Define your generation here. Generation What

“الصوت الأخلاقي” لجنوب إفريقيا: “عار باكٍ”

واجهت جنوب إفريقيا في عام 2009، ضرورة الاختيار بين استرضاء النخب السياسية في إفريقيا، أو الالتزام بقانونها ودستورها. وهذا الاختيار كان يجب أن يتم وفقًا للقرار الذي أُصدر خلال انعقاد الجمعية العامة للاتحاد الإفريقي لوقف التعاون من جانب المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، فيما يتعلق بتنفيذ مذكرة توقيف للرئيس السوداني البشير. وقد اختارت جنوب إفريقيا احترام التزاماتها بموجب المعاهدات الدولية بوصفها عضوًا مسؤولًا في المجتمع الدولي. وأعلن متحدث باسم الحكومة أن البشير سيُعتَقل إذا دخل الأراضي الجنوب إفريقية، وذلك على الرغم من وجود تحفظات لدى الدولة حيال السعي في هذه القضية ضد البشير، وأضاف قائلًا: إن حكومته لن تعمل “خارج إطار القانون”- على حد قوله.

ولكنها في هذا العام 2015، واجهت اختبارًا حقيقيًّا لما أعلنت عنه، فاختارت أن ترمي بالدستور وسيادة القانون في سلة المهملات، بدلًا من أن تغضب كبراء إفريقيا، وذلك على الرغم من أن دستورنا وسيادة القانون يُكوِّنان معًا نسيج النظام الديموقراطي لما بعد الفصل العنصري عندنا.

وفي الوقت الذي يظل فيه تعزيز الإفلات من العقاب على المستوى القاري أمرًا معتادًا. فعلى المستوى المحلي؛ فإن التجاهل المتعمد لأمر المحكمة له تداعيات جد خطيرة على نظامنا الدستوري، مع أن هذا التجاهل قد تم في الماضي في هدوء، ولكنه الآن يعد تحديًا فاضحًا للمحاكم من السلطة التنفيذية، وهي الحكومة التي تُعلِن فعليًّا أنها فوق القانون. فإذا لم تكن المحاكم رقيبًا على السلطة التنفيذية لوقف إساءة استخدام نفوذها، فهذا يزرع الشك في فعالية الدستور  نفسه.

إذا كانت الحكومة المركزية أصدرت تعليماتها لأجهزة الدولة أو مسؤوليها لعصيان حكم محكمة؛ فإن هذا يشكل أشد تهديد لمبدأ الفصل بين السلطات. وبموجب الدستور فإن القضاء يقف شريكًا على مسافة واحدة من السلطتين: التشريعية والتنفيذية، ولكنه في الوقت نفسه يعتمد على الفروع الأخرى للحكومة لإنفاذ أحكامه. إذا كنا نرى أن القضاء هو الحارس الفعلي للدستور وميثاق الحقوق، فيجب احترام سلطته الأخلاقية، فإذا عجز القضاء أن يكون الفيصل بين الأقوياء والضعفاء فنحن حينئذ نواجه أزمة دستورية جسيمة.

كيف يسعى المحامون لرفع دعاوى أمام المحاكم وليس هناك ضمان من الدولة لتنفيذ أحكام القضاء؟ كيف يجلس القضاة على منصات القضاء ليحكموا بين الناس، وهم يعلمون أن الحكومة سوف تتحدى أوامرهم جهارًا؟ وهل سيضطر قضاة جنوب إفريقيا أن يفكروا في التنحي عن منصَّاتهم استجابة للقسم الذي أدوه عند تولي القضاء؟

وقد انهالت المبررات المعتادة والمدوية من الحزب الحاكم والأحزاب الأخرى الموالية للحكومة لتبرير مخالفتها لالتزاماتها القانونية، ويتعللون بأن قادة الغرب لا يحاكمون على أفعالهم الدموية، فلماذا يجب أن يحاكم القادة الأفارقة فقط؟ هذه الدعوى تجافي الحقائق بشكل يلائم مُدِّعيها؛ فجميع القضايا الجنائية الدولية تقريبًا نشأت نتيجة لطلبات إجرائية من الدول الإفريقية نفسها، أو من مجلس الأمن بالأمم المتحدة.

لم تعد جنوب إفريقيا منارة الأمل والإلهام للعالم، فمن بين جميع الدول كان من المتوقع منا أن نقف بجانب ضحايا القتل الجماعي والاغتصاب والتشويه والتعذيب؛ وليس بجانب مضطهديهم. لا يمكن الآن الاعتماد على جنوب إفريقيا في الدفاع عن الشعوب المضطهدة وضحايا المآسي الجماعية، وبدلًا من ذلك يمكن الاعتماد علينا في الوقوف مع المتهمين بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.

وبما أن جنوب إفريقيا لا ترى نفسها ملزمةً بالمعاهدات التي وقَّعت عليها، وهي على استعداد لكسر القانون الدولي لخدمة المصالح الجغرافية السياسية الضيقة؛ فإن سلوكها هذا يشكل تهديدًا خطيرًا لإمكانية وجود نظام ناجح للعدالة الدولية، وباختصار فنحن نسير على الطريق لكي نصبح دولة مارقة.

لعبت جنوب إفريقيا دورًا رائدًا في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وكانت من أوائل الدول التي صدَّقت على النظام الأساسي لتمكين المحكمة، وما عُرِف بنظام روما الأساسي، ودمجته في القانون المحلي. ومع ذلك فإن استهزاء جنوب إفريقيا بنظام روما الأساسي يخدم الآن تقويض مشروع العدالة الجنائية الدولية كاملًا.

والآن وقد ظهر أن جنوب إفريقيا ليس لديها نية لاحترام التزاماتها بموجب نظام روما الأساسي، وليس هناك ما يعنيها أن تكون جزءًا من المجتمع الدولي الساعي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم الخطيرة التي تهدد سلام العالم وأمنه، ولا يعني بقاؤها عضوًا في نظام روما الأساسي إلا زيفًا وكذبًا.

اعلان
 
 
هاورد فارني