Define your generation here. Generation What

رسالة من لاجئ – “رامي”

“رسالة من لاجئ” هي مجموعة من الرسائل التي سأنشرها أسبوعيًا، نقلًا عن أصحابها اللاجئين المحتجزين في قسم كرموز في اﻹسكندرية وهي الرسائل التي كتبوها داخل مقر احتجازهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

كنا نعيش في مخيم اليرموك جنوب سوريا، لم نكن نتخيل أو نتوقع أن يتم قصف المخيم، لكن فجأةً صار قصف الطيران الحربي التابع للنظام السوري كالمطر فوق رؤوسنا، وتوفى على إثره ابن عمي وغيره آخرين، تركنا المخيم بعدها- أنا وزوجتي وأولادي منى ومايا، وأهلي- وذهبنا لمزرعة لدينا في منطقة اسمها “خان الشيخ”، لكن لم تمر أيام حتى قُصفت المزرعة وظللنا شاردين حتى وصلنا لمنطقة القادسية- وهذه المنطقة توصلت لهدنة مع قوات النظام- وعشنا فيها لفترة، وكان بها  أكبر تجمع للفلسطينين المقيمين بسوريا، وهي أرخص من مناطق عدة.

كانت تلك المنطقة آمنة نسبيًا مقارنة بأماكن أخرى عديدة.. وفي يوم عيد اﻷم بدأ قصف المنطقة بشدة، وكانت ابنتي منى (4 سنوات) تقترب من شباك الحجرة وتراقب القصف، وكنت أنادي عليها كي تبتعد عن النافذة فأجابتني قائلة : “بابا.. أنا أريد أن أموت اليوم.. بابا لن نحتفل بعيد اﻷم”.. جزع قلبي من رد الصغيرة وقلت لها: “بُعد الشر عن قلبك حبيبتي”.

بكيت من العجز، وخرجت من البيت بعدما هدأ القصف لاستطلاع الأمور حتى نترك القادسية؛ فهي لم تعد منطقة آمنة لحياتنا، وذهبنا للحاجز أنا وأهلي لترك المنطقة، وكان هناك طوابير أمام الحاجز، ورفضوا خروجنا من المنطقة وأمرونا بالعودة لبيوتنا مرة أخرى.

كان الوقت حوالي الساعة الثامنة صباح يوم الجمعة، جلست بجوار البيت أراقب عودة الراغبين في الرحيل من الحاجز، كنا نعاني وقتها من انقطاع التيار الكهربي فدخلت البيت ﻷجد في زيارتنا جدتي وخالتي وزوجها وأولادها، كان منزلهم بالقرب من منزلنا، وكانت ابنة خالتي الصغرى ليمار (عمرها 8 سنوات) ترتجف فسألتها: “ما بكِ حبيبتي، هل تشعرين بالبرودة؟”، فأجابت: “لا يا عمي، لكني خائفة.. رب يحمينا يا رب”، وكانت ابنتي بجوارها فقالت لها: “لا تخافي.. نحن لا نخاف إلا من الله وحده”، في تلك اللحظة انقبض قلبي وأحسست بحدوث شيء ما.

حينها حان وقت صلاة الجمعة فتركتهن وذهبت للمسجد الذي يبعد حوالي 600 متر من بيتنا، وفي طريقي مررت على محل نملكه بجوار المسجد ﻷرى أخي وأبي وأطمئن عليهما، ثم بدأ إمام المسجد في الخطبة فذهبت للجامع وسمعت خطبته، وعند انتهاءها وقبل إقامة الصلاة  قال: “يا جماعة لا يغادر أحدكم داره فلا يوجد خطر اﻵن، صار بعض الخلاف مع النظام وتم حله” ثم أقام الصلاة، وأثناء إقامة الصلاة سمعنا صوت لكني لم أشعر بقوته، ربما ﻷن المسجد مقام في دور تحت اﻷرض، لكني بعد سماع هذا الصوت أحسست بأن قلبي انتُزع من صدري، وأثناء صلاتي كنت أرتجف وأتذكر حديث ابنتي وابنة خالتي.

انتهينا من الصلاة وخرجنا للشارع فرأيت زحامًا بجوار الجامع، ثم توجهت للمحل لكني لم أجد لا أبي ولا أخي، وكان هناك قناصة يطلقون النيران بكثافة أقل من المعتاد، أسرعت نحو البيت وظللت أبحث عنه ولم أجده، يا الله بيتنا تم قصفه أثناء صلاتي!

وجدت مكان به ردم وأنقاض اكتشفت أنه بيتنا، صرت أنادي على أمي لكن ما من مجيب، لا أجد أحد.. ظللت أصرخ وما هناك من رد، وجدت غرفتين مهدمتين جزئيًا فبحثت داخلهما عن أهلي ولم أجدهم، خرجت من البيت وكأني أعيش كابوس أتمنى أن أصحو منه، سمعت صوت أمي تنادي: “رامي.. تعال أنا هنا”.
كانت أمي بالبناء المجاور لمنزلنا، وركضت حتى وصلت لها، وحينها رأيت جثث ممدة على اﻷرض، زاد صوت طلقات القنص من حولنا، احتضنت أمي وسألتها: “ماذا حدث يا أمي؟”، قالت لي: “انظر لهذه الشهيدة”، وأشارت إلى جثة ممدة أمامها على اﻷرض، نظرت فرأيت جدتي- أم أمي- ثم انتبهت لزوجتي وخالتي من وراء أمي، قلت: “ما الذي حدث؟ ماذا حدث يا خالتي؟”.. كانت الدماء تلطخ ثوب خالتي، أما زوجتي فضمدت كتفها وربطته، وابنتي مايا أصابها صمم وقتي ولا  تسمع شيئًا.. سألتهن عن مكان منى، أجابتني زوجتي بأنها طارت على الوادي، ارتعبت وركضت بين القنص ﻷصل للوادي، رأيت خالي مقبل ناحيتي وهو يبكي حاملًا جثة صغيرة مغطاة وملفوفة بملاءة، وكان أبي بجواره، فسألتهما: “لمن هذه الجثة؟”، فلم يجيبا، فكشفت عن وجهها لكنه كان مشوهًا، لأن الجثة أصيبت جراء صاروخ فراغي- هكذا علمت- فسألتهما: “أهي ابنتي منى؟”، لكن أبي نفى وقال إنها ابنة خالتي الصغيرة ليمار، لم أستوعب الذي حدث وكيف حدث، وظللت أتساءل عما حدث، فسألت أبي عن أخي رامز فعلمت أنه ذهب للمستشفى واصطحب معه ابنه وزوجته وابنتي منى، وطلب مني خالي ألا أقلق فابنتي والبقية بخير، فسألته: “ﻷي مستشفى اصطحبهم؟”، فعرفت أنها تلك التي في أخر النزلة عند القوص.

ركضت في اتجاه النزلة، كان القنص منعدمًا أثناء ذلك، اتصلت بأخي فلم يجيب، رأيت جارنا فركبت معه تاكسي يملكه، طلبت منه أن يذهب بي لمستشفى القوص، وعند وصولي لم أجد أحدًا هناك، سألت عنهم في الاستقبال وعلمت أنهم لم يحضروا إلى هذه المستشفى، اصطحبني جارنا إلى مستشفى أخرى تدعى “مستشفى الهامة” وهي تقع بجوار القادسية، على بعد حوالي ربع الساعة، كانت أول مرة أذهب فيها لتلك المستشفى لكن جارنا كان يعرفها، عند وصولنا إلى الشارع الذي تقع فيه المستشفى فوجئت به ينادي على أحد الواقفين بصوت قوي، عندما استدارهذا الشخص اكتشفت أنه خالي الثاني، طلبت من الجار إيقاف السيارة ونزلت منها.

كان هناك عدد كبير متجمع عند المستشفى، تأملت المنظر وبدا لي مُقلقًا، كان خالي يبكي، وما إن رآني قال: “مثل الملاك، لا تحزن حبيبي”.. كان هناك شيء موحش يعتصر قلبي. اصطحبني خالي إلى جامع بجوار المستشفى فيه جثث كثيرة لأطفال قتلى، دخلت إلى قلب الجامع فرأيت زوجة أخي وبجوارها ابنتي.. منى.
تمالكت أعصابي حتى لا أبكي فوق رأسها فتتعذب ببكائي.. قرأت ما استطعت من القرآن ودعوت لها.

في تلك اللحظة حضر أخي ومعه ابنه المصاب، أخذت ابنتي في حضني، وأخذنا الشهداء الموجودين بالجامع وقمنا بدفنهم كلهم سويًا.. كانوا 15 طفلًا و7 نساء ورجلين.

كانت هذا هو أخر يوم، وتلك آخر مرة أرى فيها ابنتي ونور عيوني منى.

بعد ذلك قررت أن أترك سوريا وأذهب لمصر فرارًا بحياة أهلي، وقمت بالتقديم على تأشيرة للمجئ إلى مصر، وبالفعل تمت الموافقة على دخولي البلاد أنا وأختي (14 سنة)، إلا أنه تم رفض دخول أبنائي، فجئت أنا وأختي إلى مصر، ورأينا ازدهار الهجرة عبر البحر وكيف وصل العديد والعديد من المهاجرين إلى دول أوروبا، فحاولنا الهجرة، إلا أنه تم إلقاء القبض علينا، وتم احتجازنا إلى أن أطلقوا سراح أختي التي تعيش اﻵن مع خالتي في مصر، ولا زالت أنا قيد الاحتجاز أواجه الترحيل إلى سوريا حيث لم يعد لنا هناك حياة.

اعلان
 
 
محمد حنفي الكاشف