Define your generation here. Generation What
المُستعرِب – الجزء الثالث
 
 

هذا هو الجزء الثالث والأخير من حوار هديل غنيم مع البروفيسور تريفور لوجاسيك. في الجزء الأول تعرفنا على بداية لوجاسيك في عالم الترجمة، وتعرفه على أعمال نجيب محفوظ، وترجمته لرواية “زقاق المدق”، وتحدث أكثر عن معاييره في ما يتعلق بالترجمة، ونظرته لها، كما تحدث عما لفت نظره في أعمال محفوظ,

وفي الجزء الثاني تعرفنا على الخلفية الفكرية التي أتي منها لوجاسيك، وكيف انتهى به الحال إلى أن يكون “مستعربًا” بعد أن كان “مستشرقًا”.

أما في هذا الجزء، فتستكمل هديل حوارها الممتع معه، لتجعلنا نعرف ما هي وجهة نظره في ثورة يناير، وكيف يرى السادات وناصر، فضلَا عن اكتشافنا كيف رأى هذا الرجل الأدباء المصريين الذين عاصرهم وتعامل معهم واشتبك مع أعمالهم.

عن عاطفة إدريس.. وطموح نجيب.. والغيرة من إحسان

هديل: كيف كان لقاؤك بنجيب محفوظ؟

لوجاسيك: كان لقاء جيدًا جدًا. سألته عن تفضيله في كيفية تقسيم الحقوق المالية فيما يخص نسبته. علمت بعد ذلك أنه قد وصفني بأنني صغير السن بشكل غير عادي. كنت أصغُره بعشرين عامًا، وربما أكثر. قام بتوقيع العقد ووافق على تقسيم النسبة من حقوق الملكية الفكرية للرواية المترجمة النصف بالنصف، وكان ذلك غاية في الكرم من جانبه. رغم أنني ربما قضيت وقتًا أطول في ترجمة الكتاب من الوقت الذي قضاه هو في كتابته. ولكن الاتفاق معه كان سلسًا ولطيفًا جدًا. كنت دائمًا أخاطبه بالإنجليزية، وكانت إنجليزيته جيدة جدًا، بينما كنت أخشى أن أكون بشعًا في اللغة العربية إذا تحدثت بها.

هديل: هل عشت في القاهرة؟

لوجاسيك: زرت القاهرة أول مرة في عام ١٩٥٩، ثم عشت هناك لمدة عام في ١٩٦٣ حين حصلت على منحة زمالة. ولم تنقطع صلاتي التي كونتها هناك؛ حيث كنت أعود لزيارتهم كلما حصلت على إجازة طويلة من الجامعة كل بضع سنوات.

هديل: قمت أيضًا بترجمة عدد من قصص يوسف إدريس.. فهل قابلته؟

لوجاسيك: قابلته أول مرة في القاهرة عام ١٩٦٣، وتوطدت علاقتي به سريعًا؛ حيث قضيت معه أوقاتًا طويلة أثناء عملي في ترجمة بإشراف لصيق منه، لمسرحيته رائعة الجرأة “الفرافير”، وهي مسرحية مليئة بالتعليقات المتهكمة الخطرة التي تسخر من سياسات جمال عبدالناصر. صرنا أصدقاء. وفي العام اللاحق، فاجأني وأسعدني حين أبلغني أنه قد مُنح جائزة من الخارجية الأمريكية تتضمن زيارة للولايات المتحدة. استضافته جامعة “شيكاجو” أولًا، ثم قمنا بعد ذلك بدعوته إلى “بلومينجتون” في ولاية “إنديانا”؛ حيث كنت أقوم بالتدريس آنذاك؛ لكي يتحدث إلى الطلبة وأعضاء هيئة التدريس. وعندما جاء، ألقى محاضرة لطيفة ومتفائلة عن آماله الشخصية في إحداث تغيُّر إيجابي في مصر من خلال الجهود الشجاعة للمنادين بحرية التعبير، والتي يقوم بها المثقفون مثله ومثل نجيب محفوظ. تحدث طويلًا عن مهاراتهم في تقديم نقد للمجتمع من خلال القصص التي يكتبونها، والتي تشي موضوعاتها بذكاء عن قضايا حساسة دون إفصاح مباشر يعرضهم للسجن أو ما هو أسوأ من ذلك على يد نظام الحكم العسكري ومعاونيه.

