سوق العقارات غير المنظم في مصر.. أزمة القدرة على تحمل التكاليف

يعبر فيلم “كراكون في الشارع” من إنتاج عام 1986، بوضوح عما يسميه المصريون بـ “أزمة السكن”. فالفيلم يصور أسرة عادية من الطبقة الوسطى تم إخراجها من منزلها المقرر إزالته، فاضطروا للعيش في كارافان يجره حصان نظرًا لأن أسعار الشقق العادية أعلى من قدرتهم. الكراكون (أو السجن) المشار إليه في العنوان، يعبر عن اصطدام الأب بالشرطة في أكثر من مناسبة، فكلما حاول جعل منزله مشروعًا إلى حد ما لا تعتبر الشرطة محاولاته هذه غير شرعية لكنها لا تعتبرها شرعية أيضًا. وتنتهي مساعي هذه الأسرة إلى استيطان أرض صحراوية مع مجموعة من الأسر التي شُردَت بالطريقة نفسها فيشرعون في بناء منازلهم غير الرسمية بأنفسهم.

رفع القيود عن سوق العقارات

هذا الفيلم لا يزال معبرًا بعد أكثر من 30 عامًا؛ فأزمة الإسكان في مصر لا تزال بعيدة عن الحل. فالواقع أن سوق العقارات في مصر غير منظم وتجاوز تضخم أسعار العقارات كل الزيادة في الدخول، وبخاصة بالنسبة للفقراء، وهو ما دفع أعدادًا كبيرة من الناس للبحث عن سكن غير ملائم في مساكن غير رسمية. تضافرت عدد من القوى لكي ينشأ سوق عقارات غير منضبط تعتبر فيه الفوضى قرارًا واعيًا اتخذته السلطات (كما يوضح المحامي وخبير التخطيط الحضري بيتر ماركيوز)[1]. ومن القوى الأساسية من بينها كون الحكومة المصرية هي أكبر مالك للأراضي في البلاد من خلال العديد من الوكالات المملوكة للدولة، ومن مصلحتها تعظيم الأرباح من بيع الأراضي.

إن أكبر مالك للأراضي في المناطق الحضرية في مصر هو “هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة” التابعة لوزارة الإسكان، والتي تدير تقريبًا

مليون فدان من الأراضي المخصصة للتطوير الحضري[2]. وحينما أدى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 350 لعام 2007، إلى إزالة جميع القيود على الشركات الأجنبية والأفراد الذين يشترون عقارات في مصر، ارتفعت الأسعار بنسبة 116% بين عشية وضحاها في المدن الجديدة الشبيهة بالضواحي حول القاهرة التي تديرها الهيئة، والتي تحدث فيها معظم المضاربات على الأراضي[3]. لقد شهد الازدهار العقاري في الفترة من 2007 حتى يناير 2011، ارتفاع أسعار الأراضي بشكل رهيب وصل إلى 148% في العام[4]. وبالمقارنة، ارتفعت أسعار ما يطلق عليه المواقع المميزة على النيل في قلب القاهرة بنسبة 44% في العام في الفترة الزمنية نفسها[5]، وهو ما يعتبر زيادة هائلة أيضًا.

لا تتوفر الكثير من البيانات لقياس أثر ارتفاع أسعار الأراضي على أسعار المساكن، فمصر ليس لديها مؤشر لأسعار المنازل رغم أن وزارة الإسكان والبنك الدولي وعدا بأن يكون هناك مؤشر كهذا في إطار برنامج التمويل العقاري ميسور التكلفة لكن لم يتم وضعه حتى الآن[6]. وهذا لا يترك سوى معيار واحد للقياس: سعر وحدات الإسكان الاجتماعي التي تطرحها وزارة الإسكان. ويبين التحليل السريع أن سعر أرخص هذه الوحدات ارتفع بنسبة 14% في العام على مدار السنوات الثمانية الأخيرة[7]. وبالمقارنة، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفعت متوسطات الأجور بنسبة 1% فقط بين عامي 2008/2009 و2012/2013. وفي الوقت نفسه، ازداد الفقر حيث يعيش 26% من السكان حاليا تحت خط الفقر القومي[8].

مع وجود هذه الفجوة الكبيرة بين تضخم أسعار المنازل والدخول، ليس مثيرًا للدهشة أن نعرف أنه على المستوى العالمي يُعتبر سوق الإسكان في مصر من أعلى أسواق الإسكان تفاوتًا. فنسبة سعر المنزل للدخل تساوي 11، وهو ما يجعل القاهرة تحتل الموقع العاشر بين 18 مدينة عربية في مؤشر نامبيوNumbeo  العالمي لكلفة المعيشة[9]، والقدرة على تحمل كلفة المساكن فيها أقل من كل مدن الخليج بما في ذلك دبي. تأتي القاهرة أيضًا بعد كل المدن في أمريكا الشمالية المدرجة في المؤشر بما في ذلك نيويورك، بالإضافة لمعظم العواصم الأوروبية الغربية باستثناء باريس ولندن وروما. في كل المدن المصنفة أيسر في تحمل تكلفة المساكن من القاهرة، هناك العديد من الآليات لتنظيم سوق العقارات ليس بهدف حماية السكان من ارتفاع أسعار وإيجارات المنازل فقط، وإنما أيضًا لحماية الاقتصاد من النمو غير المستدام الذي قد يؤدي للركود.

معظم الاقتصادات الخليجية لا تسمح للأجانب أو الشركات المملوكة لأجانب بتملك العقارات. وحتى في حالة دبي التي تعتبر متطرفة، والتي يعتمد اقتصادها لدرجة كبيرة على بلايين الدولارات الموجودة في استثمارات عقارية أجنبية، يحصر قانون تسجيل الأراضي (7 لعام 2006) استئجار وامتلاك العقارات لغير مواطني مجلس التعاون الخليجي على مناطق بعينها من المدينة، وتوجد بالأساس في المشروعات التنموية الضخمة مثل: جبل علي وجزر النخيل وجزر العالم ومارينا دبي[10].

إن اقتصار الاستثمار والمضاربة في العقارات بدبي على مناطق محددة سلفًا، بالإضافة إلى سن قواعد جديدة لتنظيم التعامل في العقارات بعد أزمة سوق العقارات في 2008[11]، ووجود برنامج مساعدات شامل لإسكان المواطنين[12]، أسهم في حماية السكان المحليين- رغم قلة عددهم- من تضخم أسعار المساكن. يبلغ متوسط نسبة سعر المنزل للدخل على مستوى المدينة ككل ستة، وبهذا تصبح دبي أيسر من حيث القدرة على تحمل تكاليف الإقامة عن القاهرة بمرتين.

في المدن الأوروبية الغربية الأيسر على المواطنين من حيث القدرة على تحمل كلفة المنازل، يوجد عدد من التدابيرالهادفة لتثبيط المضاربة في العقارات من قبل المواطنين أوغير المواطنين على السواء تتضمن عمليات بيروقراطية معقدة تكبد ضرائب وتكاليف عالية، بالإضافة إلى أشكال متعددة من الدعم والمساعدة في الإسكان للسكان. في ألمانيا،على سبيل المثال، تُفرض ضريبة أرباح رأسمالية بنسبة 25% على المواطنين والأجانب إن تم بيع العقار خلال عشر سنوات من شرائه، وهو إجراء يقلل من الشراء بغرض المضاربة. ووفقًا للقانون الهولندي، يجب أن يقدم الأجانب الراغبون في شراء عقارات في كوبنهاجن طلبًا للسماح لهم مسبقًا بالقيام بهذا[13].

نهضة اقتصادية غير مستدامة

لأن الحكومة المصرية اعتبرت العقارات والإنشاءات من المحفزات الرئيسية في خطتها لإنعاش الاقتصاد، من الضروري أن تحتل السياسات التي تعزز من القدرة على تحمل التكاليف موقعًا مركزيًا. لكن هذا لم يحدث. فاستراتيجية التنمية المستدامة لعام 2030 في مصر، والتي تم إعدادها في الأشهر الستة الأخيرة كرؤية للمنهج الاقتصادي في المدى الطويل والمتوسط، قد صورت أزمة الإسكان على أنها أزمة إنتاج، ووضعت هدفًا متمثلًا في بناء 7.5 مليون منزل على مدار الـ15 عامًا المقبلة[14]. ولا يذكر التقرير في أي من صفحاته كلمة واحدة عن القدرة على تحمل التكاليف.

في مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في مارس 2015، تم تفعيل المراحل الأولية من استراتيجية مصر 2030، فقد وقّعت الهيئة اتفاقات بـ12.7 مليار دولار أمريكي في العقارات مع عدد من المطورين العقاريين العرب[15]، وأطلقت الحكومة مشروع إنشاء عاصمة إدارية جديدة بتكلفة 45 مليار دولار أمريكي بالقرب من القاهرة تتضمن مقدار هائلًا من العقارات[16].

تنبئ هذه المشروعات عن عودة سوق العقارات القائم على المضاربة وغير المستدام بشكل يشبه القائم من 2007 حتى الثورة، ولم يتم اتخاذ أي تدابير لتجنب حدوث ارتفاع رهيب في الأسعار مرة أخرى.

في الواقع، استكمل قانون الاستثمار الجديد المنتظر منذ فترة (القانون رقم 17 لعام 2015)، والذي صدق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي عشية المؤتمر،عملية التحرير من القيود؛ حيث أزال القيود الأخيرة الباقية على ملكية الأجانب للأراضي والعقارات في مصر. والقانون الجديد يسمح أيضًا للحكومة بالتخصيص المباشر للأراضي المملوكة للدولة بالمجان للقطاع الخاص كجزء من خطط الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

وقد أعلن وزير الإسكان مؤخرًا بالفعل أنه بناء على ملكية الحكومة للأراضي ستحتفظ بنسبة24% من أسهم مشروع العاصمة الجديدة[17].

خاتمة

بالإضافة إلى الآثار التراكمية التي ستكون لهذه المشروعات العقارية على أسعار العقارات، تعبر الشراكات بين القطاع العام والخاص عن زيادة اهتمام الحكومة بتشجيع السياسات التي ترفع أسعار الأراضي. فباعتبارها أكبر مالك للأراضي، تعتبر هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة حاليًا أكبر مطور عقاري أيضًا ونسبتها من الأرباح تتحصل لها من المشروعات المشتركة.

إن الافتقاد لآلية قابلة للتطبيق لتوزيع حصص هذه الأرباح والاستفادة من النمو الاقتصادي العام الذي ستستحثه هذه الاستثمارات العقارية على المصريين يعني أن القدرة على تحمل التكاليف ستقل أكثر فأكثر.

إن نسبة الأرباح التي كان من المفترض أن تمول برنامج الإسكان المدعوم- الذي هو أصلًا محدود وموجه توجيهًا خاطئًا- معرضة للخطر[18]. وكان من المفترض أن يحصل صندوق الإسكان الاجتماعي الوليد- الذي تم إنشاؤه مؤخرًا لبناء مساكن مدعومة- على عوائد من فوائض ميزانية الهيئة، بالإضافة إلى نسبة 1% كاملة من مبيعات أراضي الهيئة، وهما المصدران الأكثر ربحية للصندوق[19]. لكنّ واحدًا من هذين المصدرين تم إيقافه وتم تخفيض الآخر بنسبة كبيرة.

وأدى تعديل أُدخِل على قانون الإسكان الاجتماعي بعد مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري، إلى إلغاء المادة التي تحول الفائض من الهيئة إلى الصندوق بحجة أن هذا سيؤثر بشدة في موازنة الدولة[20]. علاوة على ذلك، لا تتضمن الشراكات الجديدة بين القطاعين العام والخاص أي ضريبة على الأراضي، ومن ثم ضاعت القيمة التي يمكن تحويلها للصندوق في شكل ضريبة تُفرض على مبيعات الأراضي.

لكي تصبح استراتيجية التنمية المستدامة بمصر مستدامة حقًا، يجب أن تعالج أزمة عدم القدرة على تحمل تكلفة المنازل عن طريق وضع سياسات تنظم سوق العقارات وأيضًا وضع برنامج إسكان ممول بشكل جيد. بخلاف هذا، لن تؤدي الاستراتيجية إلا لاستمرار معظم المصريين يعيشون في مساكن غير رسمية وغير ملائمة.

*نُشر هذا المقال للمرة الأولى باللغة الإنجليزية على موقع Middle East Institute.

 


[1]الحوار الختامي في مؤتمر حوارات المدينة 2015 (City Debates 2015 Conference)، الجامعة الأمريكية ببيروت، 6 مارس 2015.

[2]هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة – عن الهيئة، http://www.newcities.gov.eg/english/aboutUs/achievments/default.aspx (بالإنجليزية)، http://www.newcities.gov.eg/about/engazat/default.aspx (بالعربية)

[3]يحيى شوكت، العدالة الاجتماعية والعمران– خريطة مصر (القاهرة: ShadowMinistryOfHousing.org، 2013)، ص 51، https://www.academia.edu/4975995/العدالة_الإجتماعية_والعمران_خريطة_مصر

[4]شوكت، العدالة الاجتماعية والعمران.

[5]وفقًا لمحافظ القاهرة، جلال السعيد، قطعة الأرض المبيعة في 2005 بمبلغ 8000 جنيه مصري (ما يوازي 1050 دولار أمريكي) للمتر المربع تساوي في 2014،40 ألف جنيه مصري (5250 دولار أمريكي) للمتر المربع في 2014. انظر “القاهرة تخطط لإعادة حكر أبو دومة للخريطة الاستثمارية للمحافظة”، البورصة، 26 أغسطس 2014،  http://tinyurl.com/oc9l3tk.

[6]World Bank [البنك الدولي]، “ Affordable Mortgage Program Development Policy Loan Program” [برنامج قروض سياسات التنمية – برنامج التمويل العقاري ميسر التكلفة]، 24 أغسطس 2009،  http://documents.worldbank.org/curated/en/2009/08/11033691/egypt-arab-republic-affordable-mortgage-finance-program-development-policy-loan-program (بالإنجليزية).

[7]على سبيل المثال، ارتفعت الأسعار من 50 ألف جنيه مصري لوحدة مساحتها 63 مترًا مربعًا في 2005 إلى 135 ألف جنيه مصري لوحدة مساحتها 90 مترًا مربعًا في 2013. وبقسمة الأسعار على المساحة نجد أن السعر تضاعف.

[8]الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك للأسر 2012/2013: مؤشرات أولية، 2014.

[9]في ظل غياب أي بيانات رسمية عن أسعار المساكن، يُستخدم المؤشر العالمي متعدد المصادر نامبيو للمقارنة. ويمكن الاطلاع على المؤشر هنا http://www.numbeo.com/property-investment/rankings.jsp

[10] How to Buy Freehold Property in Dubai” [كيف تتملك عقارًا في دبي؟]، Arabianbusiness.com، 7 فبراير 2012، http://www.arabianbusiness.com/how-buy-freehold-property-in-dubai-444037.html

[11]In UAE, Tighter Regulations Lead to Real Estate Stabilization” [في الإمارات العربية المتحدة، تشديد القواعد يؤدي لاستقرار العقارات]، Forbes، 11 فبراير 2014، http://www.forbes.com/sites/kenrapoza/2014/11/02/in-uae-tighter-regulations-lead-to-real-estate-stabilization/

[12]حكومة دبي، برامج الإسكان للمواطنين، http://www.dubai.ae/ar/Lists/Articles/DispForm.aspx?ID=62&category=Citizens

[13]وزارة العدل الدانماركية، “Foreign Citizens’ Acquisition of Real Property”  [حيازة الأجانب للعقارات]، http://www.justitsministeriet.dk/arbejdsomr%C3%A5der/civilret/foreign-citizens-acquisition-real-property (بالإنجليزية)

[14]وزارة التخطيط، “ Sustainable Development Strategy, Egypt’s Vision 2030 and Medium Term Framework 2014/2015 – 2018/2019” [استراتيجية التنمية المستدامة، رؤية مصر 2030 وإطار العمل للاستثمار في المدى المتوسط 2014/2015 – 2018/2019]، 2015، http://www.mop.gov.eg/Vision1.pdf (بالإنجليزية).

[15]Egypt Signs MOUs with Developers for $12.7 Billion in Projects: Minister“، [مصر توقع مذكرات تفاهم مع مطورين عقاريين لمشروعات بـ12.7 بليون دولار أمريكي، يقول الوزير]، http://www.reuters.com/article/2015/03/15/us-egypt-economy-investment-housing-idUSKBN0MB0K720150315

[16]WorldNewsVideos، “ Egypt Plans to Spend $45bn Building New Administrative Capital” [مصر تخطط لإنفاق 45 بليون دولار أمريكي في بناء العاصمة الإدارية الجديدة]، 13 مارس 2015، https://www.youtube.com/watch?v=MK1AkKdYIDY.

[17] Egypt Government to Have 24% Share in New Capital City: Minister” [سيكون للحكومة المصرية نسبة 24% من أسهم العاصمة الجديدة، يقول الوزير]، Ahram Online ، 23 مارس 2015، http://english.ahram.org.eg/News/125892.aspx(بالإنجليزية).

[18]من أجل توصيات متعمقة بخصوص إعادة هيكلة برنامج الإسكان في مصر، انظر يحيى شوكت،  Housing Policy Note II: A Proposal for a Just Housing Policy in Egypt [ورقة سياسات الإسكان: وضع سياسة عادلة للإسكان في مصر]، (القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2014)، http://eipr.org/en/pressrelease/2014/07/22/2170 (بالإنجليزية)، http://eipr.org/pressrelease/2014/07/22/2169 (بالعربية). 

[19]انظر قانون الإسكان الاجتماعي، القانون رقم 33 لعام 2014، المادة 11.

[20]انظر القانون رقم 20 لعام 2015.

اعلان