اللي يعوزه الغلابة.. يحرم على السيسي

يؤمن المسيحيون بأن المسيح ولد فقيرًا، لا يمتلك شيئًا في هذا العالم، ليؤكد أنه جاء لكل البشر، لا لطبقة أو جماعة بعينها. وقد أبدى السيد المسيح في تعاليمه اهتمامًا خاصًا بالفقراء والمحتاجين، ولكن هذا عكس ما يحدث مؤخرًا؛ حيث شهد المجتمع القبطي حالة من الإهمال والتجاهل للفقراء والمحتاجين من قبل الكنيسة، وكثير ممن سيقرأون هذه السطور يعلمون إلى أي مدى وصل هذا الإهمال والذي تطور إلى حالات من سوء المعاملة في كثير من الأحيان؛ ولكن سيرفض غالبيتهم الاعتراف بالحقيقة من باب “أصل ما ينفعش نقول كده قدام الناس”. ولا سبيل للخوض في مزيد من التفاصيل الشائكة، ولكن يجدر الإشارة إلى أنه- في تخيلي- لم يصبح الإهمال قاعدة بعد، أي أنه لا يزال في طور الشذوذ الذي يحتاج لمعالجة سريعة.

ولعل أحد مظاهر الإهمال، هو إعلان قداسة البابا تواضروس الثاني تبرعه بمبلغ مليون جنيه لصالح مشروع قناة السويس الجديدة؛ بعد مرور أقل من أسبوع على أزمة تهجير المسيحيين من كفر درويش ببني سويف؛ حيث احرقت منازل ورُوِعَ آمنون تحت بصيرة وسمع الدولة، ولم يكن للكنيسة التي يمارس العنف ضد أتباعها بسبب عقيدتهم، موقفًا من الأحداث. نعم كنت ولا زلت من المنادين بالفصل الكامل بين الكنيسة والسياسة، بل أؤمن بأن دور الكنيسة يتوقف عند الجانب الروحي وفي أضيق الحدود يمكن لها أن تسهم ببعض الخدمات المجتمعية؛ ولكن ما أعنية هو شعور المسيحي بأنه يستحوذ على مساحة من اهتمام مؤسسته الدينية؛ ما أريده هو أن يشعر المواطن المسيحي الذي يتعرض لأزمات بسبب معتقده في أقاصي الصعيد؛ أن هنالك من رجال الدين من يكترث لأمره، من يشعر بمعاناته ويشاطره آلامه. نريد أن نشعر بأن البطريرك، أب الآباء وراعي الرعاة؛ يهتم بأبنائه البسطاء أكثر من اهتمامه بتأييد رئيس أو نظام.

ولعل تلك الأزمة ليست الأولي التي أشعر فيها على المستوى الشخصي– وأزعم أن كثيرًا لديهم الشعورنفسه– بافتقاد الأبوة والاحتواء التي يفترض أنها أهم صفات رجال الدين وعلي رأسهم البطريرك- بحسب الطبيعة التأسيسية للمسيحية. فرغم تعدد الأزمات التي واجهت المسيحيين في أعقاب الإطاحة بنظام مرسي؛ فإنها تم النظر إليها في سياق “ده أقل ثمن نقدمه للوطن”؛ تلك المعالجة الساذجة، بل والظالمة لم تؤد إلا لتفاقم الأزمات وتكرارها؛ ومع ذلك لم تتغير حتى الآن في تعامل البطريرك الجديد مع آلام شعبه.

وعلى صعيدٍ آخر، فقد أفرط البطريرك الجديد في رحلاته الخارجية، فمنذ أن اعتلى كرسي مارمرقس، توالت أخبار رحلاته وزياراته للدول الأوروبية أكثر من زياراته للإبارشيات والكنائس المصرية بالداخل. والمثير للدهشة، هو تعمد خروج تصريحات داعمة للسيسي والنظام الحالي اثناء الزيارات تحت دعاوى الواجب الوطني. ورغم أن انغماس الكنيسة- كمؤسسة- في المعترك السياسي، ليس بالأمر الجديد؛ فإن الظرف التاريخي– في اعتقادي– كان سانحًا أمام البطريرك الحالي حتى يُخرج الكنيسة بشكل نهائي من المعادلة السياسية؛ ولكن للأسف ازداد الانغماس وأصبح قول “نعم” يزيد النعم، التي لم يرها المسيحيون حتى الآن.

