Define your generation here. Generation What
شاهد عيان: عامل “العريش” قُتِل برصاص الجيش
 
 

قبل خمسة أيام، نشر موقع صحيفة «المصري اليوم» خبرًا بعنوان “مصرع عامل وإصابة ٣ آخرين برصاص مجهولين بوسط سيناء”، أفاد بأن ٤ عمال تعرضوا لإطلاق نار من مجهولين أثناء نقلهم زميلًا لهم، أصيب أثناء عمله، إلى مستشفى العريش العام.

الخبر نفسه تداوله عدد من المواقع الإخبارية، دون الإشارة إلى موقع العمل الذي وقعت به الإصابات أو أي تفاصيل أخرى، بخلاف أن بعض العمال تجمعوا أمام مستشفى العريش العام في حالة من الغضب.

ولكن جوانب أخرى من القصة بدأت تتكشف أمس. بعدما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لعدد من العمال أثناء تجمهرهم في موقع عمل صحراوي أمام مدرعة، تبدو تابعة للقوات المسلحة، يعتليها عدد من أفراد الجيش. بعد ثوانٍ بدأ أحد الأفراد فوق المدرعة في إطلاق أعيرة نارية، مما أدى إلى فرار العمال المتجمهرين، وفي نهاية الفيديو يصرخ أحدهم: “فيه واحد مات”.

لاحقًا ظهرت مقاطع فيديو أخرى، جميعها مصورة بهواتف محمولة، يظهر في أحدها عدد من العمال متحلقين حول زملاء لهم مصابين في مناطق مختلفة بأجسامهم، وآخر يظهر فيه ضابط جيش يجلس وسط العمال يحاول تهدئتهم ويتحدث إليهم عن عرض “ضابط وجنود” على النيابة العسكرية، بعدها يتحدث العامل إلى جواره عن ضرورة أن يضعوا أيديهم على كل الحقائق، ويطالب بألا يستلم أهل العامل المتوفى الجثة قبل التشريح وصدور تقرير الطب الشرعي، وأن يحدد التقرير نوع العيار الناري المستخدم وعمق الإصابة.

«مدى مصر» تواصل مع أحد العمال الذين حضروا واقعة إطلاق النار على العمال- فضّل عدم ذكر اسمه حرصًا على سلامته، وسنطلق عليه اسم “سيد”.

يقول سيد إنه يعمل لصالح شركة «سياك»، التي توفر العمالة لشركة أسمنت العريش، المملوكة للقوات المسلحة. ويحكي أنه يوم الثلاثاء الماضي، في الساعة ١١ صباحًا، لاحظ وزملاؤه حالة من الهرج داخل موقع العمل وسمعوا أصوات صرخات، ليكتشف أن زميلهم خالد غريب صابر قد سقطت كتلة معدنية وزنها ٣٠٠ طن على ساقه أثناء تحميلها على سيارة نقل.

يقول سيد: “السيارة أصلا مخصصة لتحميل قطع الحجارة من الجبل، وهي عربة قلاب لا تُفتح إلا من الخلف، وبالتالي فهي غير مجهزة لنقل الباليتة الحديد التي سقطت على زميلنا، بالإضافة إلى أن الونش المستخدم لنقل الباليتة فوق العربة لم يكن مجهزًا لنقل هذه الحمولة، وسائق الونش أبلغ أكثر من مرة أن به عطلا. أكثر من ذلك، فقد سقطت باليتة معدنية قبل شهرين على ٨ عمال وقتلتهم في الموقع نفسه”.

يكمل سيد، أنه لم تكن هناك أية وسيلة لإنقاذ العامل أو رفع الكتلة المعدنية عن ساقه، وحاول العمال بشتى الطرق إلى أن قام هشام رمضان السيد بقطع جزء من الكتلة المعدنية، باستخدام أداة قطع المعادن، لتخليص زميله.

يضيف سيد: “هشام الذي أنقذ خالد، هو نفسه الذي قُتل برصاص الجيش لاحقًا”.

نقل العمال زميلهم إلى العيادة الموجودة في موقع العمل، لكن العيادة بلا أي تجهيزات للتعامل مع الحالة، بحسب رواية سيد، الذي أضاف: “الممرض كان بلا حيلة أمام إصابة خالد، والموقع خلا من أي سيارة إسعاف”.

يحكي سيد عن خلو موقع العمل من أي لوازم ضرورية للعمال، “حتى المياه.. بنحتاج نمشي كيلومترين لنشرب”.

تأخر سيارة الإسعاف لأكثر من ساعة دفع غضب العمال إلى أقصى مدى له، فتجمهروا في موقع العمل وبدأوا في الهتاف، وهو المشهد الذي يظهر في أحد مقاطع الفيديو، قبل أن يبدأ أحد أفراد القوات المسلحة أعلى المدرعة العسكرية بإطلاق الرصاص.

يؤكد سيد، أن إطلاق الرصاص لم يكن في الهواء لتفريقهم، بل في مستوى أجساد العمال، ويدلل على ذلك بإصابة العامل هشام رمضان السيد بطلق ناري في رقبته، وهو نفسه الذي توفي، وإصابة عاملين اثنين بطلق ناري في الصدر، وعامل ثالث بطلق ناري في الساق.

يكمل سيد قائلا: “العسكري اللي ضرب علينا كان فاكر إننا هنخاف، الناس ما همهاش، قعدت تصرخ أنت بتعمل كده ليه؟ أنتو المفروض تحمونا مش تضربونا!”.

يقول سيد إن المدرعة انسحبت من الموقع بعد قذفها بالحجارة. وقام العمال بتحطيم الواجهة الزجاجية لمقر الشركة. لاحقًا وصلت سيارة إسعاف واحدة للمكان، كان عليها نقل ٥ مصابين لمستشفى العريش العام- أحدهم قد توفي بالفعل- بمعاونة ممرضين اثنين.

يضيف سيد أنه لا يعرف شيئًا عن مصير العمال المصابين، وماذا جرى لهم.

غادر سيد مقر الشركة في ذلك اليوم، ولم يعد إليها مرة أخرى، ويؤكد أن معظم زملائه فعلوا الشيء نفسه، “لم يعد في الموقع إلا أربعة أو خمسة عمال”.

يضيف سيد: “مش كفاية إننا بنشوف الذل عشان رزق عيالنا، كمان نموت بالشكل ده”.

يعمل مصدرنا مثل غيره من العمال في شركة «سياك» بلا عقود عمل أو تأمينات اجتماعية أو صحية، وبلا وسيلة لإثبات ما يقع لهم من إصابات أثناء العمل. فيؤكد: “عندما نبدأ عملنا نوقع على ورقة تفيد بأن الشركة غير مسؤولة عن أية إصابات أو وفيات تقع بيننا أثناء العمل، لا توجد وسيلة لإثبات حقنا”.

يحكي سيد أنه قبل مغادرة العمال الموقع، اجتمع بهم قائد الكتيبة الموجودة في مصنع أسمنت العريش. وحاول تهدئتهم. يقول سيد: “القائد قال لنا: أنا أدين الضابط والعساكر المسؤولين عن اللي حصل، وهما الآن في النيابة العسكرية وهيتحاكموا”. 

حاول «مدى مصر» التواصل مع المتحدث العسكري للقوات المسلحة، ومدير مستشفى العريش العام للحصول على إفادتهم بخصوص الواقعة، إلا أننا لم نتلق ردًّا.

بسخرية، يضيف سيد، أنه في اليوم التالي من الحادث وجد أخبارًا تتحدث عن قيام مجموعة إرهابية بإطلاق النار على العمال، فيقول: “طيب اضحكوا علينا وإحنا مش موجودين. لكن إحنا شوفنا بعنينا”.

يضيف سيد: “زمان كانوا بيقولوا لنا إن فيه طرف تالت هو اللي بيقتل الناس أيام الثورة مش الجيش، دلوقتي إحنا بقينا عارفين”.

اعلان