كان يوسف محاضرًا واثقًا من نفسه وجاذبًا، وقد تحدث بتلقائية وحماسة، وبخفة ظله التي عُرف بها وجعلته محبوبًا وذا تأثير. في ذلك المساء التقيناه مرة أخرى في منتدى حضره بعض أعضاء الجالية المصرية من المهاجرين المقيمين في “إنديانا”. وأثناء تبادل أطراف الحديث، ارتفعت الأصوات من جانب بعضهم منتقدين ملاحظات يوسف إدريس السابقة ونبرته المتفائلة المعجبة بالذات، وانتقدوه هو وزملاءه من الكُتاب الذين يطلق عليهم “ليبراليون”؛ لحذرهم البالغ فيما يكتبونه من تلميحات ناقدة يستحيل ملاحظتها وعدم جرأتهم الكافية في معارضة الحكم الدكتاتوري في مصر. وجادله بعض المصريين الحاضرين قائلين: إن المثقفين داخل البلاد مطلوب منهم معارضة مفتوحة وأكثر شجاعة، وإذا كان هذا مستحيلا فعليهم الهجرة والمعارضة من خارج البلاد.

انتهى ذلك الاجتماع، وفي صباح اليوم التالي التقيت يوسف للإفطار. بدا مكتئبًا جدًا، بل مُدَّمرًا، بسبب الانتقادات التي وُجِّهت إليه في الليلة السابقة. بالمناسبة، ليوسف قصة قصيرة مؤثرة جدًا في صعوبتها بعنوان “الأورطة”، قمت لاحقًا بترجمتها إلى الإنجليزية، وهي عن مأساة المثقف المصري وبؤسه ممثلاً في شخصية “عبده”؛ فهو يتعرض للكراهية والازدراء والهجوم العنيف من جمهور مصري مصمم على أنه يملك الحل لمشكلاتهم، ورافض توسلاته إليهم أن يتقبلوا حقيقة أنه قد أصبح عاجزًا وخاويًا بسبب ما تعرض له من حبس وسوء معاملة في السجن.

هديل: قمت أيضا بترجمة رواية إحسان عبد القدوس “أنا حرة” (١٩٥٢).. فهل عرفته شخصيًا؟ وهل تعتقد أن أعماله تم إغفالها من قِبَل النقاد دون وجه حق؟

لوجاسيك: نعم، إلى درجة فاضحة! دعيني أوضح لك المعضلة؛ في إحدى المرات، قال لي يوسف إدريس هذا اللغز: “نحن لن نسامحك أبدًا على ترجمة أعمال إحسان”. ألا يدل ذلك على شيء؟

هديل: “نحن” هنا تعود على من؟ ولماذا؟

لوجاسيك: كان يقصد نخبة المثقفين في مصر في ذلك الوقت. والسبب: “العين” والحسد؛ والغيرة! كانوا يغارون بشدة من إحسان. كان عنده كل أنواع الامتيازات: والدته ممثلة مشهورة وصاحبة دار نشر “روزاليوسف”، وكانوا يفترضون دائمًا أن لديه ثروة كبيرة في البنوك. بينما قال لي هو إن هذا غير صحيح، ولكنهم افترضوا ذلك. افترضوا أن لديه سلطات وسبل وقوة لم تتح لهم.

