Define your generation here. Generation What
سجون جديدة وسجناء مُكدّسون
 
 

انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي عدة صور مسربة لوضع المحتجزين داخل قسم السيدة زينب. توضح الصور تكدسًا كبيرًا للمساجين، بعضهم ينام وهو جالس، بينما ينام آخرون على أجساد زملائهم وسط ظروف احتجاز غير آدمية قد تستمر في حالة بعض السجناء عدة أشهر.

كان تقريرا صادرا من المجلس القومي لحقوق الانسان يوم الأحد الماضي، ٣١ مايو، قد أشار أن مراكز الاحتجاز تعاني من “تكدسات مخيفة من المتهمين”. تتجاوز نسبتها في السجون الـ ١٦٠% بينما تبلغ نسبة التكدس في أقسام الشرطة حوالي ٣٠٠% وفقاً للتقرير. وطبقًا لما قاله وزير الداخلية لأعضاء المجلس القومي لحقوق اﻹنسان قبل نهاية نوفمبر ٢٠١٤، أثناء إعداد التقرير، فإن هناك 36 حالة وفاة حدثت داخل أقسام الشرطة والسجون. وهو ما أرجعه وزير الداخلية إلى سوء الحالة الصحية للمحبوسين وليس ظروف الاحتجاز.

غير أن أعضاء المجلس لاحظوا خلال الزيارات التي أجروها إلى بعض أقسام ومراكز الشرطة بالقاهرة أن أعداد المحتجزين لا تتناسب على الإطلاق مع مساحة عنبر الاحتجاز. على سبيل المثال فإن نصيب المحبوس الواحد داخل قسم شرطة العجوزة كان أقل من نصف متر مربع، وفقا لما ورد في التقرير.

في معرض رده على الاتهامات التي وجهها التقرير الصادر عن المجلس القومي لحقوق الانسان لوزارة الداخلية بالمسؤولية عن التكدس الكبير للمساجين في مصر، قال اللواء أبوبكر عبدالكريم، مساعد وزير الداخلية لشؤون العلاقات العامة والإعلام، في تصريحات صحفية وتليفزيونية أن وزارة الداخلية بصدد بناء سجنين جديدين في منطقتي السلام والنهضة لاستيعاب زيادة أعداد المساجين بأقسام الشرطة بمحافظة القاهرة.

بنهاية اﻷسبوع السابق، جاء الافتتاح المفاجئ لسجن ١٥ مايو الجديد. وفي تصريح أدلى به اللواء أبوبكر عبدالكريم تعليقًا على افتتاح السجن، قال أنه تم تشييده لتخفيف الحمل على أقسام الشرطة والمحبوسين. حسب تصريحاته، فإن وزارة الداخلية حين اطلعت على تقرير المجلس القومي لحقوق اﻹنسان، “تحركت على الفور وتحمست لافتتاح سجن كبير لاستيعاب عدد كبير من المساجين”، وهو ما تم فعلا بعد أربعة أيام فقط من صدور التقرير.

كريم طه أحد نشطاء حركة 6 أبريل خاض تجربة الاحتجاز في ٣ أماكن مختلفة مختلفة لمدة تقارب ٧ أشهر. يحكي طه لـ«مدى مصر» أن احتجازه اﻷول كان في معسكر الأمن المركزي بالكيلو ١٠.٥. حيث تجاور ١٠ مساجين لمدة شهرين في زنزانة انفرادية تكفي بالكاد شخصا واحدا. بعدها انتقل طه إلى سجن وادي النطرون، وهو السجن الذي قضى فيه ٤ أشهر في زنزانة بها ٦٣ مسجونًا.

يحكي طه أن “النوم هناك بطريقة شبر وقبضة”، وهو ما يعني أن ما يوازي شبر وقبضة يد هي فقط المساحة المخصصة لكل سجين للنوم. كان هذا يضطره هو وزملاؤه إلى النوم على جوانبهم. بعدها انتقل إلى سجن الفيوم، ويصفه طه بالبشع حتى مقارنة بسجن وادي النطرون الذي قدم منه.

