Define your generation here. Generation What

عن النهاية القريبة للطائفة اليهودية في مصر

تواجه الطائفة اليهودية في مصر حاليًا واقعًا مريرًا ينذر بقرب نهايتها. ففي عام 1947، كان عدد اليهود المصريين يتراوح بين 75,000 و80,000 شخص[1]، لكنه انخفض ليصل حاليًا إلى سبعة أشخاص فقط[2]، معظمهم من السيدات المسنات اللاتي يحتجن إلى رعاية طبية يومية.

كنت قد قابلت نادية هارون، نائبة رئيسة الطائفة اليهودية في مصر، للمرة الأخيرة في شهر نوفمبر عام 2013. أتذكر هذا اليوم جيدًا لأني قابلتها في الوقت نفسه الذي قابلت فيه شقيقتها الكبرى ماجدة، رئيسة الطائفة. ابتسمت نادية وهي تقول لي: “حدثتني ماجدة كثيرًا عنك، وكنت أتطلع إلى مقابلتك”. أما أنا فلم أصدق نفسي. “هل قابلت اثنين من اليهود اليوم؟ بل أنا الذي كان يتطلع إلى هذه المقابلة”.

تعد الطائفة اليهودية أقدم الطوائف الدينية في مصر، وقد تعرضت إلى موجة من الحملات الدعائية المضادة والتشويه وخطاب الكراهية. ترك ذلك أثرًا ملموسًا حتى الآن في الصور النمطية وعبارات الذم المستخدمة في لغتنا اليومية.

كنت قد تعرضت إلى الانتقاد لكتابتي مقالًا باللغة العربية تحت عنوان “احنا آسفين يا يهود”. وتعجب الناقدون كيف لشخص مسيحي أن يدافع عن اليهود في حين أنهم كان لهم يد في صلب المسيح. والمفارقة أن كثيرًا من الذين وجهوا هذا النقد كانوا من المسلمين المتشددين، حتى إن بعضهم قد يكون من ممارسي التمييز ضد المسيحيين.

لكن تاريخ مصر للأسف مليء بانتهاكات للحقوق الأساسية للأقليات والمجموعات المستضعفة.

في يوم الثاني من نوفمبر عام 1945، شهدت القاهرة مظاهرات مناهضة لبريطانيا والصهيونية (واليهودية أيضًا) بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين لإعلان “بلفور”. أحرق معبد يهودي ودنست 27 صحيفة توارة ودمر وهدم العديد من المنشآت اليهودية العامة من بينها مطبخ خيري ودار للمسنين وملجأ للفقراء وعابري السبيل والمستشفى اليهودي ومقر جمعية الفنون[7].

بعد حرب 1948 زاد العداء تجاه اليهود؛ حيث كانوا متهمين بالعمل كـ”طابور خامس” لحساب إسرائيل. وبعد انقلاب عام 1952 تعرض اليهود إلى الاعتقال والترحيل ووضعوا تحت الحراسة. يقدر عدد اليهود الذين اعتقلوا من تاريخ 7 ديسمبر 1956 بنحو 900 شخص على الأقل[8]. وفي منتصف الخمسينيات دشن جمال عبدالناصر- رئيس الجمهورية في ذلك الوقت- سياسة التأميم، وكان لها أثر مدمر على الطائفة اليهودية التي كانت تتحكم في قطاع عريض من الاقتصاد المصري. ويشير بعض الدبلوماسيين الأمريكيين إلى أن قرارات الوضع تحت الحراسة أصدرت بحق 539 يهوديًا بالاسم و105 شركات، ذلك بالإضافة إلى اليهود الذين شملتهم قرارات الوضع تحت الحراسة الصادرة بحق حاملي الجنسيتين البريطانية والفرنسية [9].

في شهر نوفمبر من عام 1956 عدّل النظام الحاكم قوانين المواطنة والجنسية لمنع اليهود وأقليات أخرى من الحصول على الجنسية المصرية[10]. ومع حلول نهاية شهر نوفمبر ازداد الوضع تعقيدًا؛ حيث طُرد على الأقل 500 يهودي من مصر، منهم من كان يحمل الجنسية المصرية ومنهم من كان بلا جنسية[11]، ولا يشمل هذا الرقم العدد الكبير من اليهود حاملي الجنسيتين البريطانية والفرنسية. كان معظم المطرودين أرباب عائلات. ولقد أمروا بمغادرة البلد خلال فترة تراوحت بين يومين وسبعة أيام. ونظرًا لأن معظم الأفراد الصادر بحقهم أمر ترحيل كانوا مسؤولين عن إعالة أسرهم، اضطر جميع أفراد الأسرة إلى مغادرة البلد بالتبعية[12]. وهكذا أدى ذلك الإجراء في النهاية إلى نزوح اليهود الجماعي، وكادوا أن يختفوا عن مصر.

لكنّ عددًا ضئيلًا من العائلات اليهودية بقي في مصر، من بينهم الناشط اليساري شحاتة هارون وعائلته. تروي لنا ماجدة، ابنة هارون، قائلة إن والدها عندما حاول إرسال شقيقتها الكبرى للسفر إلى باريس من أجل العلاج وافقت السلطات المصرية على منحه تأشيرة خروج فقط دون عودة، وهكذا اضطر إلى أن يترك ابنته تموت ولم يغادر البلد قط[13]. بعد وفاته في عام 2001، كان على أسرته إحضار حاخام فرنسي لإقامة مراسم الجنازة، لأنه لم يكن هناك حاخام يهودي في مصر.

وتكرر الشيء نفسه بعد موت نادية.

توفيت نادية في شهر مارس عام 2014، وقد حظيت بشرف حضور جنازتها. غاب المسؤولون المصريون عن الجنازة، مع أنهم عادة يحضرون جنازات شيوخ الأزهر أو أساقفة الكنيسة القبطية. تركت نادية شقيقتها الكبرى ماجدة لتحمل عبء الطائفة اليهودية في مصر بمفردها.

حلت الذكرى السنوية الأولى لوفاة نادية في بداية الشهر قبل الماضي، وذهبت ماجدة لزيارة قبر شقيقتها مع زوجها المسيحي وابنتيها المسلمتين لأداء المراسم. وهناك اكتشفت أن مجموعة من الشباب قد دنسوا قبر شقيقتها. كما وجهوا الإهانات لها وللديانة اليهودية[14]. لا أستطيع تخيل شعور ماجدة إزاء ذلك، فمن الصعب على أي شخص أن يرى أحباءه يهانون في حياتهم ومماتهم، لمجرد أنهم من ديانة مختلفة.

على الرغم من وجود أقدم المقابر اليهودية بالعالم في مصر؛ فإنها متروكة عرضة للتدنيس والتخريب. لكن إهمال التراث اليهودي في مصر لا يقتصر على المقابر فحسب. تقول ماجدة إن هناك نحو 12 معبدًا يهوديًا في القاهرة والإسكندرية لا تتم صيانتها، وأغلبها أغلق لعدم وجود أشخاص تقصدها للصلاة.

علاوة على ذلك تعد سجلات الطائفة اليهودية في مصر جزءًا من التاريخ ينبغي حفظه في سجل رقمي والحفاظ عليه. كما ينبغي استعادة نسخة التوراة المكتوبة الأصلية وحفظها في متحف مع سائر معالم تراث هذه الطائفة المندثرة.

أخبرتني ماجدة ذات مرة أن أكثر ما تخشاه أن يضيع ما تبقى من التراث اليهودي في مصر بعد موتها. أذكر الكلمة التي ألقتها ماجدة في جنازة شقيقتها. وقتها نظرت في عيني، وقالت: “هذا تاريخك يا مينا”، ثم التفتت إلى أحد أصدقائها قائلة: “هذا تاريخك يا محمد”.

لقد أدت ستة عقود من الدعاية المضادة وخطاب الكراهية في النهاية إلى انتهاء الطائفة اليهودية في هذا البلد. هذا هو خطاب الكراهية نفسه الذي أدى إلى التهجير القسري للبهائيين من سوهاج في عام 2009[15]، وخطاب الكراهية نفسه الذي أدى إلى مقتل أربعة رجال من الشيعة بصورة بشعة في شهر يونيه 2013[16]، وخطاب الكراهية نفسه الذي أدى إلى موجة من العنف الطائفي ضد المسيحيين وحرق عشرات الكنائس وسرقة عشرات من منازل ومحلات المسيحيين عام 2011.

عندما يقترن خطاب الكراهية بغياب الحماية أمام القانون بشكل متكافئ في المجتمع يخلق ذلك مناخ عادئي تجاه الأقليات يصبح فيه العنف مبررًا. لقد وقعت 40 واقعة عنف طائفي في مصر منذ عام 2011[17]، معظمها جاء على خلفية خطاب يحض على الكراهية ويحرض الجناة على ارتكاب تلك الاعتداءات. كما أدى العنف الطائفي إلى موت 100 مصري على الأقل منذ عام 2011، وقد أصبح غياب المحاسبة وعدم توفير حماية للمجموعات المستضعفة سمة سائدة[18].

علينا التعلم من أخطائنا. وينبغي أن نبدأ في الحفاظ على تراثنا اليهودي ونعيد ترميم المعابد. وعلينا أن نواجه خطاب الكراهية والتمييز. كما يجب أن نضع حدًا للعنف الطائفي ونقدم مرتكبيه للعدالة.


[1] Beinin, Joel. The Dispersion of Egyptian Jewry: Culture, Politics, and the Formation of a Modern Diaspora. Berkeley:  University of California Press,  1998.

[2] مقابلة مع ماجدة هارون- رئيسة الطائفة اليهودية- أجريت في الشهر الجاري.

[3] عبد العزيز جمال الدين، ”تاريخ مصر“: من بداية القرن الأول بعد الميلاد حتى القرن العشرين، من خلال مخطوطة ”تاريخ البطاركة“ لابن المقفع، القاهرة، 2006، الجزء الأول، ص 99.

[4] جمال الدين، 2006، ص 105.

[5] المصدر السابق.

[6] جمال الدين، 2006، ص 107.

[7] M.Laskier, Michael. Egyptian Jewry under the Nasser Regime, 1956-70, New York, 1991.

[8] المصدر السابق.

[9] Tignor, Robert L. Capitalism and Nationalism At the End of Empire: State and Business in Decolonizing Egypt, Nigeria, and Kenya, 1945-1963. Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1998. p134.

[10] M.Laskier, Michael. EGYPTIAN JEWRY UNDER THE NASSER REGIME, 1956-70,New York, 1991.

[11] المصدر السابق.

[12] المصدر السابق.

[13] مقابلة مع ماجدة هارون- رئيسة الطائفة اليهودية- أجريت في شهر مايو عام 2014.

[14] مقابلة مع ماجدة هارون- رئيسة الطائفة اليهودية- أجريت في الشهر الجاري.

[15] وزارة الخارجية الأمريكية، التقرير السنوي عن حرية المعتقد على مستوى العالم، 2009.

[16] العفو الدولية، ”مصر: على الرئيس مرسي إرسال رسالة واضحة ضد الاعتداءات على الشيعة المسلمين،“ بتاريخ 24 يونيه 2013.

[17] المفوضية المصرية للحقوق والحريات، بحث غير منشور، ”الأقليات في مصر“، مارس 2015.

[18] المصدر السابق.

 

اعلان