Define your generation here. Generation What
“في عُرف من؟”.. “الحُكم” قد يكون جريمة أحيانًا
 
 

في 11 فبراير 2014، شهدت منطقة المطرية في القاهرة مشاجرة عادية، كان طرفها الأول المواطن محمد عبدالعزيز وشقيقه، وطرفها الثاني أفراد من عائلة هتلر.. المسيحية. أدت المشاجرة إلى استنفار ديني بين الطرفين، وتطورت إلى تبادل إطلاق النار الذي أسفر عن مقتل أحد المواطنين المسلمين. على إثر ذلك ألقت قوات اﻷمن القبض على 13 شخصًا من عائلة هتلر وعائلة مسيحية أخرى تدعى عائلة زغلول. وبدلاً من حمايتهم، طلبت قوات اﻷمن من أفراد العائلتين المسيحيتين مغادرة المنطقة وإغلاق منازلهم ومتاجرهم. بعد مرور أربعة شهور على الواقعة، عُقدت جلسة صلح عرفي بنادي المطرية الرياضي، حضرها نائب مدير أمن القاهرة ومأمور قسم شرطة المطرية.

انتهت الجلسة إلى تهجير جميع أفراد عائلة هتلر البالغ عددهم 62 شخصًا من منطقة المطرية وبيع جميع ممتلكاتهم خلال مدة أقصاها 6 أشهر، بعد أن يقدم الجانب المسيحي مائة من اﻹبل لعائلة القتيل، وفقًا لمبدأ الدية اﻹسلامي، باﻹضافة إلى تقديمهم خمسة أكفان وخمسة عجول ، فضلًا عن قيام الجانب المسيحي بالتبرع بقطعة أرض مساحتها 234 مترًا مربعًا ومبلغ مليون جنيه لبناء مسجد ودار أيتام. وفوق كل هذا، لا يعد الصلح تنازلا من العائلة المسلمة عن القضية المنظورة أمام النيابة العامة.

كانت هذه هي إحدى الحالات التي وثقتها الدراسة التي أصدرتها “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” عن دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية ومدى مسئولية الدولة، والتي جاءت تحت عنوان “في عُرف من؟”. وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد بنقابة الصحفيين ظهر اليوم بمناسبة إطلاق الدراسة قال الباحث إسحق إبراهيم- مسؤول برنامج حرية الدين والمعتقد في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” وكاتب الدراسة- إنها جزء من دراسة أوسع تعدها “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بالتعاون مع “المركز اﻹقليمي للوساطة والحوار” عن دور العُرف في حل النزاعات الاجتماعية.

يشير إبراهيم في دراسته إلى أن اﻷنظمة السياسة المتعاقبة كرّست طوال الوقت لفكرة التعامل مع اﻷقباط باعتبارهم رعايا تمثلهم الكنيسة وتنوب عنهم، وليس باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق. مضيفًا أن النخب السياسية الحاكمة كانت تطرح فكرة اﻹسلام السياسي كتهديد لﻷقباط؛ ﻹبقاءهم ككتلة جاهزة للمناصرة بمجرد مخاطبة الكنيسة. لكن الانفلات اﻷمني الذي أعقب الثورة سمح باتساع دائرة أحداث العنف الطائفية، في الفترة ما بين 25 يناير إلى منتصف سنة 2013، وتتحدث الدراسة عن 150 حالة عنف طائفي أسفرت عن سقوط 116 قتيل والمئات من الجرحى، وهو إحصاء لا يشمل حالات العنف الطائفي التي صاحبت فض اعتصامي رابعة والنهضة في صيف 2013، ولا حالات الحرق والنهب، فضلًا عن حالات أخرى لم يتسنى للباحث توثيقها.

تبدأ الدراسة بحصر الطرق التي تؤدي إلى الطائفية، بدءا من منع صلاة المسيحيين أو وجود علاقات عاطفية أو جنسية بين شخصين مختلفي الديانة، أو التعبير عن الرأي في مسائل دينية والمشاجرات اﻷهلية والعنف السياسي.

وفي دراسته، يوثق إبراهيم 45 حالة من حالات العنف الطائفي التي انتهت بجلسات للصلح العرفي. وفي محاولته لاستخلاص سمات عامة لجلسات الصلح العرفي كوسيلة لحل نزاعات العنف الطائفي، يقول إن اﻷغلبية العظمى من جلسات الصلح العرفي تحدث في صعيد مصر، وهو ما يرجعه إلى “نمط العلاقات الاجتماعية المشخصنة السائد في الريف المصري” و”ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن القيام بوظيفتها في حماية السلم الاجتماعي، و”تراجع ثقة المواطن في كفاءة منظومة العدالة”، وهو ما أدى- كما يرى- إلى اضطرار العديد من الحلات للرضوخ لجلسات الصلح العرفي.

لكن هذا الرضوخ لا يعني الرضا. يوضح إبراهيم لـ “مدى مصر” أن عائلة هتلر التي تم تهجيرها من المطرية لم تقبل بشروط لجنة الصلح العرفي التي عُقدت. وعلى الرغم من صدور أحكام بحق المتهمين بالعائلة، إلا أن باقي أفرادها ما زالوا ممنوعين من العودة إلى المطرية أو التصرف في ممتلكاتهم. توضح الدراسة أيضًا أن نتائج معظم جلسات الصلح العرفي تحمل سمات مشتركة: ما زالت مشكلة بناء المسيحيين لكنائس جديدة مستمرة. وعلى الرغم من حكم محكمة القضاء اﻹداري في الدعوى رقم 7635 لسنة 60 ق بتاريخ 26 فبراير 2013، الذي أكد أن ترميم وإعادة بناء الكنائس لا يحتاج إلى موافقة خاصة، إلا أن المسيحيين ما زالوا ممنوعين من حقهم بسبب استمرار “ممارسات الجهات اﻷمنية وتحرش قطاع من المواطنين” ضدهم.

وفي مناقشته لﻷدوار الفاعلة في جلسات الصلح العرفي، يوضح إبراهيم أن دعم العرف على حساب القانون مستمر بموافقة اﻷجهزة اﻷمنية والنيابة العامة والمؤسسات الدينية. وهنا يشير إلى حادثة أخرى.

قرية “الحوارتة”، أحد قرى المنيا، يشكل المسلمون أغلبية سكانها. تجاورها قرية “نزلة عبيد”، ذات الأغلبية المسيحية، والتي يمتلك أحد أبنائها قطعة أرض على مشارف قرية الحوارتة المجاورة. على اﻷقل كان هذا هو الحال حتى 28نوفمبر 2013 حين حاول الرجل بناء منزل له على قطعة اﻷرض التي يمتلكها، وهو ما رفضه المسلمون من قرية الحوارتة، وحاولوا منعه، ما أدى إلى اشتباكات بين مسلمي قرية الحوارتة ومسيحيي قرية نزلة عبيد، نتج عنها مقتل 4 مواطنين، اثنان من المسلمين ومثلهما من المسيحيين، كما أصيب نحو ثلاثين شخصًا من الجانبين باﻹضافة إلى حرق منزلين مملوكين ﻷقباط على أطراف قرية “نزلة عبيد”، وحرق سيارة لمسيحي من قرية ثالثة مجاورة. بعد أكثر من أسبوعين على تلك الواقعة، وفي 14 ديسمبر 2013، عقدت جلسة للصلح العرفي برعاية مدير أمن المنيا، اللواء أسامة متولي، ومجلس القبائل العربية وقيادات تنفيذية بالمحافظة. وحين طلب منظمو جلسة الصلح أحد ممثلي الكنيسة في المنيا لحضور الجلسة، رفضوا الحضور، فلجأ المسؤولون لاستدعاء قس من محافظة أسيوط ليحضر جلسة الصلح التي لا يعرف عن أسبابها شيئًا. وهو ما استنكرته مطرانية المنيا بشدة وأصدرت بيانًا تنفي فيه مشاركتها في الجلسة ودهشتها لمشاركة القس القادم من أسيوط، وهو ما أدى بمطرانية أسيوط لأن توقف القس عن عمله وتصدر بيانًا تنفي فيه علمها بمشاركته في جلسة الصلح.

انتهت جلسة الصلح العرفي إلى تصالح مشروط بعدم بناء مسيحيي قرية نزلة عبيد على اﻷرض المملوكة لهم في قرية الحوارتة، وأن يتحمل المسيحيون دفع دية القتلى المسيحيين ويدفع المسلمون دية القتلى المسلمين، ودفع مبلغ لصاحب السيارة التي تم حرقها. باﻹضافة إلى كل هذا، قضت جلسة الصلح العرفي بمعاقبة مسيحيي نزلة عبيد بعدم الخروج من منازلهم لمدة 15 يومًا ﻷي سبب من اﻷسباب.

عمرو عبدالرحمن- مدير وحدة الحريات المدنية في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”- أضاف خلال المؤتمر الذي عُقد اليوم إلى أن موقفهم من العرف ليس موقفًا مبدأيًا رافضًا له على اﻹطلاق. موضحًا أنه يمكن استخدام العرف باعتباره وسيلة سريعة لحل الخلافات بعيدًا عن بيروقراطية أجهزة العدالة التي تستغرق وقتًا قد يمتد لسنوات. إلا أن استخدام العرف لا بد أن يتم بشكل مكمل للقانون، كما يؤكد، وأنه لا بد أن يتم برضاء كل اﻷطراف وليس استغلالا لضعف طرف على حساب آخر كما يحدث في معظم جلسات الصلح العرفي في حالات العنف الطائفي على وجه الخصوص.

اعلان
 
 
محمد حمامة