Define your generation here. Generation What

الدولة عندما تثأر.. تشن حربًا على نفسها!

رفعت الدولة عبر خطابها الرسمي- ممثلًا في المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة، إضافة إلى أغلب مانشيتات الصحف المصرية اﻷكثر انتشارًا- شعار “الثأر” لمقتل أبنائها من جنود وضباط جيش وقضاة، وهو ما حولته من خطاب لفظي إلى واقع ممارس نتج عنه مزيد من القتلى في سيناء وإعدام ستة مواطنين في القاهرة. ومع الاستمرار في تحويل الدولة إلى قبيلة يكون الثأر أحد أهم دوافعها، فإن الحديث عن سيادة دولة القانون يصبح غير ذي جدوى، مع قيام القائمين على الدولة بتحطيم تلك اﻷسس التي من المفترض أن تكون راسخة.

مع غياب معالم أية استراتيجية واضحة لمكافحة مظاهر الإرهاب والعنف المسلح التي بدأت في مصر في أعقاب 3 يوليو 2013، وإعلان وزير الدفاع حينها ورئيس الجمهورية حاليًا، عبد الفتاح السيسي، الإطاحة بمحمد مرسي. فإن استكشاف أنماط مواجهة الدولة لهذه الظواهر يزداد صعوبة عن طريق الاضطرار للجوء إلى تتبع بياناتها الرسمية وممارساتها اليومية. وهو ما يظهر جليًا أن الثأر أصبح جزءًا رئيسيًا لديها، وهو ما تثبته العديد من الشواهد. فعلى سبيل المثال، يزداد عدد القتلى من المواطنين في سيناء والذين يصرح الجيش ويعترف رسميًا بمسؤوليته عن قتلهم ويتهمهم بكونهم (تكفيرين/ إرهابيين/ مسلحين خطرين…)، يزداد معدل القتل إثر كل عملية كبرى تتم ضد اﻷجهزة اﻷمنية في سيناء، وبخاصة ما إذا تم نشر تفاصيل تلك العمليات في فيديوهات وصور مرئية، كما تفعل جماعة أنصار بيت المقدس، والتي تطلق على نفسها حاليًا مسمى ولاية سيناء. فبعد انتشار الفيديو المعروف باسم صولة اﻷنصار في منتصف شهر نوفمبر 2014، ارتفعت وتيرة الضحايا المعلن عنها رسميًا على يد الجيش خلال شهري نوفمبر وديسمبر لتصل إلى 180 شخصًا! وانخفضت بعدها لتصل إلى 44 قتيلًا حصيلة  شهر يناير، وهو ما نتوقع تكرار حدوثه أيضًا خلال هذه الأيام  مع صدور النسخة الثانية من فيديو صولة اﻷنصار في 12 مايو الجاري.

كانت الإعدامات الصادمة أكبر دليل على اتجاه الدولة المتسارع لنزعة الثأر. فقد جاءت الإعدامات بصورة مفاجئة عقب ساعات من حادث اغتيال أربعة قضاة ومواطن كان يقود سيارتهم في مدينة العريش في شمال سيناء. فلم يتم إبلاغ اﻷهالي قبلها بموعد التنفيذ. وقد جاء التنفيذ قبيل يومين من الموعد المقرر لنظر محكمة القضاء الإداري دعوى قضائية لوقف تنفيذ الحكم؛ في ١٩ مايو الجاري. كما جاء التنفيذ مغايرًا لتوصيات اللجنة الإفريقية لحقوق الشعوب، والتي كانت قد أصدرت عقب الجلسة الطارئة وغير الاعتيادية في فبراير الماضي، قرارًا يوصي السلطات المصرية بوقف تنفيذ أحكام الإعدام نظرًا لما شابته إجراءات المحاكمة من انتهاكات للحد اﻷدنى من توافر شروط المحاكمة العادلة.

كما أن المتحدث العسكري لم يتورع أن يعلن ذلك بنفسه في بياناته الرسمية، والتي عنون أحدها في 7 مايو 2015، بعنوان: “القوات المسلحة تثأر ﻷبنائها“، وأرفق فيه صور العديد من القتلى في سيناء، الذين أُعلن عن قيام قوات الجيش بقتلهم، وذلك مع تصاعد وتيرة القتل خارج إطار القانون لتصل إلى ما لا يقل عن 725 مواطنًا أعلن الجيش رسميًا عن قتلهم في شمال سيناء منذ 25 أكتوبر 2014 وحتى نهاية الشهر الماضي أبريل 2015.

ويضيف مشهد الإعدامات نوعًا جديدًا من القتل مع  مخالفة جوهر مبادئ القانون، وشرعنة الاستثناء باللجوء للمحاكمات العسكرية. وهو ما يزيد التخوف من التوسع في تطبيقه، خصوصًا مع إصدار القضاء المدني العادي أحكام الإعدام بحق مئات المواطنين خلال الأشهر اﻷخيرة.

وكان رد الفعل على الفيديو المنسوب لإحدى الجماعات المبايعة لداعش في ليبيا وهي تعدم المصريين، ثأريًا لحظيًا حينها متمثلًا في شن ضربة جوية على ما تم الإعلان عن أنها معسكرات ومناطق تمركز وتدريب ومخازن أسلحة وذخائر تنظيم داعش في فجر يوم 16 فبراير 2015. وذلك وفقًا لقرارات مجلس الدفاع الوطني. فهل تمت بتلك الضربة القضاء على خطر داعش تمامًا في ليبيا؟ وطالما أن الدولة قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية في اﻷراضي الليبية ولديها معلومات استخباراتية شاملة عن هذه المعسكرات ومعاقل التدريب والتمركز لداعش- كما تزعم، فلماذا لم تقم بداية بتحرير المصريين المختطفين، بدلًا من انتظار لحظة الاستعراض الثأري لهم؟

الثأر يقودنا إلى الهاوية بسرعة أكبر..

ببساطة إن انتهاج الدولة مسار الثأر، يعني تحولها إلى مجرد قبيلة لا هم لها سوى دافع الانتقام، مما يطرح مزيدًا من التساؤلات حول أدوارها المنوط بها تأديتها من تحقيق العدل ونشر احترام القانون وكفالة حقوق الإنسان، ومحاسبة منتهكيها حتى لو كانوا من ضمن مسؤولي أجهزتها المختلفة.

كما أن استمرار رفع الدولة شعار الثأر يعطي للمفارقة شرعية لمن يلجأون للعنف المسلح لمواجهتها، باعتبار أن من يسقط على يد الدولة من ضحايا يستوجب الثأر لهم أيضًا. فكما تثأر الدولة وتعترف بالثأر؛ فإن ذلك سيسهل كثيرًا من لجوء اﻷفراد للثأر منها باعتباره المسار الوحيد المتاح مع انسداد أفق العدالة، وتحول من هم مفترض بهم تحقيقها بين الناس لطرف في النزاع، تسيطر عليه مصالحه الخاصة في الثأر للمنتمين إليه فقط!

إن تبني واحترام الدولة لمبادئ وحقوق الإنسان الرئيسية أثناء مكافحتها لظواهر العنف المسلح والإرهاب، هو الضامن الوحيد لحصر تلك الظواهر، بدلًا من انتشارها المتزايد يومًا بعد آخر. أما لجوء الدولة للثأر فلن يترتب عليه سوى مزيد من دوامات العنف والعنف المضاد، التي كما بدأت بالعصف بمفاهيم واحترام حقوق الإنسان الرئيسية فإنها يمكن أن تعصف بمفهوم الدولة كله في نهاية الأمر، وهو ما لا يرغب أحدنا في أن نصير إليه، لذا كان على مسؤولي الدولة أن لا يكونوا أول الساعين إلى هدمها!

 

اعلان
 
 
شريف محي الدين