هديل: هل كان ذلك متعلقًا بانتماءاته السياسية؟ ألم يكن من مؤيدي ثورة ١٩٥٢ونظام عبدالناصر؟

لوجاسيك: كره الناس إحسان بسبب نجاحه. إن عنصر الغيرة مهم جدًا. العرب يفهمون ذلك، بينما نحن في الغرب لا نفهمه على الإطلاق، رغم أنه يتدخل في حياتنا طوال الوقت. كانوا يغارون منه غيرة حاقدة.

هديل: وهل كان في رأيك أفضل منهم ككاتب؟

لوجاسيك: كانت شعبيته أكبر، وكان متحكمًا فيهم بشكل من الأشكال نظرًا لصلاته القوية بصناعة السينما، على سبيل المثال، كما أنه كان يمتلك مطابعه الخاصة، مما كان يتيح له نشر قصة ليوسف إدريس مثلًا، والمساعدة في إنتاجها كفيلم سينمائي إذا أراد.

هديل: تلك السلطة كانت فيما سبق، الآن وقد زالت لم يبق لنا إلا أعماله.. كيف تقدر القيمة الأدبية لأعماله؟

لوجاسيك: أقدرها تقديرًا كبيرًا. في عام ١٩٦٧، كتبت مقالًا في مجلة “ميدل إيست جورنال” عارضًا لبعض أعماله هو ونجيب محفوظ ويوسف إدريس. كتب إحسان روايات قدمت الحياة من وجهة نظر المرأة، مثل “الوسادة الخالية” (١٩٥٧). لقد ناقش أوضاع المرأة في المجتمع المصري بشكل جميل ومناسب جدًا. الحقيقة هي أن الجميع كان  يقرأ أعماله، والكل يعرف ذلك. لقد بلغت شعبيته درجة لم يصلها أحد من معاصريه. في إحدى المرات، أجرت الجامعة الأمريكية في القاهرة، مسحًا للاستقصاء عن الروائي الأكثر شعبية، وجاء إحسان عبدالقدوس على رأس القائمة.

أعتقد أن روايته “لا شيء يهم” (١٩٦٣) رائعة. عليكِ بقراءتها. قمت بلفت الانتباه إليها في العرض الذي كتبته نظرًا لما تناقشه؛ فهي في ذلك الوقت كانت القطعة الأدبية الأكثر شجاعةً في مصر منذ عام ١٩٥٢. فهي تطرح مثلًا تساؤلات عن التأميم بسخرية لاذعة.

هديل: وهل كان يُسمح بذلك؟

لوجاسيك: لقد خسر ملكيته لـ”روزاليوسف” نتيجة لذلك. لقد عرفته جيدًا وقابلته في بيته. لقد لازم منزله لأنه شعر بالإهانة نتيجة تعيين رقيب عليه في مكتبه. عرف حينها أنه قد خسر حظوته عند عبدالناصر. كانت مجلته هي الوحيدة التي كانت قد استثنيت من التأميم؛ لأن عبدالناصر كان يعرفه جيدًا، وكان يدعمه منذ البداية. فقد كان إحسان هو من قام بتفسير هزيمة العرب في ١٩٤٨، حين ابتكر فكرة الأسلحة الفاسدة. أعتقد أنه هو الذي اخترع تلك الشائعة، وهذا بالضبط ما كان يحتاجه الضباط الأحرار لكي يشيروا إلى الفساد في الحكومة المصرية وبين الوزراء ويفضحوهم.

بالمناسبة، جاء إلى “آن آربر” الجنرال “جون باجوت جلوب”- جلوب باشا قائد الفيلق العربي- لإلقاء محاضرة في جامعة “ميشيجان”، حين كنت عضوًا مستجدًا في هيئة التدريس، ولم يعرف أحد ماذا يفعلون به بعد انتهاء المحاضرة؟! تم اختياري لاصطحابه لتناول الغداء، وسألته عن قضية الأسلحة الفاسدة، فلا بد أنه يعلم، ولكنه قال إنه لم يسمع أبدًا عن هذا الأمر؛ “أسلحة فاسدة؟ أنا لم أسمع عنها من قبل، لا عن شكاوى الفساد ولا الفضيحة، لا شيء على الإطلاق”.

هديل: ألم يكن من مصلحته أن لا يعترف لك بعلمه بها؟

لوجاسيك: لا أعتقد ذلك. الجنرال “جلوب” رجل إنجليزي من الصنف الذي لا يحلم بأن يتفوه بكذبة. لقد أشار بسخرية إلى جمال عبدالناصر، قائلا: “فيما يخصني هو شخص لطيف جدًا إلا أنه يقول الكذب دائمًا”. كان البريطانيون حتى تلك اللحظة بالفعل يؤمنون بأنهم فوق الكذب. لم يكن لديهم حاجة إلى ذلك.

كان إحسان عبدالقدوس على أطراف المجموعة المحيطة بناصر معظم الوقت، وكذلك مع السادات. ولكنه كان كاتبًا مهمًا. رواية “لا شيء يهم” تعطي فكرة عن عمل المخابرات السرية في مصر حين يأخذ نفر منهم شكل مسؤولين رسميين في ملابس مدنية ويدخلون شركة هندسية ويقولون إن لديهم حاجة لبناء عدد من الفيللات لصالح الحكومة، مطالبين الشركة بالتعاون، قائلين: “ابنوا الفيللات ولا تبلغوا أحدًا. ابنوها فقط”. تخيلي كيف أنه كتب ذلك في منتصف الستينيات وعبدالناصر لا يزال يحكم البلاد، كان من السهل جدًا أن تؤخذ على محمل الإهانة. تخيلي الشجاعة اللازمة من أجل تقديم تلك الفكرة والاستعداد للتعامل مع تبعاتها. وإذا بحثت عن أية كتابات بها ذكر للمخابرات منشورة في تلك السنوات تحت حكم عبدالناصر لن تجدي كلمة واحدة.

هديل: كتب عنهم أيضًا نجيب محفوظ في رواية “الكرنك”، لكن ربما كان ذلك لاحقًا؟

لوجاسيك: كتبها قبل وفاة عبدالناصر، ونشرت بعد وفاته.

هديل: بما أنك شهدت الحقبة الوطنية التي تلت ثورة يوليو ١٩٥٢ في مصر، ماذا كان رأيك حين قامت ثورة ٢٥ يناير؟

لوجاسيك: أولًا، كانت مفاجأة ضخمة، ومفرحة، لكن طبعًا كنت قد بلغت درجة من النضج جعلتني أتشكك في أنها ستقود إلى نتيجة إيجابية بسهولة؛ هذا لأنني أعي كيف يعمل العالم؛ والقوى المحلية، والمليونيرات المهيمنين، بالإضافة إلى القضية العربية الإسرائيلية.

هديل: بما أنك كرهت عبدالناصر لهذه الدرجة، ماذا كان رأيك في السادات؟

لوجاسيك: بدا لي السادات مجرد مزحة. كان مضحكًا جدًا. لم أُكِن له احترامًا أو إعجابًا في البداية على الإطلاق؛ فقد كان محتالًا ومتمحورًا حول ذاته بالأساس. قدم نفسه بمظهر الرجل الإنجليزي، بامتلاكه كلبًا وارتدائه سترات “التويد” الإنجليزية، وما إلى ذلك. كان يعرف جيدًا كيف يتلاعب بصورته الإعلامية؛ مثل أزيائه العسكرية العجيبة، وإعادة تصميم العصا التي كان يختال بها على هيئة صولجان مصري، واستخدام الذهب، واستخدام الدين. حتى هذا كان جزءًا من الرداء الذي يضعه. كان شخصية نرجسية.

