Define your generation here. Generation What

رسالة من لاجئ – “عبد الله”

“رسالة من لاجئ” هي مجموعة من الرسائل التي سأنشرها أسبوعيًا، نقلًا عن أصحابها اللاجئين المحتجزين في قسم كرموز في اﻹسكندرية وهي الرسائل التي كتبوها داخل مقر احتجازهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد الانتهاء من امتحان الشهادة الثانوية، والذي يؤهل للدخول إلى الجامعة، ونجاحي فيه بمعدل جيد جدًا، ما أهلني للحصول على منحة للدراسة في كلية الهندسة المعلوماتية في الجامعة الأوروبية الدولية، عندها بدأت الاستعداد لبناء مستقبل مشرق من حياتي.

كان ذلك في منتصف عام 2011. وكانت وقتها المشكلات قد بدأت في سوريا ولكن على مستوى محدود، وكان المكان الذي نسكن فيه مع عائلتي بعيدًا عن المشكلات وهو مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، تابعت دراستي الجامعية وتمكنت من النجاح بمستوى جيد جدًا في السنة الأولى، وبعد مرور أشهر عدة من السنة الجديدة (2012)، بدأ نطاق المشكلات يتسع تدريجيًا إلى أن وصلت إلى أطراف مكان سكني مع عائلتي، ومنذ ذلك الوقت بدأ الخطر يحيط بنا، ولم يكن الفرد وقتها يأمن على نفسه، وبدأت رائحة الموت تنتشر نوعًا ما، ومع انتصاف السنة واستمرار الموت بالزحف حولنا ومرور 3 أشهر على سقوط قذائف الهاون والمدفعية بشكل عشوائي ومرعب وعلى فترات غير معروفة وانتشار كل أنواع القتل والرعب الممنهج.

وفي أحد أيام شهر رمضان المبارك. وقبل أذان المغرب والإفطار بساعة، سقطت إحدى قذائف الغدر والحقد على مكان قريب من سكن خالي، فراودني شعور غريب بأن هناك أمرًا سيئًا قد حدث، فذهبت راكضًا إلى المكان فوجدت عشرات الجثث لأشخاص في منتصف الطريق، وشاهدت خالي يصرخ: “ابني الصغير” (كان بعمر 16 وذهب لشراء بعض العصائر والشراب للفطور، وعاد يقف عند باب منزله ينتظر الأذان)، ثم وجدته وكان أخوه الكبير يحمله على ظهره وهو بلا أية حركة من وقع الصدمة، فأخذته منه مسرعًا إلى المشفى الذي كان بجانب منزلي، لم يكن على جسمه أي أثر للدماء، لكنه كان بلا أية حركة.

أوقفت إحدى الدراجات النارية وصعدنا عليها وخلال دقيقة كنا في المشفى، دخلنا غرفة العمليات وحاول الأطباء إنقاذ ما بقي من أمل لعائلته، لكن للأسف دون أي جدوى؛ لقد دخلت إلى صدره إحدى شظايا الغدر والكراهية ناهية حياة أحد أقاربي بلا أي سبب أو تفسير.

كان أحد أصعب الأحداث التي واجهتني، لم ينته الأمر عند ذلك. فقد كان خالي يتشارك مع أخويه في المنزل، وحين نزلنا إلى الطابق السفلي للمشفى صدمنا من هول المنظر، إذ شاهدنا خالي الثاني أيضًا يحمل ابنه الصغير الذي كان مضرجًا في دمائه، وانتهت حياة طفل آخر لم يتجاوز من العمر 10 سنوات.. ما السبب؟ لا من مجيب.. كما أصيب أيضًا شقيقه، ولكن القدر شاء له أن يبقى على قيد الحياة.. كان ذلك اليوم من أصعب الأيام التي واجهتها.

بعد قرابة شهر من الحادث، ومع تصاعد حدة المعارك حول منطقتنا واستمرار سقوط القذائف بشكل جنوني، ومع تكرار المجازر، قرر والدي أن نغادر المنطقة حفاظًا على أرواح عائلتنا، وكانت الوجهة المقصودة هي دولة لبنان؛ حيث كانت عمتي تقيم هناك، وخرجنا مع عائلتي وبعض أقاربي من أخوالي وبقينا هناك مدة أقل من شهر تقريبًا؛ كون الفلسطيني حامل الوثيقة السورية يحصل على 15 يومًا للدخول إلى لبنان.

وعدنا مرة أخرى إلى سوريا في شهر 9، وعندها قررت متابعة دراستي الجامعية، وبدأت رحلتي في السنة الثانية، وكانت جامعتي وقتها تقع على الطريق الرئيسي لمحافظة درعا مهد المشكلات والصراعات. بقينا حوالي الشهرين وواجهتني العديد من المشكلات، وقتها حصلت العديد من الخلافات بين الطلاب في الجامعة وحصلت بعض المواجهات المباشرة بالضرب المتبادل أدت إلى دخول قوى الأمن واعتقال العديد من الطلبة.. وعندها قررت إدارة الجامعة إغلاقها بشكل مؤقت.

بقينا شهرًا تقريبًا من دون دوام في الجامعة، وكانت الأمور تزداد صعوبة في اليرموك مكان سكني، وبعد ذلك قررت إدارة الجامعة الانتقال إلى فنادق في وسط العاصمة لاستمرار الدوام، كل كلية في فندق معين. وفي منتصف شهر ديسمبر من العام نفسه ازدادت حدة المشكلات بشكل كبير وتصاعدت وتيرة سقوط القذائف وجاءت اللحظة غير المتوقعة في حياتي بعد أن كان مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق آمنًا نوعًا ما. فقد كان يسكن فيه ما يزيد على مليوني شخص؛ فقد كان منطقة محايدة نزح إليه كل من تعرضت منطقته للمشكلات.

جاءت اللحظة التي لا تُنسى من حياتي في منتصف النهار عند الساعة 1 ظهرًا، وبينما كنا جالسين بالقرب من منزلنا، تفاجأنا بصوت مرعب نسمعه للمرة الأولى، ألا وهو صوت طائرة حربية أغارت على أحد الشوارع في المخيم، وعلمنا في ما بعد أنها كانت على مدرسة للنازحين من المناطق المجاورة للمخيم، وهربنا أنا ووالدي وجدي إلى المنزل، ولم نصل إلى بابه حتى كانت الغارة الثانية للطائرة، وكانت تحديدًا على مسجد يقيم به عشرات العائلات النازحة من المناطق المجاورة لليرموك، وهو لا يبعد سوى 30 مترًا عن منزلي.. سقطت أنا وجدي على الأرض من قوة الانفجار. وكانت هذه ساعة الصفر للتغريبة الفلسطينيّة الثانية بكل معنى الكلام، وبلطف من الله ورعايته لم نصب بأذى كبير. على إثر هذا الأمر غير المتوقع بدأت العشرات من العائلات التي تسكن في اليرموك بجمع حاجاتها لمغادرة المكان الذي نشأت فيه وعاشت فيه أجمل لحظات حياتها وبدأ مسلسل الهجرة.

وكالعادة خرجنا إلى المنفذ الوحيد من سوريا وهو لبنان، ولكن هذه المرة كانت الأمور مختلفة بالنسبة لي، لم أكن أتوقع العودة إلى اليرموك مرة أخرى، على عكس الآخرين الذين كانوا يتوقعون خروج مؤقت على أن يعودوا قريبًا. توجه المئات من الأشخاص إلى لبنان، وبشكل جنوني، حتى وصل عدد الهاربين إلى لبنان إلى قرابة 100 ألف لاجئ فلسطيني على الأقل. واستمرت الأيام في المرور وكانت لبنان تسمح بالدخول لمدة سنة، وهو ما كان شيئًا إيجابيًا ومن يتجاوز المدة يدفع غرامة 200 $. بقيت مدة 10 أشهر وقررت العودة إلى سوريا لبدء مشروع السفر بعد أن وجدت أن البقاء في لبنان بلا فائدة، رجعت مرة أخرى إلى سوريا قاصدًا الحصول على وثيقة للسفر كون الفلسطيني في سوريا لا يحصل على جواز سوري بل يحصل على وثيقة سفر سورية لا يستطيع السفر بها إلا لبعض البلاد، وقمت بتأجيل انضمامي إلى الخدمة العسكرية كوني طالب في الجامعة.

عدت مرة أخرى إلى عائلتي في لبنان، ومرت سنة على خروجنا من اليرموك والوضع فيه يزداد سوءًا وتلاشى أمل العودة، عندها قررت الدخول في عالم السفر. ولكوني من حملة الوثيقة السورية لم أكن أستطيع السفر إلى أي بلد إلا عن طريق دعوة؛ لأن الدول العربية والأجنبية تحتاج إلى فيزا، ولا يتم إعطاؤها لحملة الوثائق، وحاولت السفر إلى ليبيا؛ حيث تمكن الكثير من أصدقائي من ذلك، لكن لم يحالفني الحظ بذلك. تابعت البحث عن طرق للسفر إلى أوروبا بحثًا عن الأمان والحياة الكريمة، وهربًا من بطش الحروب وساحات القتال، وكان الحل الوحيد بالنسبة لي هو البحر وخوض مغامرة قوارب الموت، وجاء الوقت الذي تمكنت فيه من تأمين بلد مناسب للسفر إليه وهو مصر، عندها قررت السفر ولكن ذهب بصحبتي أخي الصغير وكان عمره 14 سنة. وصلنا إلى مصر بتاريخ 18 سبتمبر لعام 2014. بقينا لمدة أسبوع تقريبًا حتى جاء موعد الرحلة المصيرية.

بالرغم من كل الصعوبات المتوقعة للرحلة، لكن للأسف كانت الأمل الوحيد للحصول على حياة كريمة فيها القليل من مقومات الحقوق الإنسانية. بتاريخ 24 سبتمبر 2014 انطلقت بنا قوارب الموت نحو مصير مجهول قاصدين بلادًا يحصل فيها الفرد على حقوقه كافة. كانت رحلة صعبة بكل معاني الكلمة، أبحرنا لمدة 15 ساعة متواصلة، ثم جاء الخبر الصادم: أن المركب تعطلت وتحتاج إلى قطع من البر لإصلاحها. كان ذلك مثل ضربة قاضية لنا وفي أمل الحصول على القطع المطلوبة وإصلاح المركب بعد عدة اتصالات مع الأشخاص المسؤولين مر علينا اليوم الأول.. كان حلمنا إصلاح المركب ومتابعة رحلتنا، ولكن القدر كان له رأي آخر، مر اليوم الثاني فالثالث ثم نفد منا الطعام والشراب؛ لأن أي شخص منا لم يتمكن من إحضار أية حقيبة معه، وتواصلت نداءات الاستغاثة للأشخاص المسؤولين في البر لكن دون فائدة، ومع انعدام الإنسانيّة والشعور بالمسؤولية لديهم تركنا في عرض البحر حتى جاء اليوم الخامس والأخير لنا في الرحلة. مع حلول الظلام قدمت قربنا سفينة بحرية كبيرة تابعة للدولة المصرية وتمكنت من إنقاذنا. شكرنا الله بعد أن بقينا على قيد الحياة ولكن استمرت معاناتنا؛ لأنه صدر بحقنا قرار ترحيل خارج البلاد والخيار الوحيد الذي لدينا هو السفر إلى سوريا؛ لأن دولة لبنان أغلقت حدودها لدخول الفلسطينيين من حملة الوثائق السورية منذ 6 أشهر، والعودة إلى سوريا مستحيلة بسبب أنني مطلوب للخدمة العسكرية الإلزامية وكون ذلك يسبب خطرًا كبيرًا على حياتي.

بالإضافة لوجود عائلتي خارج سوريا وعدم وجود أي قريب لي في سوريا، وأنا محتجز مع أخي الصغير منذ تاريخ 30 سبتمبر 2014، وسأبقى للوقت الذي أجد فيه دولة تستقبلني وتراعي ظروفي الصعبة والمشكلات التي أمر بها، كل هذا بالإضافة إلى وجود أخي الذي يعتبر طفلًا معي، وهذا وحده مسؤوليّة كبيرة على نفسي أتمنى من كل من يملك أي شيء يمكن أن يساعدنا به أو تكون لديه يد المساعدة في أمر معين ألا يبخل علينا، لقد صبرنا وتحملنا الكثير من الصعوبات في هذا السجن وبالرغم من ذلك بقي لدينا شيء نتمسك به ألا وهو الأمل.. وكل الشكر إلى جميع الأشخاص الذين يتابعون موضوعنا وإلى كل من قدم وسيقدم أية مساعدة.

اعلان
 
 
محمد حنفي الكاشف