Define your generation here. Generation What
جماعات العقاب الثوري.. بين الدولة والجماعة
 
 

في منتصف شهر أبريل الماضي اكتست شاشات معظم القنوات الفضائية الخاصة بالسواد حينما تم تفجير برجي كهرباء يغذيان مدينة الإنتاج الإعلامي. بعد التفجير بساعات قليلة، خرجت مجموعة تُطلق على نفسها اسم “العقاب الثوري” لتعلن مسئوليتها عن التفجير من خلال بيان شديد اللهجة. وهو الإعلان الذي مثّل تحولًا هامًا في مسار حلقات العنف المتزايدة ضد الدولة المصرية.

بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013 وصعود حكومة مدعومة من الجيش، تصاعدت موجة عنف منظمة ضد مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية منها، وتميزت في هذه الموجة مجموعتان جهاديتان ذاتا توجه إسلامي قوي، هما مجموعة “أجناد مصر”، وجماعة “أنصار بيت المقدس” في سيناء والتي أعلنت ولائها للدولة الإسلامية في 2014.

في هذا العام، وتحديدًا في الذكرى الرابعة لثورة الخامس والعشرين من يناير، شهدت البلاد تصاعد لموجات عنف تتسم باللامركزية وبخطاب “ثوري” يستهدف مؤسسات الدولة الرسمية. أسماء حركات مثل “العقاب الثوري” و”كتيبة الإعدام” كانتا في المقدمة ضمن أسماء حركات ومجموعات أخرى.

تحديدًا، ظهر اسم “كتيبة الإعدام” بعد إعلان المجموعة عن اغتيال العقيد وائل طاحون مأمور قسم المطرية الأسبق. في بيان نشرته المجموعة، قال القائمون على عملية الاغتيال إنها جاءت انتقامًا لمقتل المحامي كريم حمدي الذي لقي حتفه في فبراير الماضي بعد اتهامات لضباط قسم المطرية بتعذيبه حتى الموت.

بنظرة مدققة على طبيعة البيانات اللي تنشرها مجموعات جهادية مثل “أجناد مصر” و”أنصار بيت المقدس”، فإن الخطاب العام لهذه المجموعات يحمل طبيعة جهادية إسلامية قوية، في مقابل خطاب ومصطلحات ثورية تستخدمها مجموعات مثل “العقاب الثوري” و”كتيبة الإعدام”. تقول “كتيبة الإعدام” في بيانها: “وحركة إعدام وهي تزف هذا الخبر إلي الأحرار من أبناء الشعب المصري، فإنها تعلن عن بدء سلسلة عمليات ثأرية موسعة ضد ضباط وأمناء شرطة كامب ديفيد المتورطين في قتل وتعذيب الثوار ثأرا لأرواح شهداء الثورة منذ 25 يناير وحتى الآن، وتؤكد أن الهالك وائل طاحون لم يكن الأول ولن يكون الأخير”. وتضيف المجموعة أنها أعدت قائمة تشمل أسماء ضباط شرطة متورطين في أعمال عنف وتعذيب، على حد قولها.

بالمثل، أعلنت حركة “العقاب الثوري” في بيان تأسيسها في 25 يناير هذا العام استقلالها التام من “أي أجندات سياسية” وعدم وقوعها في أي “مساومات سياسية”. البيان، الذي ظهر على عكس مجموعات إسلامية أخرى، لم يستخدم أي آيات قرآنية أو أناشيد أو موسيقى دينية أو حتى شعارات جهادية من أي نوع. فقط ظهر رجلان ملثمان بقناعين أسودين، ويحملان أسلحة وورائهما خلفية سوداء معلنين تواجدهم في 15 محافظة.

وأضاف البيان: “ﻻ سبيل للتخلص من النظم الديكتاتورية التي توجه بنادقها في صدور الثوار إﻻ بتجريدها من أدوات قوتها وامتلاك القوة المضادة التي تمكن الثورة من اﻻنتصار والثأر. سئمنا من دعاوى السلمية”.

على العكس من ذلك، ظهر الخطاب الإسلامي بقوة في بيان أصدرته جماعة “أجناد مصر” في 28 مارس، لإعلان مسئوليتها عن تفجير بالقرب من جامعة القاهرة. قال البيان: “وبحمد الله كانت الإصابات مباشرة وقاتلة، ووقع منهم أربع ضباط على الأقل ما بين قتيل هالك ومصاب يصارع الموت أو سيعاني بإعاقته ما بقي من عمره ويتجرع ما أذاقه للمسلمين”. واختتم البيان بعبارة: “اللهم ائذن لشرعك أن يسود”.

ظهور خلايا أقل تطورًا وتعقيدًا من التنظيمات الجهادية الكبرى تطور كثيرًا في الأشهر القليلة الماضية في معظم أنحاء البلاد. وتميزت عمليات هذه الخلايا بزرع عبوات ناسفة وقنابل صوت في عربات المترو، وفي المطارات والمراكز التجارية، وبالقرب من مباني المؤسسات الحكومية وأقسام الشرطة. كما استهدفت مجموعة من التفجيرات أيضا مجموعة محلات كنتاكي للوجبات السريعة.

وكان من ضمن العمليات التي نفذتها “كتبية الإعدام”، على سبيل المثال، اغتيال أمين شرطة بقطاع الأمن الوطني بالأسكندرية واستهداف موكب مأمور قسم العزولي في الاسماعيلية.

لكن هذه المجموعات لم تكن وليدة اللحظة، ففي أغسطس 2014 ظهرت مجموعة تطلق على نفسها لقب “كتائب حلوان” معلنة عزمها استهداف رجال الشرطة بعد اقتحامات متكررة لقوات الأمن لمنازل نشطاء في حلوان. في تسجيل نشرته المجموعة على يوتيوب، قال عدد من الشباب الملثمين الذين رفعوا إشارة رابعة: “تعبنا من دعاوى السلمية. لا مسيرات سلمية بعد اليوم”. تم القبض على كل أعضاء المجموعة بعد نشر التسجيل بأيام قليلة.

تظل المعلومات المتاحة عن هذه المجموعات محدودة  للغاية، كما تبقى المعلومات الديموغرافية الهامة عن قيادتها وتمركزها الجغرافي مجهولة للجميع.

بالنظر على مدونة العقاب الثوري- وهي المنبر الوحيد المعبر عن المجموعة- نجد أن معظم العمليات التي تنفذها المجموعة تستهدف بالأساس الكمائن الأمنية في محافظات مختلفة، وبالتحديد في الفيوم والشرقية والقليوبية، كما تم تنفيذ بعض العمليات في أسوان وبورسعيد.

في هجوم آخر، ربما يكون مؤشرًا على انتمائهم السياسي، استهدفت المجموعة فيللا بالفيوم يملكها مفتي مصر السابق علي جمعة. المعروف بعدائه لجماعة الإخوان المسلمين وتأييده لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي. وصفت المجموعة جمعة بـ”شيخ الاحتلال العسكري”.

وعلى الرغم من التنوعات الظاهرة بين المجموعات الإسلامية المختلفة في مصر من حيث الانتماءات السياسية وطرق التعبئة والتعامل مع الأجهزة الأمنية، إلا أن خطاب الدولة دومًا ما حاول صبغ هذه المجموعات باختلافها بصبغة الإخوان المسلمين.

فعلى الرغم من أن “أجناد مصر” و”أنصار بيت المقدس” أعلنا مسئوليتهما عن معظم العمليات ضد قوات الجيش والشرطة، إلا أن الدولة اتهمت الإخوان المسلمين بالتورط في هذه الأحداث أو دعم هذه المجموعات، وربطت بين هذه العمليات وبين تصريحات سابقة للقيادي الإخواني محمد البلتاجي بأن العمليات في سيناء ستتوقف متى عاد مرسي لسدة الحكم.

تحدث «مدى مصر» للكثير من الشباب المنتمين للتيار الإسلامي، وبرغم من إعلان إدانتهم لانتهاج العنف ضد الدولة، أكد هؤلاء أن ظهور هذه المجموعات هو رد فعل واضح لعنف الدولة ضد المجموعات الشبابية.

المتحدث باسم حركة “طلاب ضد الانقلاب” أحمد ناصف يقول إنه على العكس من “أجناد مصر” و”أنصار بيت المقدس”، فإن المجموعات الجديدة “تحمل أجندة ثورية واضحة”، مضيفًا: “الحراك ضد العسكر سلمي بشكل عام، ولكن مع تصاعد موجات القمع ضد هذا الحراك، من الطبيعي أن يتخذ البعض العنف كخيار آخر”.

منذ إبعادها عن السلطة، استطاعت جماعة الإخوان المسلمين بقيادة التحالف الشعبي لدعم الشرعية ورفض الإنقلاب أن تتبنى التظاهر كوسيلة معارضة أساسية ضد النظام الحالي، وهي الوسيلة التي اتهمها الكثيرون من معارضي الجماعة أنها لم تتصف دوما بالسلمية. ولكن بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013 ومصرع المئات من مؤيدي الجماعة، ظهرت مجموعات أكثر راديكالية مثل ألتراس رابعاوي وألتراس نهضاوي. تزعمت هذه المجموعات الحراك الإخواني بشكل كبير في المظاهرات، وتم القبض على الكثير من أعضاء هذه المجموعات بتهم عنف وإرهاب.

يقول الناشط الإسلامي حذيفة فتوح الذي يعيش بتركيا إنه من الصعب أن يتم اعتبار المجموعات العنيفة الجديدة امتداد طببيعي لمجموعات الألتراس هذه، ويستكمل: “لو تبنت مجموعات الألتراس العنف، ستتحول مصر لسوريا أخرى”، هكذا يستنتج فتوح، الذي يضيف أن معظم أعضاء الحركات التي تتبنى العنف حاليا تتراوح أعمارهم بين الـ 17 عاما حتى العشرين عامًا على أقصى تقدير، وقد يصل عمر البعض منهم إلى 14 عامًا.

يضيف فتوح أن الأجيال الأكبر سنًا لم يتم عسكرة تفكيرها بعد، لأنهم واعين بحجم الدمار الممكن حدوثه، على حد قوله.

هيثم غنيم- المقيم في تركيا أيضا- يقول إن اللجوء للعنف ليست فكرة جديدة على الحراك في الشارع، ويعود بالذاكرة ليوم 28 يناير حينما تعامل الثوار مع العنف الأمني المكثف، وأيضًا في اشتباكات محمد محمود ومجلس الوزراء، بالإضافة إلى مجموعات البلاك البلوك التي ظهرت إبان حكم مرسي. ويضيف: “بالتالي فإنه من الصعب ربط هذه المجموعات بالإخوان”.

لكن شريف محيي الدين- الباحث في شئون الإرهاب في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية- يقول إن رابطًا واضحًا للعيان بين هذه المجموعات الحديثة وبين الإخوان لا يمكن إغفاله، موضحًا: “التأييد الواسع لهذه المجموعات بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي المؤيدين للإخوان، وعشوائية الهجمات وبدائية القنابل المستخدمة كلها توحي بانتماء ما- ما زال غير مؤكد بعد- للإخوان”.

يقول محيي أنه مثلما نشأت مجموعة “أجناد مصر” في 25 يناير 2014 حينما تم التعامل بعنف شديد مع المظاهرات الشبابية المعارضة للنظام، فإن السيناريو نفسه يتكرر في 2015، مؤكدًا: “رد الفعل لعنف الدولة واضح جدًا، وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك عنف من قبل الإسلاميين في فترات قبل ذلك، فلا يمكن إغفال موجة العنف ضد أقسام الشرطة والكنائس في صعيد مصر بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، ولكن يمكننا القول إن العنف المنظم والممنهج من هذه الحركات الشبابية هو ما ظهر حاليًا بشكل أوضح”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين