Define your generation here. Generation What
بعد تعديل قانون الجنح.. “العدالة” بين المظهر والجوهر

خلال حضوره مؤتمر “التقاضي الإلكتروني”، أمس الأحد، قال وزير العدل أحمد الزند إن كل قاضٍ اعترض على تعديلات قانون الجنح، التي تقضي بعدم وضع المتهم في قفص الاتهام، سيترك دوائر الجنايات، مضيفًا: “هسيبُه للذة القفص في القضاء المدني؛ لأنهم لم يتربوا تربية قضائية”.

كان الزند قد أصدر قرارًا- وافق عليه مجلس الوزراء يوم الخميس الماضي- يقضي بإلغاء وضع المتهمين في قضايا الجنح والمخالفات داخل أقفاص حديدية أثناء جلسات محاكمتهم، وتحديد منطقة بقاعة الجلسة لجلوسهم بها “حفاظًا على كرامتهم الإنسانية”.

وهو القرار الذي اعتبره رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، حافظ أبو سعدة، خطوة على الطريق الصحيح في معالجة العديد من القضايا ذات الشأن الإنساني، وأكد أنه يأمل في أن يعمم على المتهمين في القضايا الجنائية ما لم يكن محكومًا عليهم.

في تعليقه على هذا القرار، يقول محمود بلال، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن السياق اﻷوسع له يوضح أوجه قصوره. مبديًا استغرابه من أن القرار يشمل المتهمين في قضايا الجنح والمخالفات فقط، ولا يشمل المتهمين في القضايا الجنائية، وهو ما يرى أنه مغايرًا للاتجاه الدولي لتطبيق حقيقي للقاعدة المعروفة بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، كما تحدث أيضًا عن أن استخدام اﻷقفاص الزجاجية لحبس المتهمين أثناء الجلسات تمنع الاتصال بين المحامين وموكليهم، وهو اﻷمر الذي يعد مخالفًا لقانون اﻹجراءات الجنائية.

يشير بلال أيضًا، إلى أن مشكلات أخرى جوهرية تؤدي إلى تعطيل العدالة، كطول فترات الحبس الاحتياطي وعدم انتظام المحاكم وتأخر مواعيد الجلسات.

كان الزند قد قال خلال مؤتمر “التقاضي الإلكتروني” أيضًا، إنه يطمح في “وجود محكمة تليق من حيث المظهر والجوهر بتحقيق العدالة الناجزة”. يشير الوزير المعيّن حديثًا إلى مشكلتين أساسيتين. تتعلق اﻷولى بوجود فارق بين “المظهر” و”الجوهر” في محاولة إرساء العدل. المشكلة الثانية هي أهمية تحقيق العدالة الناجزة، باعتبار أن التأخر الشديد في تطبيق العدل يعتبر في حد ذاته نوعًا من أنواع الظلم.

لكن الحديث عن “عدالة ناجزة” يستدعي مشهدًا آخر.

في فيديو تداوله مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي، قام أحد المواطنين بتنفيذ حكم اﻹعدام شنقًا على شخص آخر. تنقل صحيفة “الوطن” أن الشخص المشنوق قد قام بقتل شقيق شانقه بالرصاص بعد صلاة الجمعة في قرية “البريجات” بمحافظة البحيرة، وحين علم أخوه، حضر- أمام جمع من أهل القرية- وقام بشنقه بعد ربطه في أحد أعمدة اﻹنارة.

حادثة القتل التي نقلها الفيديو المنتشر ليست اﻷولى من نوعها. إذ انتشرت فيديوهات مشابهة خلال الفترة الماضية، كان آخرها منذ أيام، حين تم تداول فيديو آخر لشخص يتم سحله وهو شبه عارٍ من قبل مجموعة من المواطنين على أحد الطرق بقنا، بينما ينهالون عليه ركلًا وسبًا، دون معرفة سبب التعدي على ذلك الشخص.

من جهته يرى بلال، أن اتجاه العديد من المواطنين لتطبيق العدالة بأيديهم خارج قاعات المحاكم، إنما يرجع بشكل مباشر لفقدان الثقة المستمر من المواطنين في نظام الدولة القضائي.

يحكي المحامي عن أخبار يسمعها كثيرًا هذه اﻷيام عن غلق العديد من مكاتب المحاماة. مرجعًا هذا إلى عزوف العديد من المواطنين عن اللجوء إلى المحاكم الرسمية؛ نظرًا للبطء الشديد في إجراءات التقاضي. في مقابل هذا- بحسب بلال- يزداد إقبال المواطنين على اللجوء إلى جلسات الصلح العرفي ﻹنهاء المنازعات.

لكن هذا لا يعني أن جلسات الصلح العرفي هذه تحدث بعيدًا عن سلطة الدولة.

في دراسة نشرتها “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” عن استخدام جلسات الصلح العرفي في حل النزاعات الطائفية، يوثق الباحث إسحق إبراهيم 45 حالة تم إنهاؤها بجلسات صلح عرفي، وجميعها تم بمعرفة أجهزة أمنية مختلفة. يشير إبراهيم في دراسته إلى أن أجهزة اﻷمن في محافظات الصعيد المختلفة لديها قوائم بتشكيلات ثابتة للجان يتم استدعاؤها لإتمام الصلح العرفي بعيدًا عن قاعات المحاكم. في حالات كثيرة، تكون اﻷحكام مخالفة للقانون، كتهجير عائلات مسيحية من منازلها أو إجبارها على بيع ممتلكاتها، لكن هذا لا يمنع اﻷجهزة اﻷمنية من رعاية مثل هذه الجلسات.

يعود بلال للحديث عن مقومات أساسية لا بد أن يتمتع بها النظام القضائي حتى يضمن وجود نوع ما من العدالة الناجزة. أهمها الفصل التام بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ويضيف أن السماح باستمرار التأثير في السلطة القضائية يسهم في إضعافه وزيادة العزوف عنه.

“الشرطة مثلا تقوم بتجديد حبس بعض المتهمين باستمرار بعيدًا عن السلطة القضائية عن طريق التحجج بتعذر نقل المتهمين للنيابة”، يقول بلال، مضيفًا: “يحدث هذا بشكل مستمر، وإذا لم تتدخل السلطة القضائية من أجل الفصل بين السلطات؛ فإن العديد من المواطنين سيستمرون في اللجوء إلى بدائل أخرى للنظام القضائي، وستزداد معدلات أخذ المواطنين لحقوقهم خارج قاعات المحاكم”، وهو اﻷمر الذي يعتبره أمرًا كارثيَا.

وبرغم أنه يرى أن القرار الأخير الذي أصدره الزند جيد في حد ذاته، ويتوافق مع المعايير الدولية لحقوق اﻹنسان؛ إلا أن بلال يرى أن الاكتفاء بمثل هذا القرار منفردًا دون أي تعديلات أخرى جذرية في إجراءات التقاضي وطريقة عمل المحاكم، سيجعل القرار تمامًا كـ “كي قميص متسخ”.

اعلان