Define your generation here. Generation What
من يحمي الصحفيين غير النقابيين؟
 
 

لا تنتهي أزمة تخص الصحفيين إلا لتبدأ أخرى. بشكل أو بآخر يرتبط معظم هذه الأزمات بمشكلة القيد بنقابة الصحفيين سواء المتعلقة بمن ما زالوا تحت التمرين أو الصحفيين العاملين بمواقع إلكترونية غير مملوكة لصحف ورقية.

آخر هذه الأزمات كان القرار الصادر من النائب العام بإحالة إبراهيم عارف، رئيس تحرير صحيفة “البيان” الخاصة، وسارة علاء الدين المحررة بالصحيفة، ونجيبة المحجوب رئيسة مجلس الإدارة، لمحكمة الجنايات بتهمة نشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، ومزاولة السيدتين مهنة الصحافة دون أن تكونا مقيدتين بكشوف النقابة. كما أصدر النائب العام بيانا أهاب فيه بنقابة الصحفيين “الاضطلاع بدورها المقرر قانونًا واتخاذ ما يلزم من إجراءات للحد من اشتغال غير الصحفيين النقابيين بمهنة الصحافة حرصًا على آداب المهنة، وتقاليدها وتوعية الصحفيين بضرورة الالتزام بميثاق الشرف الصحفي”. وكانت الشرطة قد ألقت القبض على عارف من مقر الصحيفة بالدقي بعد نشر خبر غير صحيح على موقعها الإلكتروني عن اغتيال ستة وكلاء نيابة بطريق السويس القاهرة، قبل أن تقوم بحذفه ونشر اعتذار عنه. وحضرت النقابة مع عارف تحقيق النيابة التي أخلت سبيله بكفالة قدرها ١٠ آلاف جنيه.

في اليوم التالي لإحالة عارف وزميلتيه للجنايات، نشر موقع صحيفة «الوطن» خبرا يفيد أن نقابة الصحفيين أرسلت خطابا إلى محافظ البحر الأحمر تطالبه بعدم التعامل مع الكيانات التي يحمل ممثلوها كارنيهات مدون عليها “محرر صحفي” أو “صحفي إلكتروني” وعدم إعطائ هؤلاء أي مزايا إلا عن طريق خاتم النقابة.

وأكدت نقابة الصحفيين في خطابها- الذي وقع عليه النقيب يحيى قلاش- أن هناك كيانات تنتحل صفة النقابة وتستخرج لأعضائها كارنيهات بمسمى صحفى إلكتروني أو محرر صحفي، موضحة أن تلك المسميات كثير من أصحابها يقوم بابتزاز المسئولين والمواطنين باسم نقابة الصحفيين.

ليفتح ذلك الإجراء الأخير ملف الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية غير المملوكة لصحف ورقية وحقوقهم في ممارسة المهنة.

أيهما يأتي أولا: ممارسة المهنة أم الالتحاق بالنقابة؟

أتي بيان النيابة بخصوص إحالة سارة علاء الدين للجنايات، والذي يتهمها بانتحال صفة صحفي، ليلقي الضوء مجددا على تناقضات إجراءات القيد في نقابة الصحفيين؛ حيث تشترط المادة الخامسة من قانون النقابة أن يكون الصحفي معينا بإحدى المؤسسات الصحفية وأن يتقدم بأرشيف أعماله للجنة القيد، وهو الإجراء الذي يستدعي ممارسة المهنة قبل الانضمام للنقابة. من ناحية أخرى تتخذ بعض السلطات التنفيذية إجراءات تعسفية إزاء الصحفيين غير المقيدين بالنقابة بدعوى أنهم منتحلين للصفة، كما هي الحالة مع الزميلة سارة علاء الدين.

يرد نقيب الصحفيين يحيى قلاش، في مكالمة هاتفية مع «مدى مصر» على هذا التناقض قائلا: “النيابة خلطت بين المتدرب ومنتحل صفة الصحفي”. ويضيف أنه إذا كان هناك من ينتحل صفة صحفي وهو لا علاقة له بالمهنة فالنقابة لها مصلحة أصيلة في التصدي لذلك، أما المتدربين فهم جزء لا يتجزأ من المهنة نفسها حتى لو كانوا غير أعضاء بالنقابة، وهو الترتيب الطبيعي لالتحاق أي شخص بالجماعة الصحفية.

يفسر قلاش إجراء النيابة إزاء الزميلة سارة علاء الدين بأن الغرض منه كان توسيع دائرة الاتهامات كي لا تقتصر فقط على إذاعة أخبار كاذبة. ويضيف: “الخبر المنشور أثار قلق وانزعاج العاملين في النيابة، خاصة في تلك الأوقات الحرجة والتي نقدر مدى دقتها، بل أن النقابة كانت أول من أصدر بيانا لإدانة اغتيال ثلاثة قضاة في العريش منذ أسابيع قليلة، إلا أنه  توجد بدائل مختلفة لمعالجة الموقف بخلاف الإجراء الذي اتخذته النيابة”.

يرى قلاش أنه كان من الممكن أن تتقدم النيابة بشكوى لنقابة الصحفيين لتقوم هي بالتحقيق في تلك المخالفة، غير أنها اختارت تلك المعالجة التي انطوت على انتهاكات لضمانات قانونية عديدة قائمة منذ ٤٥ عاما.

يسرد قلاش تلك المخالفات التي ضمت: التحقيق مع عضو بنقابة الصحفيين دون إبلاغ النقابة، والتدخل في عمل الأخيرة في تحديد من لهم صفة العمل الصحفي من عدمه، وأخيرا إخلاء سبيل عارف بكفالة ١٠ ألاف جنيه وهو ما يخالف الوضع القانوني الذي لا يسمح بالحبس في قضايا النشر، وبالتالي لا يصبح للكفالة أي سند قانوني.

لم تكن حالة سارة علاء الدين هي الأولي التي تنفي فيها سلطة تنفيذية الصفة المهنية عن صحفي بسبب افتقاره لعضوية النقابة، ففي سبتمبر ٢٠١٣ صرح المتحدث العسكري السابق العقيد أحمد علي، أن أحمد أبو دراع، مراسل صحيفة “المصري اليوم” بمحافظة شمال سيناء، ليس صحفيا بسبب عدم عضويته بالنقابة، وجاء ذلك عقب القبض عليه وإحالته لمحاكمة عسكرية بتهمة إذاعة أخبار كاذبة.

يقول قلاش إن التناقض الحالي سببه أن سوق العمل الصحفي تحول إلى ما يشبه “سوق النخاسة”، بحسب وصفه، فهناك صحفيون يعملون لسنوات في مؤسسات صحفية دون أن يتم تعيينهم وبالتالي لا يتمكنوا من القيد في النقابة وفقا للقانون الحالي. وهو الوضع الذي يقول قلاش أن المجلس الحالي يحاول معالجته، عبر مطالبة المؤسسات الصحفية بإرسال كشوف بأسماء المتدربين لديها، وهو ما سيسمح للنقابة لاحقا، بعد انقضاء فترة ٦ أشهر من التدريب، أن تساءل المؤسسات عن الوضع الوظيفي للمتدربين، ويصبح أمام هذه المؤسسات إما أن تعينهم أو إن تنهي عقد التدريب معهم.

وأكد قلاش أن النقابة لن تقبل قيد أي صحفيين من خارج هذه القوائم، وهو ما يرى أنه سيجبر المؤسسات الصحفية في النهاية على إدراج المتدربين في هذه الكشوف وتعيينهم لاحقا إذا ما اتفق الطرفان على استكمال علاقة العمل.

يؤكد قلاش أن الغرض من هذه الإجراءات هو حماية حقوق الصحفيين المتدربين غير المعينين. ويتفق محمود كامل، عضو مجلس النقابة، مع قلاش في هذه النقطة، قائلا أن العرف قبل القانون يفرض على النقابة الدفاع عن حقوق كل من يمارس المهنة سواء أعضاء النقابة من المعينين أو غيرهم.

يضيف كامل أن الأمر لا يتوقف فقط عند حل مشكلة القيد في النقابة، بل يتجاوزه إلى التضامن مع أي من الزملاء المعتقلين. فيؤكد تضامن النقابة القانوني مع سارة علاء الدين في الدعوى المقامة ضدها، مثلما انضمت النقابة للدفاع عن الصحفي أحمد جمال زيادة قبل الحكم لصالحه بالبراءة مؤخرا.

أزمة “الكيانات البديلة”

جاء خطاب النقابة لمحافظ البحر الأحمر ليطرح تساؤلات جديدة مرتبطة بالصحفيين غير المقيدين بالنقابة، والصحفيين العاملين بمواقع إلكترونية.

الخطاب لم يوجه إلى محافظ البحر الأحمر فحسب بل إلى كل المحافظات والوزارات والجهات الإدارية بالدولة، وهو ما ذكره قلاش، موضحًا أن الغرض منه بشكل أساسي السيطرة على ما وصفه بفوضى سوق العمل الصحفي.

يشرح قلاش أن المحافظات المختلفة تشهد ظهور كيانات تنتحل صفة النقابة وتمنح أشخاصا صفة صحفي وتصدر لهم بطاقات وأوراق عمل وبعضها يبتز مسؤولين ومواطنين، ويتربح من وراء ذلك العمل، وهو ما دفع النقابة لاتخاذ هذا الإجراء خاصة بعد ورود عدد من الشكاوى لها.

وبغض النظر عما ذكره قلاش من أسباب، إلا أن هذا الإجراء قد يتضرر منه الصحفيين غير المقيدين في النقابة وكذلك الصحفيين العاملين بمواقع إلكترونية غير مملوكة لصحف ورقية.

ويرد قلاش على النقطة الأخيرة، بأن الإجراء لم يكن المقصود منه استهداف الصحفيين الإلكترونيين أو نقابة الصحفيين الإلكترونيين على الإطلاق، فهم جزء من المهنة ويشكلون تطورها وامتدادها الطبيعي وهناك مواقع إلكترونية لها مصداقية وتتمتع بمهنية عالية، إلا أنه يعود ليؤكد: “هناك أربعة كيانات تتحدث باسم الصحفيين الإلكترونيين وبينهم منافسة دامية على مطالب عديدة، وبعضهم يصدر بطاقات تحمل صفة صحفي، وذلك يشكل فوضى غير طبيعية في سوق العمل، والنقابة تمارس دورها الطبيعي عندما تتدخل لتنظيم ذلك السوق”.

ويعلق كامل على ذلك الشق قائلا: “الغرض من الإجراء كان تنظيم سوق العمل فيما يخص العاملين بصحف مطبوعة بشكل خاص فهذا هو مجال اختصاص النقابة بشكل أساسي، أما بالنسبة للصحفيين الإلكترونيين فالنقابة ليست لها أي ولاية عليهم”.

يستكمل قلاش قائلا: “بالنسبة للصحفيين المتدربين العاملين في صحف ورقية ولم ينضموا بعد للنقابة، فنحن على استعداد لإصدار أي توضيحات بشأنهم إذا ما تضرروا من هذا القرار، فقط بمجرد وصول الطلب سنتخذ ذلك الإجراء على الفور”.

ويضيف أنه فيما يتعلق بالصحفيين العاملين في مواقع إلكترونية فسنترك الأمر لتقديرات الجهات الحكومية نفسها وهي تعلم جيدا المواقع المهنية من غيرها.

يختلف أحمد أبو القاسم، السكرتير العام لنقابة الصحفيين الإلكترونيين، مع طرح نقابة الصحفيين، فيقول لـ«مدي مصر»: “اجتمعنا مع أستاذ يحيي قلاش من قبل، واتفقنا في وجهات النظر تجاه أن هناك بالفعل جهات تمارس نصبا باسم كيانات صحفية بديلة، وبعضها يسيء لسوق العمل بمنح صفة صحفي لأشخاص يعملون في التسويق على شبكة الإنترنت مثلا، غير أننا طالبنا أكثر من مرة أن تعلن النقابة عن أسماء هذه الجهات، ولا تترك الأمر بهذا الشكل العام الذي يطال الجميع بما فيهم نحن”.

وتأسست نقابة الصحفيين الإلكترونيين سنة ٢٠١١، بأن سجلت نفسها في وزارة القوى العاملة بعضوية ١٢٠٠ صحفي، إلا أن أبو القاسم يؤكد أن النقابة تطمح إلى أن تكون نقابة مهنية وليست عمالية، ويضيف أن اللائحة التنفيذية الخاصة بهم هي لائحة مهنية بحتة تضع تعريفًا واضحًا للصحفي الإلكتروني، ونقابتهم لا تضم إلا صحفيين فقط.

كان وفد من نقابة الصحفيين الإلكترونيين قد التقى قلاش عقب فوزه بانتخابات النقابة، وجرى نقاش بينهم حول سُبل حل أزمة الصحفيين العاملين بمواقع إلكترونية. ويرى أبو القاسم أن هناك حل من إثنين، إما أن يُعدل قانون نقابة الصحفيين بما يسمح بدخول الصحفيين الإلكترونيين دون تمييز ضدهم أو وضع شروط تعجيزية، فيصبح هناك كيان نقابي واحد للصحفيين كلهم، أو أن يتم قبول الاقتراح الذي أعدوه بقانون لتأسيس نقابة مهنية للصحفيين الإلكترونيين.

يضيف أبو القاسم: “طالبنا الأستاذ قلاش بأن تضع النقابة سقفًا زمنيًا لطرح مشروع قانون معدل للنقابة على الجمعية العمومية لحسم هذا الأمر”.

ويوضح: “المشكلة أن هناك بالفعل قانون تم إعداده من سنة ٢٠١١ بمشاركة شيوخ المهنة، ومن بينهم الأساتذة رجائي الميرغني وصلاح عيسى ويحيى قلاش نفسه، إلا أنه حتى هذه اللحظة لم يُعرض على الجمعية العمومية”.

يؤكد أبو القاسم أنهم متمسكون بحقهم في تأسيس نقابة مهنية خاصة بالصحفيين الإلكترونيين، في حال لم يُسمح لهم بدخول نقابة الصحفيين، ويذكر أنهم تقدموا للجنة الإصلاح التشريعي الحكومية، المسؤولة عن إعداد التشريعات المختلفة، بمشروع قانون لإضافة نقابتهم للنقابات المهنية. وهو ما لا يراه أبو القاسم متعارضا مع الدستور الذي ينص على أن تكون هناك نقابة مهنية واحدة لكل مهنة. فيقول: “هناك فارق بين المهنة والوظائف المختلفة داخل هذه المهنة” طارحا نقابتي السينمائيين والمهن التمثيلية كمثال، فكلاهما مشتركتين في المهنة لكنهما تمثلان وظائف مختلفة.

ويوضح: “الدستور فصّل أن هناك صحافة مرتبطة بالنشر الورقي، وإعلام مرئي ومسموع مرتبط بترددات البث المختلفة، وصحافة إلكترونية مرتبطة بالإنترنت. نحن هنا إزاء ثلاث مهن مختلفة تستحق نقابات منفصلة، لاختلاف طبيعتهم وظروفهم”.

 
اعلان