ولكن مع هذا، أعترف أنني أعجبت بشجاعته ومهاراته السياسية؛ استعادته سيناء في عام ١٩٧٣ كان مذهلًا في مفاجأته. وسأبرهن لك: كنت أقضي إجازتي الأكاديمية في مصر في خريف عام ١٩٧٢، ورأيت دلائل كثيرة على الاستعداد للحرب، وبعد عودتي “آن آربور” حضرت محاضرة في أوائل عام ١٩٧٣- للقائم بالأعمال الأمريكي في القاهرة، تحدث فيها عن ثقته في فهمنا للسادات وقناعتنا بأنه لن يقدم على أي عمل فجائي أو درامي!

هديل: وماذا كان رأيك في مبادرته للسلام مع إسرائيل؟

لوجاسيك: أعجبت بها، إلا أنني رأيت أنه كان أحمق حين ظن أن إسرائيل ستفي بما وعدت به. كنت أرى الأمر بوضوح منذ البداية. مصر كانت تريد استرجاع أرضها المحتلة بأي شكل من الأشكال، ولا يمكن أن تكون قائدًا للبلاد والكل يعرف أن أحدهم سرق أرضك. ولكنه عرّض نفسه لغضب عنيف من معارضيه، وكانوا يريدون له أن يُعاقَب. وطبعًا حدث ذلك ليوسف السباعي- أحد أعضاء وفد السلام الذي بعث به السادات حين تم اغتياله فيما بعد على أيدي فلسطينيين-، والشيء المأسوي أن السباعي هو أول من كتب رواية عربية عن القضية الفلسطينية هي “إني راحلة” (عام ١٩٥٥).

لقد قابلت السباعي- بالمناسبة- واستمتعت كثيرًا جدًا بقراءة روايته “السقا مات” (١٩٥٢). رواية أخّاذة حقًا، وبها عاطفة مؤثرة.

هديل: كتابات محفوظ بالمقارنة قد تتصف بالطابع الذهني أو الفكري أكثر من العاطفية؟

لوجاسيك: لم يكن عاطفيًا. كثيرًا ما تساءلت عن حالته الزوجية، لكنني لم أقابل أبدًا زوجته أو بناته. أعتقد أن روايته “حضرة المحترم” عمل رائع، ونظريتي الخاصة هي أنه في ذلك الوقت كان الجميع يُلح عليه لكي يكتب سيرته الذاتية، ولذلك أتساءل: إن كانت تلك الرواية تعكس وجهة نظره عن نفسه، بل ونقده الذاتي لسلبياته الشخصية؟ فهي تتشابه بشكل من الأشكال مع حياته، إلا أنني لا أدري إذا ما كان مثل بطل الرواية لديه طموحات للحصول على منصب مدير عام أو وزير.

هديل: لقد عُرض عليه بالفعل وظيفة رئيس تحرير في وقت ما، ورفض. أعتقد أنه كان يريد التركيز على الكتابة.

لوجاسيك: على كل حال، فإن بطل رواية “حضرة المحترم” ينضم إلى البيروقراطية ويستحوذ عليه طموح أن يصبح قائد الوزارة أو المؤسسة، وهكذا يعاني، ويخون الجميع ويسير فوقهم من أجل الوصول.

هديل: إذن، فأنت تعتقد أن محفوظ كان يطمح في أن يكون شيئًا مثل “وزير الرواية العربية”؟

لوجاسيك: أعتقد أن ما أراد فعله هو كسب الاعتراف الدولي به. ليس لدي شك في طموحاته. فمنذ سنوات مراهقته وهو يعتقد حقيقة بأن لديه مواهب خاصة ومهمة محددة. كان يطمح في أن يصبح أعظم كاتب في مصر.

حين قابلته أول مرة أعددت له قائمة من الأسئلة. أحد تلك الأسئلة كان يتعلق بأهم الكُتاب الذين تأثر بهم في أعماله، فأعطاني أسماء تقريبًا كل من يخطر على بالك. اسم وراء الاسم، وراء الاسم، لجميع أعلام الأدب العالمي، مما يبين أنه كان مثابرًا ومتفانيًا تمامًا مثل بطل رواية “حضرة المحترم”. كذلك هناك أيضًا العلاقة الغرامية التي مر بها في السابق، والتي يشار إليها في الرواية. لا أحد يعلم الحقيقة تحديدًا، لكنّ هناك شكوكًا أن فشل تلك العلاقة راجع لانتمائه لطبقة اجتماعية أقل من عائلة حبيبته. أو ربما كان الموضوع بالعكس؛ أي أنه ربما أحب امرأة مثل “حميدة”. من يعلم الحقيقة؟ إن اختيار زوجة غير مناسبة لم يكن ليناسب طموحه وأهدافه الشخصية، وفي النهاية ربما أنه اختار طموحه. لقد كان يكتب مقالات عن جان جاك روسو قبل أن يتخرج في الجامعة!

هديل: لا أعرف، إذا يمكنك أن تسمي هذا طموحًا، فربما أنه كان بالفعل مهتمًا بتلك الأسئلة الكبيرة، ولذلك أراد في البداية أن يكون كاتب مقال مثل طه حسين وسلامة موسى، إلى أن قرأ لتوفيق الحكيم فأصبح أكثر اهتمامًا باستخدام فن الدراما والقص لإيصال أفكاره إلى القراء. كان قرارًا مفاجئًا.

لوجاسيك: نعم، وهذا القرار تزامن أيضًا مع اتساع شهرة توفيق الحكيم، وحصوله على جائزة من الدولة.

هديل: إذن، فأنت تعتقد أنه كان معنيًا دائمًا بالجوائز؟ البعض قد يجد ذلك شيئًا منفرًا.

لوجاسيك: هو أمر منفر لي أيضًا؛ فأنا لا أحب الأشخاص فائقي الطموح. وحسب القيم البريطانية فإن الأمر كالتالي: إذا كان بإمكانك تحقيق النجاح، فهذا جيد طالما لا تحتاج أن تعمل بشقاء، أما إذا كنت ستحتاج للكد في العمل باجتهاد فائق من أجل تحقيق النجاح؛ فهذا بكل تأكيد أمر منفر.

هديل: ولكن ألم يعمل داروين، وإسحاق نيوتن بكد واجتهاد؟

لوجاسيك: نعم، ولكن هؤلاء كانوا عباقرة؛ علماء تدفعهم الرغبة إلى الاكتشاف وليس الطموح، وإذا كان عُرف عنهم العمل الشاق ربما كان هذا حَقَّر من شأنهم بشكل أو آخر. ألم يكن نيوتن جالسًا تحت شجرة حين اكتشف الجاذبية؟ انظري، الهدف من الوجود حسب القيم البريطانية العامة، هو قضاء وقت طيب بشكل عام. أن تكون سعيدًا إذا استطعت، ولكن الأهم من ذلك هو أن تنسجم مع الآخرين. لا تسئ إلى أحد. لا تحاول أن تثير غيرة الآخرين، ولا تحاول أكثر من اللازم؛ لأن الآخرين سيكرهونك. بالطبع كن ناجحًا إذا كنت موهوبًا، لكن لا تحاول جذب الانتباه.

هديل: هل كان تشارلز ديكنز مجتهدًا ومثابرًا؟

لوجاسيك: تشارلز ديكنز هو تشارلز ديكنز. لقد كان يمتلك طاقة لا مثيل لها، وكان يتمتع بعبقرية وعمق في المشاعر لا مثيل لهما.

هديل: ولكن كم عمر تلك القيم التي تتحدث عنها؟ كنت أظن أن القيم البريطانية مبنية على الأخلاق البروتستانتية التي تعظم من قيمة العمل.

لوجاسيك: أعتقد أن ديكنز كان مختلفًا؛ لأنه كان عبارة عن قلب ينبض بالمشاعر. كان مهووسًا بتصوير بؤس الطبقة السفلى وبتغيير قيم المجتمع. كان مدفوعًا بالغضب والتعاطف، وجاء طموحه كنتيجة لرغبته في التعبير عن عاطفته.

هديل: وهذا مقبول؟

لوجاسيك: نعم. في ما يهمني أنا، هذا مقبول.

هديل: كتب إدوارد سعيد مقالًا عن بعض أعمال نجيب محفوظ، وأذكر أنه وصف تعامله مع نطاق واسع من التاريخ المصري في رواية “أمام العرش” بالطموح المغرور.

لوجاسيك: لقد كان يرى نفسه ضميرًا لمصر، وهذه الرواية بالتحديد هي أقل أعماله إبهارًا. يبدو فيها وكأنه شعر بأن من واجبه أن يقوم بتقييم جميع زعماء مصر، ربما لكي يتسنى له تقييم فترتي حكم عبدالناصر والسادات بطريقة مكشوفة، ولكنه لم يوفق.

هديل: ثم إن محفوظ انحاز بالفعل للطبقات السفلى، أم لم تكن هذه قضيته؟

لوجاسيك: ليس كثيرًا في رأيي. كان بالأساس مفكرًا منفصلًا؛ كان مراقبًا. وكان يثمن القدرة على امتلاك عقل مستقل، ويقدر حرية التفكير وحرية التعبير.

هديل: وماذا عن يوسف إدريس؟

لوجاسيك: يوسف إدريس كان إنسانًا تستطيع أن تكوِّن تجاهه مشاعر إعجاب حقيقية. كان لديه حس دعابة رائع، وشخصية ممتازة. كانت صحبته ممتعة، وكان رجلًا يبعث على البهجة.

هديل: هل كان “قلب ينبض بالمشاعر” (حسب تعبيرك السابق)؟

لوجاسيك: نعم، وكان مخاطرًا. كان واثقًا من نفسه إلى درجة تقارب النرجسية، ولكنه كان شجاعاً أيضًا إلى درجة غير عقلانية. وكان عنده أيضًا شعور بأنه صاحب رسالة. وربما كان متهورًا في تجاهله للقوى التي كان عليه أن يتخطاها في سبيل تحقيق أهدافه.

هديل: وماذا كانت تلك الأهداف؟

لوجاسيك: كان هدفه تحقيق المصالحة بين الشعوب العربية. لقد كنت في مصر في إحدى المرات عام ١٩٨٥، وبحثت عن يوسف ولم أجده في أي مكان، فسألت إحسان الذي قهقه ضاحكًا، ثم أخبرني أن يوسف حصل لنفسه على تأشيرة سفر إلى إيطاليا، وكأنه ذاهب في إجازة، إلا أنه استقل طائرة أخرى ذاهبة إلى ليبيا وذهب لمقابلة القذافي في محاولة لتحقيق الصلح بين مصر وليبيا. حدث ذلك في وقت قريب من إلقاء الولايات المتحدة القنابل على ليبيا، ولذلك كان عجيبًا جدًا أن يظن أن مبارك سوف يعارض المقاصد الأمريكية. وطبعًا، تم القبض عليه فور عودته.

هديل: هل يمكن القول إن “فرافير” يوسف إدريس هم “حرافيش” نجيب محفوظ، بمعنى الطبقة الأقل حظًا؟

لوجاسيك: نعم بشكل من الأشكال. فالفرفور هو نوع صغير من الطيور، وفي عالم الطيور، إذا اعتبرنا أن منزلة النسر هي الأعلى؛ فإن الفرفور هو أقلها شأنًا. وبالمثل شخصية السيد في المسرحية تتمثل في الديكتاتور، وأقل شخص في السلم الاجتماعي هو الفرفور. إنها مسرحية فذة، ومؤثرة جدًا عاطفيًا. لقد حضرت عرضًا لها على مسرح الأزبكية، وكان من بين الجمهور العادي من يبكون بالدموع من شدة التأثر.

