Define your generation here. Generation What
البحث عن دم.. في بلد- المفروض إن- عنده دم
 
 

امرأة فقيرة تتوسل للطبيبة المسئولة عن بنك الدم في واحدة من المستشفيات الحكومية الكبرى لتعطيها أكياس دم من فصيلة نادرة، تحتاجها لإنقاذ حياة طفلها الذي أصيب في حادث سيارة، ترد الطبيبة بأن الفصيلة المطلوبة غير متوفرة بالبنك منذ ثلاثة أيام، تاركة الأم تحمل ألمها وترحل.

كانت سلمى خطاب- التي يجري والدها جراحة خطيرة بالقلب في نفس المستشفى- شاهدة على هذا الموقف. كان والد خطاب يحتاج الفصيلة نفسها، وتبرعت العائلة بما يكفي من أكياس الدم حتى تستطيع مبادلتها بأكياس من الفصيلة الذي يحتاجها الأب، فكيف لا تجد خطاب أكياس الدم المطلوبة!، بعد شجار مع الطبيبة ورئيسها وعمل بعض “المكالمات الهامة”، استطاعت خطاب الحصول على أكياس الدم المطلوبة من البنك نفسه وبأمر الطبيبة نفسها.  

“الأم اللى كانت هنا لو حصل لابنها حاجة دمه هيبقى فى رقبتك، هكذا قالت خطاب للطبيبة.

بينما يحتفل العالم باليوم العالمي للتبرع بالدم في الرابع عشر من يونيو كل عام، تعاني بنوك الدم بالمستشفيات الحكومية المصرية من فقر حقيقي، حيث يتحول كيس الدم إلى سلعة قد لا يتحمل الكثيرون نفقات شرائها.

طبقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية عن قاعدة البيانات العالمية لمستوى أمان مخزون الدم، والصادر في عام 2011، فإن قرابة العشرة إلى العشرين شخص فقط هم من يتبرعون بالدم بين كل ألف شخص، وهو معدل منخفض إلى حد ما. بينما يؤكد المنخرطون في نشاط التبرع بالدم أن المشكلة تعود لضعف ثقافة التبرع المنتظم في المجتمع المصري، إلا أن مشاكل بنيوية أخرى في السياسات التي تحكم بنوك الدم في مصر ساهمت بشكل كبير في تفاقم أزمة نقل الدم.

للسيطرة على التجارة في الدم، أصدرت وزارة الصحة قرارًا عام 1997 بحظر نقل الدم بمقابل مادي، وكان القرار ضمن سياسة أكبر اعتمدتها الدولة وقدمتها لمنظمة الصحة العالمية وتم تطبيقها بشكل فعلي عام 2008. نصت السياسة الجديدة على منع بنوك الدم في المستشفيات الحكومية من قبول عينات التبرع وتحليلها وتوزيعها. في المقابل، تم إنشاء المركز القومي لنقل الدم ليكون المستقبل الحصري لتبرعات الدم وتحليلها وتوزيعها على المستشفيات الحكومية والخاصة والأفراد، بينما تحولت بنوك الدم في المستشفيات الحكومية لبنوك تخزينية لحصصها التي يتم صرفها من المركز القومي. في حين تم إعفاء المستشفيات الجامعية من هذه السياسة، مما أتاح لهذه المستشفيات القدرة على استقبال التبرعات وتحليلها وتوزيعها في بنوك الدم الخاصة بها.

يبيع “المركز القومي” أكياس الدم بأسعار مدعمة: بقيمة 95 جنيهًا للمستشفيات و130 جنيهًا للأفراد.

أحمد زغلول- مؤسس مبادرة بنك الدم المصري، وهي كبرى المبادرات العاملة في مجال تشجيع التبرع بالدم في مصر- شرح لـ«مدى مصر» أن هذه السياسة أدت لتدهور أوضاع نقل الدم في مصر. يتهم زغلول المركز القومي ببيع حصص المستشفيات الحكومية للمستشفيات الخاصة التي تبيع بدورها أكياس الدم للمواطنين بأسعار تصل في الأغلب إلى 300 جنيهًا للكيس، وقد ترتفع إلى 700 جنيهًا للفصائل النادرة.

لكل كيس دم يحتاجه مريض في أي مستشفى مصري، يتم إجبار أهله على التبرع بكيس دم في المقابل. ويجب عليهم توفير أربعة أو خمسة أكياس إذا كان المريض من أصحاب فئات الدم النادرة. بحسب زغلول، الذي يضيف: “أدت هذه الندرة لقيام سوق سوداء لتجارة بيع أكياس الدم في مصر، ويسيطر على هذه التجارة مستشفيات بعينها استطاعت أن يكون لها باع طويل وشهرة في مجال تجارة الدم”.

رئيسة المركز القومي لنقل الدم الدكتورة عفاف أحمد لم تكن متاحة للرد على تساؤلات «مدى مصر» واتهامات زغلول للمركز، إلا أن الحديث عن هذه الاتهامات لم يكن وليد هذه اللحظة.

في عام 2011 نشر الكاتب عمر طاهر مقالًا اتهم فيه المركز القومي ببيع تبرعات الدم من المواطنين المصريين لصالح مصابي الثورة إلى المستشفيات الخاصة. طبقًا لطاهر، فإن المركز تقاعس عن صرف الحصص المقررة للمستشفيات الحكومية من أكياس الدم.

