Define your generation here. Generation What
ماذا ستعني خصخصة الكهرباء للسوق والمستهلكين؟
 
 

استحوذ قطاع الكهرباء على الحصة الأبرز من اتفاقات الاستثمار التي تم الإعلان عنها خلال مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في مدينة شرم الشيخ في مارس الماضي. وتوزعت الاتفاقيات على مشروعات عدة لبناء محطات لتوليد الطاقة باستخدام الفحم والغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة.

وكرس الرئيس عبد الفتاح السيسي جزءًا كبيرًا من خطابه أمام المؤتمر لاستعراض الاتفاقيات الجديدة في مجال توليد الطاقة، مشيرًا إلى سعي الحكومة حاليًا إلى توفير 13 جيجا وات من الطاقة في المستقبل القريب بما يساعد على سد فجوة الطاقة التي أدت إلى الانقطاع المتكرر للكهرباء وتعطيل قطاع الصناعة.

من حيث التوقيت، كان من الواضح أن اختيار الإعلان عن بعض هذه الاتفاقيات أثناء انعقاد المؤتمر جاء لأغراض دعائية بالأساس، مثل الإعلان عن مشروعات قائمة بالفعل مع “جنرال إلكتريك” و”أوراسكوم”، أوالتوقيع على اتفاق تمويل مكتمل أصلا مع البنك الإسلامي للتنمية. لكن الإبرام الفعلي لتلك الاتفاقيات استفاد من مجموعة كبيرة من التعديلات التشريعية التي تم إصدارها أو الإعلان عنها في الفترة التي سبقت المؤتمر، وكان من أبرزها مشروع قانون وافق عليه مجلس الوزراء في 18 فبراير الماضي يمهد الطريق لخصخصة قطاع الطاقة.

حصاد شرم الشيخ من اتفاقيات الكهرباء

خلال انعقاد المؤتمر الاقتصادي، أعلنت شركة ثروة للاستثمار- وهي الشركة الأم لمجموعة “فورويندز” للاستثمار وإدارة المشروعات- عن توقيعها مذكرة تفاهم مع وزير الكهرباء المصري لبناء محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالفحم بقدرة 6 جيجا وات، وهو مشروع بقيمة 11 مليار دولار أمريكي تقول الشركة إنه سيكون أكبر محطة في العالم لتوليد الكهرباء بالفحم في موقع واحد.

وفي وقت سابق أعلنت شركة “جنرال إلكتريك” أنها “تسير حسب البرنامج الزمني المخطط لدعم شبكة الكهرباء في مصر بـ 2.2 جيجا وات بحلول صيف 2015″، وفقًا لبيان صحفي على الموقع الرسمي للمؤتمر. وستقوم “جنرال إلكتريك” بالتعاون مع  مجموعة “أوراسكوم” بتوفير 46 من توربينات الغاز يفترض أن تكون 32 منها قد دخلت الخدمة بالفعل حتى يوم 13 مارس الماضي.

كما تعهدت الشركة ببناء “مركز للتصنيع متعدد الوسائط والهندسة والخدمات والتدريب” في السويس بقيمة 200 مليون دولار، سوف يركز على عدد من الصناعات من بينها توليد الكهرباء والطاقة المتجددة.

وقالت شركة الطاقة الألمانية “سيمينس”، إنها توصلت إلىاتفاقيات حاسمة مع الحكومة المصرية لإنشاء محطة توليد كهرباء بقدرة 4.4 جيجا وات بنظام الدورة المركبة في بني سويف، وتوليد 2 جيجا وات من طاقة الرياح، فضلًا عن بناء مصنع لريش الرياح الدوار.

كما وافقت الشركة على إعداد تصورات لمحطات إضافية لتوليد الطاقة بالدورة المركبة بسعة 6.6 جيجا وات، بالإضافة إلى 10 محطات فرعية للكهرباء.

ووقعت مصر أيضًا مذكرة تفاهم غير ملزمة مع شركة “مصدر” للطاقة المتجددة  ومقرها أبوظبي، وشركة “أكوا باور” السعودية لدراسة توليد ما يصل إلى 4 جيجا وات من محطات توليد الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي في مصر.

وهناك أيضًا شركة “سكاي باور”، التي أجرت مسبقًا مباحثات مع الحكومة بشأن إقامة مشروعات لتوليد 3 جيجا وات من الطاقة المتجددة في مصر.

شهد المؤتمر أيضًا أنشطة لترويج مشروعات أكثر اكتمالًا، مثل المشروع الذي تتولاه “أوراسكوم” لبناء مصنع للفحم على البحر الأحمر، فضلًا عن مصنع آخر للفحم من المخطط له أن يقام في منطقة عيون موسى في سيناء. كما صرح ناصف ساويرس، رئيس مجموعة “أوراسكوم”، لوكالة “رويترز” بأنه وقّع على اتفاق لتوليد 50 ميجا وات من الطاقة الشمسية.

أما على جانب التمويل، فقد وقّعت مصر صفقة للتأجير التمويلي مع البنك الإسلامي للتنمية بقيمة 220 مليون دولار، لربط شبكتي الطاقة المصرية والسعودية، وهو ما مثّل الإبرام النهائي لترتيب تمويلي كان قد أُعلن عنه في ديسمبر الماضي.

كما أعلنت شركة “فورويندز كابيتال مانجمنت” عن إنشاء صندوق لرأس المال بقيمة مليار دولار أمريكي من أجل دعم مشروعات البنية التحتية.

من أين جاء الطلب على قانون خصخصة الكهرباء؟

قبل شهر على انعقاد المؤتمر الاقتصادي، وفي يوم الموافقة على مشروع قانون الكهرباء الجديد نفسه، أصدر مجلس الوزراء بيانًا يشرح بوضوح هدف القانون الجديد: وهو إبعاد الدولة عن الإدارة المباشرة لقطاع الكهرباء مع اكتفائها بالدور التنظيمي. وينص القانون على إنشاء هيئة مستقلة “لضمان الحفاظ على مصالح المستهلكين ومقدمي الخدمة وإيجاد علاقة متوازنة بينهما”.

كما سيضع القانون الجديد قواعد تسمح بـ “المنافسة الحرة” في إنتاج ونقل وتوزيع وبيع الكهرباء، ويفصل بين عمليات نقل وإنتاج وتوزيع الكهرباء.

نظريًا، ستسمح هذه التعديلات لشركات القطاع الخاص بنقل وبيع الكهرباء بشكل مباشر إلى المستهلكين، وبشكل يخرج الشركة القابضة لكهرباء مصر من العملية.

ويعاني قطاع الكهرباء أزمة حادة منذ الثورة، مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد بما يعيق أنشطة التصنيع والتجارة والحياة اليومية.

يشرح المهندس أكرم يوسف، والذي يعمل مستشارًا في وزارة الكهرباء، أن الجزء الأكبر من الأزمة يمكن تفسيره بعاملين: العامل الأساسي الأول، والذي حظي بتغطية إعلامية مكثفة، هو نقص الغاز الطبيعي، والذي يغذي حوالي 70% من إنتاج الكهرباء في مصر.

ولم يقتصر تأثير نقص الغاز على إغلاق بعض محطات الطاقة القائمة فقط، وإنما أدى أيضًا إلى تردد المستثمرين المحتملين في ضخ الأموال في بناء محطات جديدة قد ينتهي الحال بها دون تشغيل في ظل نقص الغاز.

وتعمل الحكومة على معالجة هذه الأزمة من خلال منصة معالجة الغاز المستورد التي وصلت في شهر أبريل الماضي، فضلًا عن التفاوض على اتفاقيات استيراد مع عدد من المصدرين الدوليين.

إلا أن استيراد الغاز لن يعالج السبب الثاني والأكثر عمقًا لأزمة الكهرباء، ألا وهو ضعف قدرة البنية التحتية بوضعها الحالي على توليد الكهرباء. فحتى إذا توافر الغاز، وإذا عملت كل محطات الطاقة القائمة بسعتها الكاملة؛ فإن ذلك لن يكفي لسد الاحتياجات من الكهرباء عند وصول الطلب إلى ذروته في الصيف.

وفقًا لتقديرات نُشرت على الموقع الإلكتروني للمؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ؛ فإن مصر تحتاج إلى إنشاء سعة توليد جديدة بقدرة 5.2 جيجا وات كل عام حتى 2022، وهو ما يتطلب استثمارات بحوالي 5 مليارات دولار كل عام.

ويعد تحرير قطاع الكهرباء واحدًا من سياسات عدة تبنتها الحكومة في محاولة لتخطي هذه الأزمة، لعل من أشهرها وأكثرها إثارة للجدل إحياء خطط بناء مفاعل نووي، والسماح باستيراد الفحم من أجل استخدامه في قطاع الصناعة وتوليد الكهرباء.

كما أقرت الحكومة في سبتمبر 2014، تعريفة التغذية للطاقة المتجددة، والتي تنظم المعايير العامة لبيع الطاقة المتجددة إلى الشبكة الوطنية.

ما الجديد في مشروع القانون الجديد؟

يلعب القطاع الخاص بالفعل دورًا كبيرًا في توليد الطاقة في مصر حاليًا، أغلبه من خلال اتفاقيات حق الانتفاع “BOOT“، وهي اختصار لمراحل البناء والامتلاك والتشغيل ثم نقل الملكية. وبموجب هذه الاتفاقيات يمنح القطاع العام للشركات الخاصة الحق في بناء منشأة مثل محطة توليد طاقة وتشغيلها لفترة محددة بهدف تغطية التكاليف وتوفير العائد على الاستثمار قبل نقل ملكيتها للقطاع العام مرة أخرى.

كما يمتلك القطاع الخاص عددًا من مشروعات الكهرباء خارج الشبكة القومية في المناطق الصناعية مثل: العاشر من رمضان وبرج العرب؛ حيث تعمل مولدات الطاقة الخاصة على نقل وبيع الكهرباء بشكل مباشر إلى المصانع القريبة.

التغيير الأهم في القانون الجديد هو أنه سيفتح الباب أمام القطاع الخاص للانخراط في أنشطة نقل الكهرباء وبيعها، بما يعد تحولًا عن النظام الحالي الذي يسمح فقط للشركة القابضة لكهرباء مصر بنقل وبيع الكهرباء عبر الشبكة القومية.

وتعكف الحكومة الآن بالفعل على إعداد مشروعات لنقل وتوزيع الكهرباء تمهيدًا لطرحها في مناقصات عامة.

وقد ذكر وزير الكهرباء محمد شاكر، في إحدى ندوات مؤتمر شرم الشيخ، أن الحكومة ستعتمد على القطاع الخاص لإنشاء محطات فرعية بسعة إجمالية تبلغ 68 جيجا وات، و35 كيلومترًا من خطوط النقل ذات الجهد الكهربائي العالي، ومحولات بسعة 85 جيجا وات.

ويعد التوجه إلى القطاع الخاص خيارًا جذابًا للحكومة؛ لأن مصر في الوقت الحالي لا تملك الأموال اللازمة لتحديث بنيتها التحتية في مجال الطاقة.

فقد قال شاكر في ورشة عمل أثناء المؤتمر، إن قطاع الكهرباء سيحتاج 70 مليار دولار من الاستثمارات حتى عام 2022، من المرجح أن تقدم الحكومة 45.7 مليار دولار منها، على أن يأتي أكثر من 24 مليار دولار من القطاع الخاص.

وفي غياب صندوق سيادي لتمويل المشروعات؛ فإن مصر تعتمد في الحصول على رأس المال اللازم لبناء محطات الكهرباء على المانحين مثل: الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وجهات التمويل الدولية مثل: البنك الدولي، والبنوك الخاصة.

وبسبب هذه الاعتمادات؛ فإن مصر واجهت صعوبات في بناء محطات جديدة لتوليد الطاقة بالمعدل اللازم لمواكبة الطلب المتزايد على الكهرباء. فالاعتماد على المانحين يترك البلاد عرضة لتغير أولويات الجهات المانحة. ولا يمكن أن تعتمد مصر على هذه الجهات لبناء محطات جديدة كل عام. كما أنه ليس من السهل دائمًا إقناع البنوك الخاصة بالمساهمة في هذه المشروعات.

نموذج جديد بأي ثمن؟

من شأن هذا النموذج الجديد لتنظيم قطاع الكهرباء أن يوسع مجالات النشاط المتاحة أمام القطاع الخاص، ويتيح آليات جديدة للحصول على التمويل وتنمية القطاع.

وإذا كانت الاتفاقيات المعلن عنها في شرم الشيخ مؤشرًا بشأن المستقبل؛ فإن تحرير القطاع سيترتب عليه فعلًا توفير المزيد من الكهرباء في مصر. لكن ذلك لن يتحقق دون ثمن.

فوفقًا للمهندس أكرم يوسف: “سيحصلون على المزيد من المساعدة في تطوير البنية التحتية، ولكنهم في المقابل سيفقدون سيطرتهم على القطاع”، في إشارة إلى موقف الحكومة في ظل القانون الجديد”.

ويضيف: “إذا أردت زيادة الاستثمار في الطاقة وتوسيع دور القطاع الخاص، فإنك لن تقدر على التحكم في السعر”.

فالشركة القابضة لكهرباء مصرـ بسبب احتكارها للشراء في قطاع الطاقة حاليًاـ تتمتع بسلطة واسعة في وضع الشروط، بما في ذلك تحديد أسعار الطاقة، وهو وضع ستخسره الشركة بالضرورة عندما تفتح السوق أمام المنافسين لنقل وبيع الطاقة.

وستأتي أية زيادة في الأسعار في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة بالفعل على إلغاء دعم الطاقة الذي ساعد على بقاء الكهرباء رخيصة الثمن على مدى أجيال متعاقبة؛ حيث تقول الحكومة الآن إنها تخطط للإلغاء الكامل للدعم خلال فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

فمن أين إذن سيأتي المال؟

يقول يوسف: “السؤال هو من سيتحمل العبء؟ المصانع وكبار رجال الأعمال أم الناس في المنازل؟ هذا هو السؤال الذي سينبغي عليهم الإجابة عنه”.

وفي رأيه؛ فإن من الأرجح أن تمنح الحكومة الأفضلية للشركات الكبرى، خاصة في ظل توجهها القوي لجذب رأس المال الأجنبي إلى السوق، مضيفًا أن “الحكومة تريد المزيد من الاستثمار، وتريد قطاعًا تنافسيًا، ولذلك فهي لن تريد فرض أعباء على المصانع. إنهم يتفاوضون طوال الوقت مع رجال الأعمال ومع غرف التجارة، ولكنهم لا يتفاوضون أبدًا مع الشعب”.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن