Define your generation here. Generation What

طريق الألف تجربة.. يبدأ بخطة!

قرأت في يوم الجمعة الموافق 8 مايو، مقالًا للزميل أحمد محجوب، منشورًا في جريدة “المصري اليوم” بعنوان (ارفع سقفك فوق أنت صحفي)، وليسمح لي أحمد بأن أناديه زميلًا، علي الرغم من أني لم أمتهن الصحافة يومًا، لكن ما قرأته في المقال يجعله زميلًا ورفيق طريق، فأنا أعمل منذ سنوات عدة وحتي اليوم في مجال الدفاع عن والتمكين من الحق في حرية الوصول وتداول المعلومات.

ودعني أحدثك عن أحد أكبر هموم ناشط وباحث مهتم بذلك المجال، وقد لخّصها بإبداع أحد مشاهد فيلم “الحاسة السابعة”، الذي شاركني إياه تندرًا أحد الأصدقاء تلخيصًا لأزمة العمل علي ذلك المجال في مصر بشكل عام، وفي ذلك التوقيت بشكل خاص- منذ 2011 حتى الآن؛ حيث لخّص البطل إحدى أهم أزماته الدرامية في أن ما هو مهتم به ويريد تحقيق إنجازات فيه، وهي لعبة الكونج فو “ملهاش جمهور في مصر”، وأضاف بأسى أنه لن يشعر بطعم نجاح بطولاته دون جمهور يشاركه تلك السعادة.

فكذلك حال قضايا ومعارك حرية الوصول وتداول المعلومات، فهي “ملهاش جمهور” بالمعني الحرفي والمتعارف عليه للكلمة نظرًا لأسباب عدة:

1. فهو حق عام، وغير مباشر وملموس الأثر، فهو عام لأنه يرتبط بجميع مجالات الحياة العامة والخاصة للمواطن، نستطيع بقدر من إمعان النظر أن نجد أثر ودور المعلومات والمعرفة فيما نواجهه من أزمات ومشكلات بدءًا من تفاصيل الحياة اليومية العادية وحتي الواقع والمجال العام في مصر.

وهو غير مباشر وملموس الأثر نظرًا لهذا القدر اللازم من “إمعان النظر” الذي نحتاجه كي ندرك أهميته ودوره.

وهنا يأتي أحد أهم أدوار المهتمين بذلك المجال في محاولة إلقاء الضوء على ذلك الأثر في القضايا والمجالات المختلفة، بل وكيف يمكن للحق في الوصول إلى المعلومات إلى أن يكون المدخل المفتاحي في مواجهة وإثبات انتهاكات حقوق أخرى يعانيها المواطن بشكل مباشر، وآلية مهمة لبناء حملة للدفاع عن تلك الحقوق وحمايتها.

فكل معارك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بدءًا من معركة الحد الأدنى والأقصى للأجور، ومعارك العمال مع كاسحات الخصخصة وسياسات إعادة الهيكلة، وتطوير ودعم مظلة التأمين الصحي والاجتماعي، والتساؤلات حول ماذا يأكل ويشرب ويتنفس المصريون؟ والتي أصبحت أقرب للتساؤلات الوجودية والفلسفية التي تدور في فلك التكهنات والافتراضات وليس لها إجابات وخطط واضحة وشافية يستطيع أن يطمئن من خلالها المواطنون على مصائرهم الشخصية ومستقبل أطفالهم. كل تلك القضايا تدور في فلك الأساطير والروايات ووجهات النظر دون أرقام ومعلومات واضحة ومحددة ومبسطة ومفهومة يستطيع أن يصل إليها المجتمع ويتعامل معها ويشارك ويراقب ويحاسب اعتمادًا عليها.   

فعلى سبيل المثال؛ فإن دفاع طلاب الجامعات المصرية عن حقهم في الوصول إلى المعلومات والبيانات المتعلقة بموازنة التعليم العالي وجميع اللوائح والقرارات المنظمة لسياسات توزيع الموارد المالية للجامعة، هو مدخل فعّال ومؤثر في الدفاع عن العديد من حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فهو أهم عوامل بداية تمكين الطلاب من حقهم في المشاركة وإبداء الرأي والنقد في إدارة شئون الجامعة من خلال الاتحادات والتنظيمات الطلابية المختلفة، وهو مدخل أيضًا يمكّنهم من دفاعهم عن رفع جودة العملية التعليمية عندما يتمكنوا من قراءة سياسات الدولة ووزارة التعليم العالي تجاه دعم وتطوير التعليم العالي من خلال الأرقام والبيانات الفعلية التي تُبيّن نصيب كل جامعة وطالب، لا من خلال الشعارات والبيانات الصحفية الرنانة. وهو مدخل أيضًا يستطيع من خلاله الاتحادات والتنظيمات الطلابية الدفاع عن حرية واستقلالية النشاط الطلابي من خلال الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالموازنات المرصودة لممارسة الأنشطة الطلابية والتحكم في سياسات توزيعها وصرفها، دون أن يملك موظف “الختم” أن يصادر ذلك الحق بكلمة (مفيش ميزانية).

فحرية الوصول إلى المعلومات هي حق تمكيني، يلعب دورًا أساسيًا في تمكين المواطن من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية من خلال توفير الوعي، والرقابة والتقييم لأداء الدولة، وحق التقاضي والمحاسبة في حالة تعرضها للانتهاك.

وأيضا هي أحد المكونات اللازمة لممارسة الحقوق السياسية والمدنية في النظم الديموقراطية والساعية لأن تصبح ديموقراطية، فقد أكد  التقرير الصادر عن منظمة “الولايات المتحدة الأمريكية لحرية التعبير” في 1999 على أن “الحق في الحصول على المعلومات الرسمية، هو أحد أسس الديموقراطية التمثيلية، ففي نظام الحكم الذي يعتمد على التمثيل، يصبح للفرد الذي فوّض ممثله بالقيام بإدارة الأمور العامة الحق في تداول المعلومات، وهي المعلومات التي تستخدمها الحكومة وتنتجها باستخدام أمواله كدافع ضرائب، وتستطيع ببساطة أن تطبق تلك الفقرة بدءًا من أصغر المجالس الشعبية في أبعد القرى والنجوع، وصولا إلى مجلس الشعب ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، فمن حق المواطن أن يعرف كيف يتم اتخاذ القرار؟ وعلى أي أسس ومعايير يتم اتخاذه؟ وحرية الوصول إلى المعلومات هي الوجه الآخر المُكمّل لحرية التعبير، فحرية التعبير في معناها المباشر هي حق الأشخاص في أن يعبّروا عن آرائهم وأفكارهم، وهو ما يحوى ضمنيًا حق متلقي هذه الأفكار والآراء والمعلومات في وجود سبل ومنافذ تتدفق من خلالها بعيدًا عن التدخل من قبل الحكومة أو غيرها من الأفراد. فحرية التعبير لا تقتصر فقط على حرية الأفراد في التعبير عن آرائهم وإنما تشمل أيضًا حق تلقى الآخرين لهذه الآراء المُعبّر عنها في حرية.

إذن، فبالرغم من أهمية وحيوية حرية الوصول وتداول المعلومات كحق تمكيني ومشكل لبيئة أكثر انفتاحًا وشفافية وتدعم بشكل مباشر وغير مباشر تمتع المواطن والمجتمع بحقوقهم الأخري سواء في المجال الاقتصادي والاجتماعي أو المدني والسياسي؛ فإن الوعي المجتمعي العام لا يزال لا يدرك إلى حد كبير  تلك العلاقة، وكيفية استغلالها في معاركه وأزماته التي يمر بها بدءًا من الحياة اليومية العادية، وصولًا إلى الفهم والنقد والضغط من أجل سياسات إدارة عامة أفضل للبلاد.

2. ضمان الوصول إلى المعلومات يتطلب قدرًا عاليًا من الإرادة السياسية للدولة. 

فإن ضمان حق الوصول إلى المعلومات يتطلب “التزام إيجابي”، بمعنى أنه يجب أن تلتزم الدولة بإقرار السياسات والممارسات والآليات والإجراءات التي تؤدي وتحمي ذلك الحق، على عكس الالتزام السلبي الذي يتطلب أن ترفع الدولة يدها وتدخلاتها التي تصادر وتنتهك الحق.

والمنع عن فعل، أسهل كثيرًا من أن تدعو لفعل، وبالحديث عن فعل الإفصاح والإتاحة والانفتاح، فنحن نعني جميع نقائض بنية الدولة المصرية وعقائد نظمها السياسية المتعاقبة.