يؤكد زغلول أن الحملة اتي شنها طاهر وقتها دفعت الكثيرين من المتبرعين المنتظمين إلى الإقلاع عن التبرع، “لأنهم لا يريدون أن تستغل دماؤهم في تجارة غير مشروعة”. حاليًا يقتصر المتبرعون على الأقارب الذين يتبرعون لذويهم الذين يخضعون لجراحات عاجلة أو من خلال التبرع لحالات بعينها بعد نشر استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي.

يحكي زغلول عن حالة تبرع بالدم عايشها بشكل شخصي حينما ذهب شخص ما للتبرع لأحد أقاربه في مستشفى خاص ليخبروه بعد التبرع بكيس دم كامل أنه مصاب بفيروس سي وأن المستشفى ستضطر لإعدام الكيس. بعد عمل الفحوصات اللازمة اكتشف المصاب أنه غير مصاب بالفيروس وأن بنك الدم بالمستشفى أوهمه بذلك كي يتم الحصول على كيس الدم وبيعه لآخرين بدون الاضطرار لإعطاء المتبرع كيس دم آخر في المقابل. يقول زغلول: “هذه المستشفيات تمص دماء المتبرعين حرفيًا”.

يروي أحمد عطية لـ«مدى مصر» معاناته حينما حاول الحصول على أكياس دم تحتاجها صديقة له العام الماضي، يقول: “بعد ما لفيت على “المصل واللقاح”، وستة مستشفيات في المهندسين ومدينة نصر، اضطرينا في الآخر نشتري من تاجر سوق سودا بضعف التمن ومن غير ما يكون فيه تحليل للدم ده.. يعني كان ممكن يبقى ملوث بالإيدز أو فيروس سي”.

على صعيد آخر، تقول الدكتورة هبة جودة- أخصائية الباثولوجيا الإكلينيكية، ورئيسة بنك الدم بالقصر العيني- إن مشكلة نقل الدم في مصر تتمحور أيضًا حول عدم القدرة على تطبيق السياسات بشكل فعال في ظل النظام الصحي “المترهل” على حد قولها. وتضيف: “فشلنا في مواكبة الواقع العلمي المتجدد باستمرار، هناك إرشادات جديدة لنقل الدم كل عام، هناك بحوث جديدة، ولكننا ما زلنا متمسكين بالطرق التقليدية القديمة في ظل بنية تحتية تكاد تكون منهارة”.

ضعف ثقافة التبرع بالدم تزيد الأمر تعقيدًا، حينما توجه «مدى مصر» لسؤال عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عن الأسباب التي تمنعهم من التبرع بالدم، عبر الكثيرون عن عدم ثقتهم في النظام الصحي أو في مستوى نظافة الأدوات المستخدمة في عملية التبرع، مما يزيد المخاوف من انتشار العدوى بالأمراض الفيروسية.

أيمن عليوة- صيدلي، ويقول إنه كان دائم التبرع في القصر العيني- يحكي أنه في أحد مرات تبرعه وقعت “الكانيولا” التي يقوم الممرض بتركيبها له، فما كان من الأخير إلا أن تناولها من الأرض وعقمها بالكحول في محاولة لحقن عليوة بها مرة أخرى. يستكمل: “مسكت فيه وما حدش حاشني عنه غير أبو الولد اللي هيتعمل له العملية، وخليته أعدم الكيس بعد ما كان تِلته اتملی، واتبرعت تاني”.

تقول جودة إن عملية التبرع بالدم آمنة تمامًا للمتبرعين، ولا يمكن بأي حال من الأحوال انتقال أي عدوى أثناء التبرع، ولكنها تضيف أن مخاوف المتبرعين مشروعة، شارحة: “من الطبيعي أن يتشكك المتبرعون حينما يجلسون على مقاعد تبرع ممزقة وقذرة، وحينما يشاهدون الممرضين والأطباء وهم يرتدون ملابس طبية غير نظيفة تمامًا، أو حينما يرون أن الممرضين على غير وعي بإرشادات الأمان أثناء التبرع”.

“بلود إيجي” هي مبادرة تتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لربط هؤلاء الذين في حاجة للتبرع بمجتمع مستخدمي هذه المواقع من المتبرعين المحتملين. مؤسسا المبادرة التي بدأت منذ أربعة سنوات رافعة شعار “التبرع بالدم ثقافة”، يأملان في أن يطورا ثقافة قوية قادرة على تشجيع التبرع بالدم بين المصريين.

محمود عبد العزيز- مدير صفحات المبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي- يقول إن الجمعيات الخيرية والمبادرات التطوعية يعملون بشكل مكثف على سد الفجوة الحادثة، لكنه يضيف: “طالما نعمل كمتطوعين بدون دعم وتنسيق مع الدولة ووزارة الصحة فكل ما نفعله ما هو إلا مسكنات.. للأسف”.

تقول خطاب إن لديها ما يكفيها من القصص الأليمة مع هؤلاء الذين واجهوا الموت بسبب الاحتياج للدم. وإنها فقدت أعز صديقاتها في أحد تلك المرات، وتضيف: “في الأوطان التي تزهق فيها أرواح البشر في الشوارع وعلى الطرق لن يكلف المسئولون أنفسهم عناء توفير دماء تنقذ أرواح بشر آخرين غير الذين يقتلونهم بدم بارد يوميًا، أو يقتلون أمامهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء محاسبة القاتل”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين