Define your generation here. Generation What

١٠ نقاط حول الانتخابات البرلمانية التركية

لأكثر من عقد حافظ حزب “العدالة والتنمية” التركي على الصدارة في الانتخابات البرلمانية معتمدًا على أسلوبه السياسي الجديد، وبرنامج اقتصادي متحرر (يناسب إرث تركيا الاقتصادي)، وسوء الأوضاع في الأحزاب المنافسة، وشعبيته النسبية في المنطقة الكردية جنوب شرق البلاد ورمزية أردوغان كرجل متدين إصلاحي أسهم في التحرر من سلطة العسكريين في تركيا والانتقال إلى حكم مدني حقيقي يكون الاحتكام فيه للصندوق. إذن لماذا حقق الحزب نتيجة أسوأ من الانتخابات السابقة؟!

النقطة الأولى: هذه ليست أقل نسبة يحصل عليها الحزب في تاريخه

حصل حزب “العدالة والتنمية” في انتخابات ٢٠١١ على نسبة ٤٩.٨٣٪- أي نصف عدد المصوتين- في إنجاز غير مسبوق في تركيا الديموقراطية. أما في ٢٠٠٧، فقد حصل على نسبة أقل قليلًا وهي ٤٦.٥٨٪. أما في انتخابات ٢٠٠٢، فقد حصل الحزب على ٣٤.٢٨٪ فقط من الأصوات، ولكنه استطاع تشكيل الحكومة منفردًا لعجز أحزاب أخرى دخول البرلمان التركي لعدم الحصول على ١٠٪ من الأصوات، وهي الاستحقاق الكافي لدخول البرلمان. ووفقًا للقوانين التركية تم توزيع أصوات الأحزاب العاجزة على الأحزاب التي تعدت الاستحقاق، وبالتالي استطاع الحزب النظيف- كما يلقب أحيانًا- بأن يشكل الحكومة منفردًا، ثم يعتمد على إنجازاته في الفترة الأولى لحصد المزيد من الأصوات في المستقبل. في انتخابات ٢٠١٥، حصل الحزب على حوالي ٤٢٪ من الأصوات، وهو ليس أسوأ من أول انتخابات لديهم ولكنه حتمًا أسوأ (ولو بقليل) من ٢٠١١ و٢٠٠٧. لكن مشكلة الحزب الحقيقية تأتي من عوامل أخرى سنتطرق إليها في النقاط المقبلة.

النقطة الثانية: الاقتصاد أيها الأحمق

“الاقتصاد، أيها الأحمق”.. كان شعار بيل كلينتون أثناء حملته الانتخابية، ولكنه سرعان ما تحول إلى قاعدة في الانتخابات السياسية. الاقتصاد وازدهاره وعدله من أهم المؤثرات- سلبًا أو إيجابًا- على عملية التصويت. الاقتصاد التركي ليس في أفضل حالاته مؤخرًا. الاقتصاد التركي انزلق من ٨٤٠ مليار دولار إلى حوالي ٨٠٠ مليار دولا في السنوات القليلة الأخيرة. ولقد عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن هذه الأزمة بكونها أزمة عابرة. أما عن الليرة التركية، فقد انزلقت بنسبة ٢٠٪ من قيمتها في العامين الأخيرين. هذه الأزمة زادت حدة النقاش بين رئيس تركيا ومحافظ البنك المركزي الذي عانى تدخلات أردوغان في سياساته، والتي تعد مخالفة للعرف وصلاحيات محافظ البنك المركزي.

النقطة الثالثة: العمق الاستراتيجي والسلام مع الجيران.. صفر

لا تحتاج أن تكون محللًا سياسيًا أو مستطلع آراء محترفًا لتكتشف أن الشعب التركي غير راضٍ عن سياسات تركيا في المنطقة وتحديدًا سوريا. حينما جاء أردوغان إلى السلطة هو وحزبه وعد بأن تكون سياسات الحزب هي تركيا مسالمة تتميز بعلاقات استراتيجية مع جيرانها. المُنَظِّر للعمق الاستراتيجي ووزير الخارجية السابق ورئيس الوزراء الحالي أحمد داوود أوغلو، كان من أهم الداعين لهذه السياسة الخارجية. ولكن تركيا جمحت بطموحها في المنطقة وبدت نواياها لتستعيد دورًا يتحفظ عليه الكثير من الصقور القدامى في المنطقة. هذا الدور تجلى في سوريا، والتي تشكل خطرًا استراتيجيًا حقيقيًا على الشعب التركي؛ حيث تجلت إحدى مخاطره في تفجيرات ريحانة، والتي راح ضحيتها العشرات، وتسببت في حالة من الاحتقان بين سكان المنطقة من عرب وأتراك. شعبية أردوغان انخفضت في كثير من أنحاء الدول العربية ولم يعد له الشعبية نفسها التي كان يحظى بها في ٢٠١٠ و٢٠١١؛ حيث رصدت منظمة TESEV أنه السياسي الأبرز في المنطقة العربية وتحديدًا مصر. تركيا الآن في مشكلة حقيقية مع جيرانها سواء كانت في حليف سابق كالدولة الصهيونية أم سوريا بشار أم العراق أم إيران أم حتى روسيا، والتي يتزعمها رئيس غير مستريح لأسلحة وقواعد الناتو (حلف الشمال الأطلسي) في تركيا.

النقطة الرابعة: شبح “جازي بارك”

اعتقد البعض أن أردوغان وحزبه قد نجوا بعد أن حققوا نجاحًا نسبيًا في الانتخابات المحلية والرئاسية السابقة. الحقيقة أن مفعول مظاهرات ميداني “تقسيم” و”جازي بارك” كانا لهما مفعولًا أكبر من هذا، وهو تحريك الحياة السياسية والبحث عن بديل لأحزاب المعارضة المتهالكة. أبرز القادة السياسيين الذين استطاعوا أن يسلطوا الأضواء على أنفسهم خلال مظاهرات “تقسيم” كانوا صلاح الدين ديمرتاش، وسري سُريا أودنر، وفيجن يوكسيكداغ.. هؤلاء هم قادة حزب “الشعوب الديموقراطي HDP”. هذا هو الحزب الذي حقق المفاجأة وحصل على نسبة أعلى من ١٠٪، وبذلك يدخل البرلمان الجديد على حساب الأحزاب الأخرى.

النقطة الخامسة: حزب “الشعوب الديموقراطي”

من رحم أزمات الأتراك مع الأكراد ولد العديد من الأحزاب التي حاولت أن تتبنى القضية الكردية وتكون المتحدث الرسمي لها. الظلم الذي تعرض له الأكراد غير مقصور على الإطلاق على أزمة كوبانه (عين العرب)، والتي أظهرت بسالة الأكراد في التصدي لداعش بينما الحكومة التركية وقفت تشاهد؛ ولا على ضحايا القصف الطيراني منذ سنوات والذي أودى بحياة العشرات من الأبرياء؛ ولا على الضحايا الذين يموتون في المظاهرات والأقسام؛ بل أزمة الأكراد تعود لحوالي قرن، حينما رفض أتاتورك الاعتراف بهم وآثر أن يغصب عليهم طريقة العيش التركية والسعي من أجل طمس هويتهم. بالرغم من أن حزب “العدالة والتنمية” قدم الكثير من التنازلات سابقًا، إلا أنه مؤخرًا بدأ ينتهج نهجًا قوميًا محافظًا. حزب “العدالة والتنمية” أصبح يتجه نحو الكهولة السياسية والتعنت الفكري، ولذلك كان لابد من أن يظهر حزب عكسه تمامًا.

حزب “الشعوب الديموقراطي” طرح نفسه في حملة أثارت إعجاب المتابعين بشكل جديد وشبابي وتقدمي. الحزب استطاع أن يخاطب الجميع ولم يحصر نفسه في كون قيادته من الأقلية الأكراد. الحزب طرح نفسه خارج حدود السؤال أو المشكلة الكردية، وطار بعيدًا عن الحلول المقدمة من أحزاب لا تستطيع أن تخرج خارج عباءة القومية التركية التي سنها أتاتورك ذاته. الحزب يتمتع بديموقراطية داخلية فريدة بالإضافة إلى رئيسين. الأول: رجل (صلاح الدين ديمرتاش) والثاني: امرأة (فيجن يوكسيكداغ). السياسة الكردية السلمية والمسلحة تعزز من دور المرأة وتمثيلها وهو أمر يميل إليه جل أصحاب المشاريع التقدمية. الحزب تحدى الكثير من التابوهات وطالب بالسعي من أجل حقوق الأكراد والعلويين وغير المسلمين وعدم اضطهاد المرأة والشباب والمثليين.

النقطة السادسة: النظام الرئاسي وسلطة الرجل الواحد

بالرغم من تعلق الكثير من الأتراك بشخصية أتاتورك وثقافة الرجل الواحد الملهم المنقذ؛ فإن هذه العقلية في اندثار. مشروع أردوغان في تأسيس جمهورية رئاسية يكون فيها رئيسًا بسلطات أكبر وأكثر تأثيرًا لم تلق المساندة المرجوة. النظام البرلماني أثبت أنه يستطيع أن يحقق ما يحققه النظام الرئاسي من تقدم وازدهار. هذا ليس في الدول الأوروبية أو الآسيوية فقط، بل في تركيا نفسها!

النقطة السابعة: فتح الله جولن وحركة “النوريون”

فتح الله جولن، هو داعية صوفي ويعد من تلاميذ الإمام سعيد النورسي، وهو الزعيم الروحي لحركة “النوريون” في تركيا. هذه الحركة تملك أرضًا واسعة من التأييد بين محافظي تركيا، ولطالما شبه علمانيو تركيا جولن بالخوميني اعتقادًا منهم بأنه الحاكم الحقيقي لتركيا. جولن وأردوغان كانا على شراكة تحكمها المصلحة. ولكن مؤخرًا انتهت هذه الشراكة بصراع دموي على السلطة استخدم فيه فريق جولن الصحفي التسريبات التي بها شبهة فساد كسلاح أساسي ضد أردوغان والمقربين منه، بينما ادعى أردوغان أن جولن هو زعيم الدولة الموازية والدولة العميقة، وزج بالكثير من أنصاره في السجن. هذه الحرب المستمرة بين القطبين عمقت جراح حزب “العدالة والتنمية” وشتتت قواه في حروب داخلية وخارجية.

النقطة الثامنة: من يحكم تركيا؟!

 من أهم إنجازات حزب “العدالة والتنمية” أنه سن سنة أكسبته الكثير من الاحترام وهي سُنة الثلاث فترات. فبالرغم من أن الدستور التركي لا يضع حدًا أقصى على عدد الفترات السياسية؛ فإن الحزب وضع في دستوره الداخلي مادة تقضي بألا يتناول أي سياسي منصبًا أكثر من ثلاث فترات. عندما جاءت اللحظة الحاسمة على تنحي أردوغان من رئاسة الحزب والحكومة التركية، تم تولية أحمد داوود أوغلو رئاسة الحزب والحكومة ليكون دوره هو الرمزي بدلًا من رئيس الجمهورية- أردوغان-، كما ينص الدستور. أردوغان تعامل على أن الدستور قد غير بالفعل، وأنه في نظام رئاسي يأمر فيطاع. اجتماعات الحكومة مع رئيس الجمهورية وصلت إلى مستوى قياسي. وفي هذه الاجتماعات بدا وبوضوح أن أردوغان لا يزال هو المسيطر، وأن إلزام الدستور له بالحياد والرمزية ليس سوى كلام مسطور. أردوغان لم يستطع أن يتمالك نفسه خلال الانتخابات، فبدأ يحث الناس على انتخاب حزب “العدالة والتنمية”، وهو أمر يخالف الدستور التركي ويتعدى على عرف تركي وديموقراطي أصيل.

النقطة التاسعة: أين عبد الله جول؟

الدكتور عبد الله جول، صديق أردوغان والرئيس السابق للجمهورية التركية، من أهم الحلقات المفقودة في هذه الانتخابات. جول الذي شغل منصب رئيس الوزراء أثناء منع أردوغان من الحياة السياسية، عرف عنه طيلة حياته السياسية اللباقة وحسن الخلق والقدرة على الحوار مع التيارات السياسية المختلفة. خلال رئاسته استطاع أن يعادل صخب وشدة أردوغان في التعامل مع جميع الجبهات، سواء كانت داخلية أم خارجية. أثناء أحداث جازي بارك، أصبح جليًا أن هناك شقاقًا وخلافًا في الرؤى بين الصديقين. وكلما زادت الشائعات، كلما طالب البعض جول بتشكيل حزب جديد والانفصال عن أردوغان. جول- الذي لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة في تركيا- آثر أن يقضي حياته بعد الرئاسة بعيدًا عن السياسة.. حتى الآن.

النقطة العاشرة: أردوغان ونصيحة نيتشه

يقول نيتشه: “احترس عند محاربة الوحوش ألا تصبح واحدًا منهم”. الحقيقة أن قصة أردوغان أصبحت مثل الأساطير الشعبية أو الأبطال التراجيدية في روايات شكسبير. بدأ أردوغان الشاب حياته في كفاح من أجل ما يؤمن به حتى تحول إلى ما كان يكافحه. الآن، نجد أن نسبة اعتقال الصحفيين في تركيا هي الأعلى عالميًا في تنافس مع دول قمعية كالصين. تعامل أردوغان مع الصحافة والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي بشكل عام أشبه بالدول البوليسية التي لا ترقى إلى ما حققه الشعب التركي لنفسه. الشرطة تستخدم عنفًا مفرطًا في التعامل مع المتظاهرين، ويكفي أن كلا من أردوغان ومساعده لهما سابقة في الاعتداء على معارضيهم. أردوغان تحول إلى ما كان يخشاه… أتاتورك جديد. رجل يرى نفسه أعلى من النظام. رجل يرى نفسه أبًا لتركيا. أتاتورك مان له إنجازات لكن غمرتها خطاياه التي ارتكبها في حق من عارضه من شعبه. أردوغان له إنجازات عظيمة في تركيا لا ينكرها عاقل ولكن تغمرها الآن أخطاؤه وحبه للسلطة. كان أردوغان هو سبب صعود حزب “العدالة والتنمية”.. فهل يصبح الآن سبب هبوطه؟ لا أعرف.. ولكن بالتأكيد أردوغان أصبح عدو نفسه.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين