Define your generation here. Generation What
عودة الروح إلى أمن الدولة

“أمن الدولة يا أمن الدولة، أنتو عتاولة في نهب الدولة”.. كان هذا أحد أشهر هتافات المتظاهرين المعارضين للنظام على مدار العقد الأخير من حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.

اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير منح زخمًا للمطالب المستمرة بإلغاء هذا الجهاز الأمني، الذي أُنشئ منذ عقود لقمع المناهضين للاستعمار البريطاني، واستمر في مراقبة ومكافحة النشاط السياسي المعارض من وقتها تحت مسميات مختلفة. أثمرت هذه الضغوط بشكل نسبي عندما صدر قرار “إلغاء” جهاز مباحث أمن الدولة في شهر مارس عام 2011.

غير أنه سرعان ما ظهر أن ما أُطلق عليه مصطلح “الإلغاء” لم يتعدَ كونه إحلالًا لجهاز جديد أطلق عليه “قطاع الأمن الوطني” ليحل محل الجهاز الذي أصبح مركز النفوذ الأبرز داخل وزارة الداخلية. وعلى مدار السنوات الأربع منذ تأسيسه، ظل القطاع الوليد يختبر مدى قوته ونفوذه بين الأجهزة الأمنية المتعددة في البلاد.

يقول شريف محيي الدين- الباحث بمجال مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية-: “الأمن الوطني صندوق أسود كبير داخل وزارة الداخلية”، مضيفًا “أن أحدًا لا يعلم بشكل واضح ما الذي يجري بداخل القطاع الذي لم يُنشر حتى الآن قرار إنشائه أو تحديد اختصاصه وصلاحياته”.

ويقول محيي الدين: ” إن الوزارة شرعت بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين في إعادة تقوية عدد من أجهزتها لتعود إلى وضعها السابق، بما في ذلك قطاعي الأمن الوطني والأمن العام”.

وينسب الفضل عمومًا في عملية إعادة الإحياء هذه إلى وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم.

يقر اللواء عبد اللطيف البديني- مساعد وزير الداخلية الأسبق- بالدور الذي لعبه إبراهيم في إعادة هيكلة الوزارة، إلا أنه يرى أن الحاجة إلى جهاز أمن وطني أقوى وأكثر نفوذًا ما زالت ملحة الآن أكثر من أي وقت مضى.

يقول البديني: “معدلات الجرائم السياسية ومعارضة النظام زادت الآن بشكل كبير. وكلما زادت العداوة تجاه النظام الحالي، زادت الحاجة إلى الأمن الوطني. الأمران مرتبطان بشكل مباشر”.

يذهب البعض إلى أن أحد أسباب تعيين وزير الداخلية الحالي، مجدي عبد الغفار، ليحل محل إبراهيم في مارس الماضي، هو أن الأول صاحب خلفية طويلة من العمل بمباحث أمن الدولة، في حين انحصرت خلفية إبراهيم في مجال الأمن العام.

كان عبد الغفار قد شغل منصب مدير قطاع الأمن الوطني في نهاية 2011،  قبل أن يُحال إلى التقاعد في شهر أغسطس من عام 2012. وعقب تعيينه وزيرًا أطلقت صحيفة “المصري اليوم” على عبد الغفار لقب “ابن الأمن الوطني”.

“هذا أوان مجدي عبد الغفار”.. هكذا صرح جمال أبو ذكري لـ”مدى مصر”، واستكمل مساعد وزير الداخلية السابق الذي عمل مع جهاز مباحث أمن الدولة على مدى أربعين عامًا: “نحتاج الآن إلى جهاز أمن وطني شامل ومتكامل يركز على الأمن السياسي”.

ويضيف أبو ذكري: “[عبد الغفار] لديه خبرة بالأمن السياسي، ولذلك فهو الشخص المناسب للمرحلة الحاليةـ مرحلة الإرهاب والأمن السياسي”.

بعد أقل من يومين على التعديل الوزاري الذي شهد تعيين وزير الداخلية الجديد، نقلت وسائل الإعلام أنباء العثور على عبوة ناسفة بالقرب من منزل عبد الغفار في مدينة نصر، بالإضافة إلى 33 عبوة أخرى على مستوى الجمهورية تم تفجيرها أو تفكيكها، فيما بدا رد فعل على تعيينه.

على هذه الخلفية حملت الصحف المصرية وعودًا بالقضاء على هذه الأشكال من التهديدات الأمنية على يد الوزير الجديد، وصدر بعضها يحمل عنوان “وزير الداخلية يتحدى الجماعات الإرهابية”.

غير أن عبد الغفار لم يكن ينوي تحديها بمفرده. فقد أصدر في يوم تسلمه المنصب نفسه حركة تغييرات ضخمة في المواقع القيادية داخل الوزارة، شملت تغييرات في عشرين منصبًا قياديًا. وجاءت أغلب الترقيات لضباط جاءوا من خلفية الأمن الوطني مثل الوزير.

تضمنت قرارات اليوم الأول للوزير الجديد تعيين اللواء صلاح حجازي- الضابط بجهاز مباحث أمن الدولة سابقًا- مديرًا جديدًا للأمن الوطني، ليحل محل مدير القطاع السابق خالد ثروت، الذي نقله عبد الغفار إلى منصب مساعد الوزير لقطاع الأمن الاجتماعي.

كان حجازي قد ترأس الإدارة العامة للقاهرة بقطاع الأمن الوطني حتى عام 2012، أي حتى تعيين الرئيس السابق محمد مرسي، وتم نقله بعدها إلى مصلحة الأحوال المدنية. لكن الوزير الجديد عبد الغفارأعاد حجازي إلى الأمن الوطني بعد ما بدا أنه جهد عمدي بذله نظام الإخوان لإبعاده عن القطاع.

إيهاب يوسف- الخبير الأمني الذي عمل لفترة تزيد على 20 عامًا كضابط بوزارة الداخلية في مجال أمن الدولة ومكافحة الإرهاب- يتفق أن عبد الغفار “يأتي من خلفية ذات صلة بالأمن الوطني، ولذلك فهو قادر على إدارة قطاع الأمن الوطني بطريقة توفر لنا ما نحتاجه من المعلومات. نحن في أمس الحاجة إلى هذا العمل الاستخباراتي في الوقت الراهن”.

ويضيف يوسف أن مهام عبد الغفار السابقة تضمنت تقييم ضباط الشرطة، ما يؤهله بشكل جيد للتعامل مع أفراد الوزارة.

وبالفعل كان من أوائل الأنشطة التي قام بها عبد الغفار بعد تعيينه مباشرة عقد اجتماع مطول مع المسؤولين في إدارة شؤون الضباط للاطلاع على قاعدة بيانات الضباط العاملين بالوزارة.

ويعتبر الكثير هذه النقطة بالتحديد من أبرز جوانب فشل الوزير السابق إبراهيم؛ حيث يرى يوسف أن إبراهيم لم ينجح في ملاحقة العاملين بالوزارة المشتبه بهم في تسريب المعلومات.

وكانت تقارير متواترة في عهد الوزير السابق، قد أشارت إلى أن بعض الهجمات على المؤسسات الأمنية أو العاملين بها تمت بتواطؤ من داخل الوزارة. أبرز الأمثلة على ذلك كانت عملية اغتيال المقدم محمد مبروك الضابط البارز بقطاع الأمن الوطني في نوفمبر 2014، حيث تم لاحقًا توجيه الاتهام إلى أحد ضباط الشرطة وتقديمه للمحاكمة بتهمة تسريب المعلومات عن مكان مبروك لمنفذي عملية الاغتيال. وتقول الوزارة إن مبروك قبل اغتياله كان يتولى التحقيق مع عدد كبير من أفراد جماعة الإخوان المسلمين والقبض عليهم.

وعلى خلفية اغتيال مبروك، كلف الرئيس السيسي مستشاره الأمني أحمد جمال الدين بمراجعة ملفات أفراد الشرطة بالوزارة الذين اتهموا بالتعاون مع المجموعات الإرهابية.

كما يرى علي الرجّال- الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية- أن إبراهيم كان يواجه صعوبة في ضبط وزارة الداخلية، خصوصًا في عهد الإخوان المسلمين.

لكن سببًا آخر ربما يكون قد أسهم في اتخاذ قرار استبعاد إبراهيم ـ يطرحه محيي الدين من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ـ هو أنه خلق بيئة عمل أفضل لضباط الشرطة شعروا فيها بمزيد من الراحة تحت قيادته. ويرى محيي الدين، أن استبداله قد يكون محاولة لإنهاء هذه المرحلة من الشعور بالنفوذ والثقة المفرطة بين أوساط ضباط الشرطة. ويضيف أن “النظام يرسل لهم رسالة مفادها بأنهم مهما فعلوا لن يكونوا أبدًا على قدم المساواة مع الجيش”.

من وجهة نظر محيي الدين؛ فإن مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والشرطة، اتحدت في معركة مشتركة لحماية الأمن الوطني عقب عزل الإخوان المسلمين. لكنه يعتقد أنه مع بدء زوال ذلك الأثر فإن الخلافات الداخلية بين أجهزة الدولة المختلفة بل وداخل الوزارة نفسها بدأت تظهر بشكل أكبر.

من ناحية أخرى، يقول العقيد محمود محفوظ- الذي اشترك في عدد من المبادرات لإصلاح الشرطة عقب ثورة 2011- إن الوزير الجديد مجهّز بشكل أفضل للتعامل مع المخاطر الراهنة، لكنه يحذر من أن التركيز بشكل زائد على القضايا السياسية قد يحدث خللًا في التوازن داخل وزارة الداخلية.

يقول محفوظ: “سوف تصب كل موارد الوزارة في الحرب على الإرهاب”.

ويذكّر محفوظ أن حبيب العادلي- وزير الداخلية لسنوات طويلة في عهد مبارك- كان يركز فقط على الأمن السياسي، وقد أدى ذلك في رأي محفوظ إلى نهاية النظام. ويضيف: “الخطر هنا يكمن في الأثر السلبي لذلك والذي قد يطول أشكال الأمن الأخرى، مثل الأمن الاجتماعي أو الاقتصادي”.

ويتفق اللواء البديني مع هذا التخوف، ويشدد على ارتباط الأمن الوطني بالجوانب الأمنية الأخرى. مضيفًا: “كلما زاد الاهتمام بالأمن السياسي، قل الاهتمام بالأمن الاجتماعي والجنائي. لا بد من إقامة توازن في توزيع السلطات”.

وبالإضافة إلى ما سبق؛ فإن إضافة المزيد من الزخم إلى “الحرب على الإرهاب” قد يقدم أيضًا مزيدًا من التبرير لانتهاكات حقوق الإنسان.

يقول يوسف: “سوف يغض النظر عن العديد من انتهاكات الشرطة بحجة محاربة الإرهاب. سوف تكون الشرطة تحت ضغط ولذلك سوف يجبر الناس على تحملها”.

 
اعلان
 
 
بسنت ربيع