بات المسيحيون يفتقدون حتى كلمات التعزية التي كانت تهّون من وطأة الأزمات وحدّتها وتأثيرها فيهم؛ والتي ما زالوا يتذكرون بعضها في أزمات سابقة؛ فمثلًا لا يستطيع أحد أن يتناسى كلمات البابا شنودة الثالث في أعقاب أحداث نجع حمادي، وكيف اهتم بتعزية أهالي الشهداء، بل وجلب قائمة بأسماء المصابين، وقام بزيارتهم لاحقًا؛ وأيضًا موقفه في أعقاب حادث “ماسبيرو”، الذي لن أضعه في مقابلة مع موقف البابا تواضروس رغم اختلاف الظرف التاريخي؛ كما أنه لا يمكن أيضًا تناسي موقف القائم مقام الأنبا باخوميوس في أحداث “تهجير المسيحيين من رفح”، مع اختلاف الظرف التاريخي أيضًا، ولكن في المجمل شعر المسيحيون آنذاك بأن الكنيسة تهتم لأمرهم، شعروا بأنهم يشغلون حيزًا في قائمة اهتمامات من يشغل سدة البابوية.

من المعروف أن البطريرك هو بالأساس راهب لا يمتلك شيئًا في العالم، وبالتالي؛ فإن تبرعه بالضرورة أن يأتي من خلال ميزانية الكنيسة القائمة على تبرعات وعشور المسيحيين، الذي هو بالأساس موجه إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين. فاعلم أن الكتاب المقدس قال في الإصحاح السابع من سفر التثنية:

“إِنْ كَانَ فِيكَ فَقِيرٌ، أَحَدٌ مِنْ إِخْوَتِكَ فِي أَحَدِ أَبْوَابِكَ فِي أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، فَلاَ تُقَسِّ قَلْبَكَ، وَلاَ تَقْبِضْ يَدَكَ عَنْ أَخِيكَ الْفَقِيرِ، بَلِ افْتَحْ يَدَكَ لَهُ وَأَقْرِضْهُ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ”

ولكنه لم يقل أقرض مشروعًا ما زال يثير الجدل حتى الآن؛ بل ويستخدمه النظام الحالي كنوع من الدعاية السياسية لصالح الرئيس. ولست بصدد الوقوف ضد أي مشروعات وطنية تعود بالنفع على الجميع، ولست ضد أن يكون للكنيسة مشاركة فيها؛ ولكن دون أن يؤثر ذلك في الدور الأساسي المنوط بها. كما أنه من البدهي أن مشروعًا قوميًا كمشروع قناة السويس الجديدة، لن يمثل مليون قداسة البابا له الكثير، فمثل تلك المشروعات تمول بالمليارات لا الملايين، لكني أستطيع تفهم أن المشاركة تأتي في إطار الرمزية التاريخية؛ ولكن ماذا عن فقراء وبسطاء الأقباط؛ ماذا عن مشردي الأحداث الطائفية الذين وبكل تأكيد قد يصنع مليون البابا فارقًا جوهريًا لديهم!

فعلى سبيل المثل لا الحصر؛

 قد يصنع مليون البابا فارقًا مع عائلة الشهيد إسكندر طوس، شهيد أحداث قرية دلجا بالمنيا، الذي تم قتله والتمثيل بجثمانه بعد دفنه، ثم تهجير أسرته في أعقاب فض اعتصامي “رابعة العدوية والنهضة”.

قد يصنع مليون البابا فارقًا مع الطفلة أيفون إقلاديوس،التي ألقى بها المتطرفون من أعلى منزلها في نزلة البدرمان بالمنيا، لمجرد كونها مسيحية مما تسبب في إصابتها بكسور مضاعفة في كلا ذراعيها وكانت لا تزال تحتاج إلى عمليات جراحية لوقت قريب.

قد يصنع مليون البابا فارقًا مع عائلات شهداء الإرهاب في ليبيا من أبناء محافظة سوهاج، الذين قتلوا في أحداث فبراير 2014، وقد حاول الأهالي طلب مساعدة البابا بشكل مباشر في بناء كنيسة لتكريم الشهداء بعد أن قاموا بتوفير الأرض وبناء المبني والشروع في تشطيبه بالجهود الذاتية التي شاركهم فيها جيرانهم من مسلمي نجع مخيمر بمحافظة سوهاج.

قد يصنع مليون البابا فارقًا مع عشرات حالات التهجير الفردية للمسيحيين التي لا تجد صداها في الوسائل الإعلامية المختلفة، ولكنها موجودة والكنيسة على علم ومعرفة بها.

قد يصنع مليون البابا فارقًا مع أقباط قرية الجلاء بمحافظة المنيا، الذين فقدوا محاصيلهم الزراعية في سبيل بناء كنيسة ليمارسوا صلوات يمارسها قداسته بسهولة ويسر.

قد يصنع مليون البابا فارقًا مع الفقراء والمحتاجين من المسيحيين في الصعيد والدلتا؛ قد يصنع فارقًا في بناء مدارس أو مستشفيات خيرية؛ تعود بالنفع على المجتمع ككل. ولكنه بكل تأكيد لن يصنع أي فارق يذكر لمشروع دعائي سياسي من الطراز الأول.

قداسة البابا..

عشور المسيحيين أولى به الفقراء والمحتاجين؛ واللي يعوزة الفقير.. يحرم على السيسي؛ ولسنا بحاجة لأن ندلل على وطنية المسيحيين بحفنة من الجنيهات.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن