثبت ذلك، لكن حتى مع ذلك يظل الأمر صعبًا.

الموقف المجتمعي من المتحولات جنسيًا

تظل بطاقات الهوية هي العائق الأكبر أمام المتحولات جنسيًا، خصوصًا عند البحث عن وظيفة.

تقول يارا موضحة: “ما تراه يكون مختلفًا عن المكتوب في بطاقة الهوية التي تشير إلى أنك ذكر. يسبب ذلك العديد من المشكلات، لأن مجتمعنا لا يتمتع بعقلية منفتحة”. وهي تعتقد أن ذلك جزء من أسباب لجوء العديد من المتحولات إلى العمل الجنسي.

لا توجد أرقام دقيقة في ما يتعلق بنسبة المتحولات جنسيًا اللاتي يعملن بالجنس، فهذا النوع من العمل غير موثق بطبيعة الحال، لكن كل من لونج وعبد الحميد ويارا يتفق على أن عددًا كبيرًا من المتحولات يمارس العمل بالجنس.

يقول لونج إن واحدًا من أسباب انخراط المتحولات في العمل بالجنس، أن هناك سوقًا كبيرة لهم، ويضيف موضحًا: “هناك زبائن يريدون ممارسة الجنس مع رجل لكنهم يريدون رجلًا يرتدي فستانًا، أو من لديه ولع بالمتحولين جنسيًا، أو مجرد زبائن تفضل المتحولين جنسيًا، وهذا ينطبق على كل بلد”.

وإن كان الحصول على وظيفة في ظل المناخ الاقتصادي الراهن صعب على أي شخص، ففي حالة التحول الجنسي تزيد المشكلة صعوبة. يضيف لونج قائلًا: إنه في ظل وجود طلب في سوق العمل الجنسي على المتحولات جنسيًا، قد يكون ذلك واحدًا من الوظائف القليلة المضمونة بالنسبة لهن.

يجعل ذلك العاملات بالجنس من المتحولات جنسيًا أكثر عرضة للخطر بسبب القوانين المنظمة للعمل بالجنس.

يقول لونج: “القانون يجرم عامل الجنس دون العميل، وهكذا يفلت العميل من العقوبة ويلقى القبض على عامل الجنس، وتوقع كل العقوبات على العاملين بالجنس”.

لكن حتى المتحولات جنسيًا من غير العاملات بالجنس، كما في حالة عائشة، عرضة للخطر. فقد سجنت عائشة وصديقاتها لفترة وصلت إلى ستة أشهر، في معزل عن باقي السجينات في غرفة بلا أسرّة. تروي لنا عائشة عن حالة الحبس البشعة، وتقول: “الناس يعاملون كالخنازير هناك. رأيت ذلك بعيني. لعل الخنازير تلقى معاملة أفضل من ما لقيناه”.

قُبل طعن عائشة وصديقاتها نتيجة لخطأ في إجراءات القبض عليهن، حيث أغفلت النيابة الإسراع في إجراء فحص شرجي لهن عن طريق الطب الشرعي، وتعد هذه الممارسة “انتهاكًا للمعايير الدولية ضد التعذيب”- حسب منظمة “هيومن رايتس ووتش”.

وفي الوقت الذي أجرى فيه الأطباء الفحص الشرجي كان قد مرت أسابيع على القبض عليهن، ولم يكن هناك أي “دليل” على ممارسة الجنس الشرجي، كل ذلك رغم أن منظمات حقوق الإنسان تزعم أن مثل تلك الفحوصات لا تكون قاطعة بغض النظر عن وقت إجرائها.

كان ذلك عاملًا رئيسيًا في إطلاق سراحهن. وتقول عائشة إنه حتى القاضي الذي أسقط التهم الموجهة إليهن في النهاية كان ممتعضًا من “ميولهن المثلية”- حسب تعبيره، مع أن عائشة تصنف نفسها كشخص سوي.

“عندما وجهنا له الشكر [بعد الحكم] قال لنا: “لا أريد منكم شكرًا. أنا أنفر منكم، أنتم نكرة في نظري. لذا وفروا على أنفسكم عناء الشكر”.

ومع ذلك تقول عائشة، إن فكرة اختلاف هوية التحول الجنسي عن المثلية الجنسية بدأت تتضح للناس حتى داخل السجن.

وتروي لنا وقائع عدة عن تعاطف الحراس بالسجن معها ومع صديقاتها. “كانوا يعاملوننا على أننا فتيات. تسعون بالمئة منهم تعاطفوا معنا. كانوا يقولون لنا: “لديكم مشكلة ذهنية والسجن ليس مكانكم”. وكانوا يحضرون لنا الطعام في بعض الأحيان. وعندما نفد كل ما معنا أحضروا لنا طعامًا ومياهًا وبيبسي وسجائر”.

تقول يارا إن رؤية هوية التحول الجنسي في مصر على أنها مشكلة ذهنية وليس اختيارًا أمر جيد بدرجة كبيرة، لأن ذلك يستدر المزيد من التعاطف تجاه المتحولين جنسيًا. وتفسر: “يكون الأمر أسوأ عندما ينظر الناس إلى الأمر من منظور ديني، فهذه خطيئة كبرى وقد يقدم الناس باعتباره أفعالا مجنونة. لكن الاضطرابات العقلية موجودة في كتب الطب النفسي”.

أدركت يارا أنها متحولة جنسيًا منذ أربعة أو خمسة أعوام، وفور اكتشافها ذلك صارحت عائلتها وطردت من منزلها. تقول موضحة: “لقد طردوني من المنزل وواجهت مشكلات كثيرة، لكني على اتصال بوالدتي حاليًا”.

جزء من الصعوبات التي تواجهها يارا هي صراعها الشخصي مع هويتها الجنسية، فهي لم تكن تعرف أي شيء عن هوية التحول الجنسي قبل أربعة أو خمسة أعوام، وقد اكتشفت لاحقًا من خلال القراءة على الإنترنت أنها ليست مرضًا.

تعمل يارا على نشر الوعي بشأن هوية التحول الجنسي ومحاربة الخرافات الشائعة حولها. وقد أنشأت صفحة على موقع “فيسبوك” للأشخاص المتحولين جنسيًا تنشر فيها مقالات عن الهوية الجنسية وتترجمها.

هذه الصفحة خاصة ولا يمكن التعليق فيها إلا بإذن من يارا، ومع ذلك فهناك أكثر من 250 شخصًا معجب بالصفحة حتى الآن. وتقول يارا إنها تريد أن تكون هذه الصفحة “مكانًا آمنًا لدعم الأشخاص المتحولين جنسيًا، حيث يمكنهم الحديث بحرية”.

وهي تقر بأن الحفاظ على الأمن الشخصي سيكون أمرًا صعبًا، وتضيف موضحة: “علينا جميعًا أن نتصنع تصرفاتنا طوال الوقت”.

وهذا واحد من أسباب النشاط على الإنترنت. لكنها تريد أيضًا أن تبدأ حملة على أرض الواقع. “أنا أفكر في ذلك منذ فترة. الوقت عنصر مهم لأن الإعلام يتناول الهوية الجنسية بطريقة مختلفة”.

وتستطرد قائلة: “إذا كانت لدي رسالة فهي عن ضرورة أن نتحدث أكثر عن حياتنا، وضرورة وجود مجموعات على فيسبوك، فقد يغير ذلك من آراء فرد أو اثنين من مجتمعنا هذا”.

لكن في نهاية الأمر لا تعلم يارا إن كانت سوف تبقى في مصر في حال جاءتها فرصة للرحيل عنها أم لا؟ تقول موضحة: “في الماضي كنت أريد أن أرحل، لكن هذا ليس حلًا سهلًا، أن أترك الناس هنا.. ماذا سوف أفعل؟ إلى أين سوف أذهب؟”.

أما بالنسبة لعائشة، فالإجابة ليست صعبة، تقول: “أريد الذهاب إلى بلد يفهم حقوق أشخاص مثلنا. أظن أن معظم البلاد قد يعاملوننا بطريقة جيدة حتى وإن لم نعجبهم. في أمريكا على سبيل المثال، قد لا يحبوننا لكنهم على الأقل لن يلحقوا بنا ضررًا، هم لا يحاولون أذيتنا”.

الوقت الذي أمضته عائشة في السجن يلقي بظلال ثقيلة عليها. تقول: “كنا نظن أننا سوف نكون أسعد أشخاص في العالم عندما نخرج من السجن، لكننا بدأنا ندرك أن شيئًا ما كسر بداخلنا، لم نعد نشعر بالسعادة تجاه أي شيء كما كنا نشعر قبل دخول السجن، حتى الآن. أحيانًا أشعر أني أفضل، لكن ذلك لا يدوم معظم الوقت”.

* تم تغيير اسم عائشة ولم نذكر اسم يارا بالكامل حفاظَا على سلامتهما الشخصية.

اعلان
 
 
بِشا ماجد