هديل: كثير من القراء في مصر يجدون في يوسف إدريس حسًا اشتراكيًا والتزامًا تجاه المجتمع، ويحبون مقارنته بتشيكوف؟

لوجاسيك: أعتقد أن ما اهتم به إدريس أكثر من أي شيء هو الشعور بالكرامة الإنسانية، وهذا هو ما تجدينه في كل أعماله: في مأساة بطلة رواية “الحرام” مثلًا. إن الكرامة واحترام الفرد المحور الرئيسي لأعماله.

هديل: وماذا عن إنتاجه الأدبي بشكل عام من حيث المستوى والحرفية؟

لوجاسيك: عبقري تمامًا. بل عبقري مُلْهَم. كانت كتاباته تتدفق منه، وما إن يضعها على الورق يتركها هكذا دون تنقيح، وكأنه لا يعلم من أين أتت. في بعض الأحيان كانت تتدفق منه القصة كاملة في نَفَس واحد، كما في قصة “الأورطة”.

هديل: هل تظن- مثلما يظن بعض النقاد في مصر- بأنه كان أجدر بالفوز بجائزة “نوبل” من نجيب محفوظ؟

لوجاسيك: بشكل من الأشكال، نعم. في رأيي إذا كنت تريد أن تمنح الجائزة لأكثر الكتّاب عبقرية في مجال الأدب لهذا العصر في هذا المجتمع، لكان الاختيار بين يحيى حقي ويوسف إدريس. يحيى حقي رائع وعبقري. (هل قرأت “سوسو”؟). لكن بالطبع فإن الاختيار الأكثر وضوحًا بالنسبة للّجنة كان محفوظ، نظرًا لحجم أعماله وتأثيرها.

هديل: ولأن أعماله كانت مترجمة أكثر من غيره؟

لوجاسيك: بل أستطيع أن أقول نظرًا لشجاعته أيضًا. أعماله في غاية القوة والأهمية. انظري إلى “أولاد حارتنا” وتخيلي تهور هذا الرجل وهو يصنع تلك الحكاية التي تروي قصة الديانات، ثم تنتهي إلى أن جميعها أثبتت عدم فعاليتها؛ إذ فشلت جميعًا في حل مشكلات البشر الأساسية، بما فيها الإسلام. هذا العمل عبر عنه وعن فلسفته، وعبر عن فلسفة جيل من المصريين المتعلمين موجودة خلف الستار، الأشياء التي لا يجرؤ الناس على التحدث بها. لقد طرح محفوظ في تلك الرواية مستوى من الشك يندر التعبير عنه.

هديل: لكن تلك الرؤية للدين والحداثة لم تكن ممثلة تمامًا لأعمال معاصريه، مثل “قنديل أم هاشم” ليحيى حقي؟

لوجاسيك: بل مثلت تلك الرؤية كل هؤلاء بشكل من الأشكال: يوسف إدريس مثلا وإحسان عبدالقدوس، وكذلك يحيى حقي أيضًا.. كلهم أحبوا الإسلام بشكل من الأشكال، وكلهم أحبوا الثقافة التي ورثوها وكبروا فيها. ومع هذا، فقد وجدت نفسي فيهم لأنهم كانوا جميعًا رجالًا عصريين، منتمين للعصر الحديث، وهم مثلي، متشككون في جميع الديانات. إن الأديان تبدو تقريبًا غير ذات صلة في يومنا هذا، بل ومصدر للاضطراب، لأنها تصر على الانقسامات والخلافات بين البشر، الأمر الذي لا ينبغي أن يتمناه أحد منا الآن ولا في المستقبل.

اعلان
 
 
هديل غنيم