فنحن أمام بنية مركزية تضخمت إلى حد ابتلاع المجتمع، وبدلًا من أن تصبح الدولة بسلطاتها المختلفة والمنفصلة هي الجهاز المخوّل من المجتمع لإدارة شئونه، أصبح المجتمع يُدار بأدوات هيمنة وقمع الدولة لصالح النظام السياسي المسيطر على الدولة والمجتمع معًا، وأهم آلياتها لتحقيق ذلك احتكار قوة المعرفة والوصول إلى المعلومات، من خلال احتكار أجهزتها البيروقراطية الشديدة المركزية للمحتوى المعلوماتي، باعتبار أن الأصل في الأمور هو حجب المعلومات لا الإفصاح عنها وتداولها بحرية، وأن المعلومات ملك للدولة وليس المجتمع، وعليه أن يتلقى فقط المعلومات التي ترى أنه بحاجة إليها أو يستحقها، أو يمكن أن تحقق منفعة لاستقرار وبقاء نظامها، أو تدفع عنها ضررًا. وبعبارة أخرى اعتبرت الدولة نفسها الولي والوصي على المجتمع فيما يتعلق بملكية وإدارة المحتوى المعلوماتي المجتمعي وتوظيفه واستخدامه وطرق تداوله، فأنشأت ترسانات لصناعة وإنتاج المعلومات لتديرها وتحوزها داخل أروقتها السرية وأحاطتها بفزاعات وعقوبات تهديد الأمن القومي وتكدير الأمن والسلم العام، وهو تمامًا ما وصفه باكونين في كتابه “الإله والدولة”: فحتى تستطيع السلطة الاستبدادية أن تسمو فوق الجميع عليها أن تعمل– وبكل جهودها المدروسة والمنظمة– على إبقاء شعوبها جاهلة؛ لأنها ترى في الجهل واحدًا من الشروط الأساسية التي تمثل قوتها.

وحتى مع ضغوطات المجتمع الدولي على النظم المنغلقة والاستبدادية كي تصبح أكثر انفتاحًا وتتخذ خطوات جادة وحثيثة من أجل إقرار تشريع ينظم حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، وارتباط ذلك بوصفه أحد الشروط لاستمرار دعم مؤسسات النقد والتمويل الدولية واستمرار علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري وجذب الاستثمارات الخارجية، فأصبح من الضروري على الدولة المصرية أن توائم في ذلك الحين بين عقيدتها الراسخة وما تواجهه من ضغوطات، لتتعامل مع إصدار التشريع بمنطق نفعي شكلي ومطاط، لنجد رغبة مُلحّة في أحيان كثيرة- قبل وبعد يناير- في إقرار قانون ينظم حرية الوصول إلى المعلومات، إلا أنه بالاطلاع على أي من المسودات المقترحة تصل إلى نتيجة أن الشيء الوحيد الذي تستطيع تمريره في القانون هو عنوانه وفقط، فلا وجود لإرادة سياسية حقيقية تعتقد في أهمية وأثر حرية الوصول إلى المعلومات…. فدعونا لا نتوقع هبة السماء إذن!

3. هو طريق النفس الطويل.. والناس نفسها قصير.

مع طبيعة ذلك الحق، وطبيعة بنية الدولة المصرية، يستلزم طريق الوصول إلى المعلومات استراتيجية النفس الطويل بامتياز؛ حيث الخطوات المتتابعة والمتراكمة والمنظمة على أكثر من مستوى، كي نستطيع تحقيق أثر إيجابي ملموس يبرهن على أهميته، وهو ما يجعل صعوبة الأمر مضاعفة عند العمل مع الفئات المستهدف أن يكونوا رفاقًا في ذلك الطريق؛ لأن أهم خطوات كسب رفاق أكثر  هو تحقيق نجاحات صغيرة ملموسة تطور وتخلق دافعية أكبر، ويصبح الأمر أصعب وأصعب في ظل مجتمع تم تجريفه لعقود طويلة، فلا هو يملك إمكانية التعامل مع الإنتاج المعلوماتي ولا يدرك أهمية وأثر صناعة المعرفة على حياته وتطوره.

حسنًا، فذلك هو واقع الأمر بشكل مختصر!

فما المدخل للتعامل مع هذا الواقع؟

تعتبر أكثر المداخل أهمية، البحث عن رفاق الطريق المرشحين بقوة لتحمل سياسة النفس الطويل، الرفاق التي تُمثّل حرية الوصول إلى المعلومات حق حيوي ومباشر وملموس الأثر في حياتهم اليومية، وتُعد أزمة الوصول إلى المعلومات وتداولها تهديد لمستقبل مهنتهم ومن ثم تهديد للمستقبل والصالح الشخصي لكل من يمتهنها؛ لأنها “أكل العيش” أيضًا كما ذكر محجوب في مقاله؛ هؤلاء الرفاق هم مجتمع البحث العلمي بوصفه المجتمع المعني بصناعة وإنتاج المعرفة، التي تعتمد على المعلومات والبيانات كأهم موادها الخام، والمجتمع الصحفي والإعلامي بوصفه مجتمع الأفراد والمؤسسات المعنية بنقل المعلومات المُوثّقة والمعرفة المُبرهنة لأكبر جمهور ممكن، وسوف أهتم فيما تبقى من الحديث عن المجتمع الصحفي والإعلامي.

أذكر يومًا كُنت أتحدث مع أحد الأصدقاء الصحفيين حول أن معركة حرية تداول المعلومات هي معركة محورية للصحفيين، وأن…، فقاطع حماسي ببداهة وبساطة ورتابة قائلًا: إن الصحفيين في مصر ربما يكونون أحد أعدائك في تلك المعركة؛ حيث إن من المتعارف عليه في الوسط الصحفي، أن  أهمية الصحفي تتحدد بعدد مصادره التي يستطيع الحصول منها على معلومات لا يستطيع غيره الوصول إليها، فكيف تنتظرين منه دعمًا لكي تصبح المعلومات متاحة للجميع.. عادى كده؟!

فسوف تظل إحدى أهم الإشكاليات التي يعرفها كل من عمل في مجال المدافعة وكسب التأييد بشكل عام، هو أنه على الرغم من وعي أفراد المجتمع المستهدف بأهمية القضية والهدف، لكن تجبرهم المنظومة الأكبر المنتمين إليها على اختيار سياسة “مشّي حالك”، لنجد المجتمع الإعلامي يخلق آليات وسياسات ممارسة مهنية مناقضة تمامًا لأصل المهنة وأصولها، لتتصدر ثقافة سرية المصادر وممارسات صحفية غير مهنية في التعامل مع المعلومات وتوثيقها ونقلها، تحكمها سباقات الانفراد الصحفي التي تهتم بتحقيق أعلى المشاهدات على حساب أن يكون الخبر مبرهنًا وموثقًا ومتكامل الأركان. ولن أستطيع أن أنتقد واقع ممارسة العمل الصحفي والإعلامي ومشكلاته المهنية، إلا بالنظر إليه  كأحد أهم انعكاسات أزمة منظومة وضمانات تدفق المعلومات في بلادنا، والتي وصفهما معًا بشكل بارع ولاذع مقال محجوب.

ولن أختلف معك أيضًا حول ضرورة الحركة وإحداث الثقوب وأهمية مواجهة الشرير، لكن فقط، لصالح الهدف ومن سيتخذ مبادرة المواجهة، أريدها أن تكون منظمة، فللأشرار خطة وسلطة تخدم رغباتهم وإراداتهم ومصالحهم، ونحن أيضًا يجب أن يكون لدينا خطة مقابلة لخطتهم، وقوة مقابلة لسلطتهم، وأولى خطوات تحقيق ذلك، ليس مجرد وصف وإدراك واقع الأزمة، وإنما فهم بنية أسبابه وعوامل استمراره من جانبنا ومن جانبهم، ما فرص وتحديات الواقع التشريعي والسياسي الحالي لإدارة تلك المعركة بثبات وتراكم يحقق تغيرًا حقيقيًا، أيضًا الفهم المحدد لما نريد تحقيقه، فما “المعلومات” التي نطلب إتاحتها وحرية تداولها، وما شروط ومواصفات تلك الإتاحة كي تكون حقًا إتاحة فعّالة، وكي لا يصبح وجودها كومة من النفايات عدمها أفيد من وجودها؟ وما المؤسسات والجهات المسؤولة عن إتاحة تلك المعلومات؟ وهل حقًا لصالح تلك المعركة أن نعتبر كل من هم على الجانب الآخر أشرارًا، وكلهم على القدر نفسه من مناصبة العداء للقضية؟

ولهذا أدعوك يا زميلي العزيز.. وكل مهتم بتلك المواجهة من الوسط الصحفي والإعلامي، أن نشكل جبهة سويًا، لكي لا تصبح “الألف تجربة” مجرد تجارب مبعثرة وحيدة منهكة، وإنما خطوات حقيقية تشكل طريقاً يصل بنا إلى الهدف.

اعلان