يقول “سجن وادي النظرون يعتبر فندق ٥ نجوم بالمقارنة بسجن الفيوم”. بعد ١٨ يومًا قضاها في الحبس اﻹنفرادي، انتقل كريم إلى زنزانة يُحتجز بها ٤٠ شخصًا. طوال هذه الفترة، كان كريم يُحاكم على ذمة قضايا، ولم تخلِ المحكمة سبيله إلا بعد سبعة شهور من الحبس الاحتياطي. يخبرنا أيضًا أن كل السجون كانت لها ملامح مشتركة واحدة: الحر الشديد الذي يسبب الاختناق الدوري للعشرات من المسجونين، انقطاع المياه طوال اليوم باستثناء ساعات قليلة يتزاحم فيها المساجين للحاق بالمياه، غياب الحد اﻷدنى من الرعاية الطبية وانتشار اﻷمراض الجلدية بين المساجين، القلة الشديدة في كمية الطعام – رغيف خبز وقطعة حلاوة فقط لليوم كله.

شرح رضا مرعي، المحامي والباحث القانوني في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الأنواع المختلفة للسجون، فيذكر أنه طبقًا للمادة الأولي من قانون السجون رقم ٣٩٦ لسنة ١٩٥٦، فإن هناك أربعة أنواع من السجون في مصر. الأنواع الثلاثة الأولى هي الليمانات والسجون العمومية والسجون المركزية، وتخضع هذه السجون ﻹشراف الجهاز القضائي والنيابة العامة. طبقًا للقانون، فإن احتجاز أي متهم ﻷكثر من ٢٤ ساعة لابد أن يكون في أحد هذه السجون.

النوع الرابع هي السجون الخاصة، وهي أماكن يتم اعتبارها سجونًا بقرار يصدره رئيس الجمهورية. يشير تقرير صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن عدد السجون في مصر إلى قرار وزير الداخلية رقم ٢٠٢٨ لسنة ٢٠١٣ بضم ٢٩ مقرا من المقرات التابعة لهيئة الرقابة الإدارية إلى الأماكن المرخصة قانونًا لاحتجاز المتهمين، وذلك فى القضايا التي يتم ضبطها بمعرفة الهيئة. بالإضافة لهذا فقد أصدر وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم قرارات عدة لتحويل معسكرات للأمن المركزي وأقسام شرطة إلى سجون مركزية للتعامل مع الأعداد المتزايدة من المحبوسين، بغض النظر عن جاهزيتها لذلك.

أحد المشاكل في طبيعة هذه السجون الخاصة، كما يشير مرعي، أن مصلحة السجون لا تعتبر نفسها مسؤولة عنها وأن اﻹشراف عليها من مسؤولية النائب العام وحده، أو من ينيبه من رجال النيابة العامة بدرجة رئيس نيابة علي الأقل. ولا يجوز لقاضِ أن يدخل أماكن الاحتجاز تلك لتفتيشها.

سجن ١٥ مايو الجديد الذي افتتحه وزير الداخلية منذ يومين ليس سجنًا خاصًا وإنما سجن مركزي بحسب ما أدلى به اللواء أبوبكر عبدالكريم من تصريحات. مع هذا، فإن السجن يتبع قطاع أمن القاهرة وليس مصلحة السجن وبالتالي تظل نفس مشكلة تعددية جهة إدارة أماكن الاحتجاز واﻹشراف عليها خصوصًا في ظل ازدياد أعداد المحتجزين في اﻵونة اﻷخيرة.

يتساءل مرعي أيضًا عما إذا كان بناء هذه السجون الجديدة سيعني إلغاء قرارات تحويل أماكن الاحتجاز، مثل أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي، إلى سجون خاصة ومركزية. بالنسبة له، فإن استمرار احتجاز المتهمين والمشتبه بهم لمدة شهور في زنازين مجهزة لاستقبالهم لمدة ٢٤ ساعة فقط، خصوصًا مع التكدس المستمر للمحتجزين، هو انتهاك للقانون وجريمة لا يمكن السكوت عليها.

يرى مرعي أن بناء سجون جديدة لن يحل مشكلة التكدس دون اعتماد سياسات أخرى بديلة كمراجعة القضايا والتوقف عن الملاحقات السياسة، والعمل على تشريعات تتيح استخدام وسائل عقابية أخرى بديلا عن السجن للجرائم اﻷقل حدة.

اعلان
 
 
محمد حمامة