Define your generation here. Generation What

حوارات مع جهابذة أمن قومي

عندما ينتهي  القارئ من هذه السطور، أظنه سوف يتفق معي على أن أغلب من يسمون أنفسهم خبراء أمن قومي يعيشون في عالم افتراضي، هم صنعوا أوهامه، ثم اكتشفوا أنها مريحة لأنها تعفيهم، وتعفي من يتحدثون لتبرير سياستهم من مسئولية الجهد الشاق، ولكن الحقيقي والمطلوب لحماية الأمن القومي، وتوفر ذريعة للفشل عندما يحدث، على طريقة (كنا نتوقع الطائرات من الشرق، فجاءت من الغرب) التي اضطر جمال عبدالناصر لقولها افتعالا لذريعة تعفيه من جزء من المسئولية عن التقصير العسكري المروع في هزيمة 1967، وبمضي الوقت صدق هؤلاء الخبراء أنفسهم، وبتعاقب الأجيال أورثوها من خلفهم، ثم تضامنوا في تصديرها إلى الرأي العام.

وقعت تفجيرات “طابا” الإرهابية عام 2004 في أيام انعقاد دورة تلك السنة لمعرض “فرانكفورت الدولي للكتاب”، وهي الدورة التي كانت الثقافة العربية هي ضيفة الشرف فيها، وكانت الوفود المصرية تضم عددًا لا بأس به من هؤلاء “الخبراء”، وفي كل الحوارات التي كان لا بد أن تدور حول الإرهاب في سيناء، لم يعترف أي منهم بأي خطأ أو تقصير من الدولة تجاه أهلنا في سيناء، بل انصب اللوم كله على السيناويين بوصفهم عملاء لإسرائيل، ومهربي مخدرات، ولا أمل فيهم.

وعندما قلت إن هذا حكم فولكلوري بالمعنى السلبي للفولكلور، يشبه ما صُدر إلى العامة في مصر بعد هزيمة عام 1948 في حرب فلسطين، وقيام إسرائيل، من أن الفلسطينيين شعب من الخونة، باع أرضه لليهود، وكان بدوه يقتلون أو يسلبون الجنود المصريين، كان الرد على ذلك: طبعا الفلسطينيون خونة.

قلت: كل شعب فيه الخونة، وضعاف النفوس، وعديمو الوعي، وإذا كان قد حدث شيء من هذا، فليست هناك دراسة واحدة محترمة، تؤكد من قريب أو بعيد أن نسبة يعتد بها من الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود، بل إن الفلسطينيين ظلوا يقاومون وحدهم، وقاموا بثورة “البراق” عام 1929 وبـ “الثورة الكبرى” عام 1936، ولم يوقفوا ثورتهم هذه إلا بضغوط من ملوك الدول العربية.

ثم إنهم لم ينزحوا من أرضهم ومدنهم خلال حرب 1948، إلا بطلب من الجيوش العربية التي تعهدت بإعادتهم بعد النصر على العصابات الصهيونية!!! ثم ها هم منذ 1967 يقدمون الشهداء صفوفا وراء صفوف، فكيف نصف شعبا كهذا بأنه شعب من الخونة.

أضفت: ألم يوجد خونة في مصر، من أول سلطان باشا وعلي خنفس وغيرهما من خونة الثورة العرابية، ثم جلادي دنشواي من القضاة والمدعين العامين المصريين “إبراهيم الهلباوي وبطرس غالي الأكبر”، ولا تنس ذلك الضابط الذي أعدم هو وصديقته الجاسوسة “هبة سليم” لتزويدهما إسرائيل بإحداثيات قواعد الصواريخ إبان حرب الاستنزاف.. إلخ.. مما سجلته أعمال منشورة كثيرة.. فهل نكون كلنا شعب من الخونة؟

ثم قلت من فضلكم طبقوا على أهل سيناء، ما نطبقه على عموم الشعب المصري، الأغلبية شريفة ومخلصة لوطنها، وهناك أفراد لديهم استعداد للوقوع في مستنقع الخيانة والجريمة، وربما كانت النسبة أعلى في سيناء، لقربها من إسرائيل، وتداخل العلاقات القبلية على جانبي الحدود، وضيق الرزق في شبه الجزيرة، ولكن تبقى هذه الأسباب ظرفية، ولا تعبر بالتالي عن طبيعة فطرية في سكان سيناء.

قال الخبير الذي كان يحاورني ردًا على كل ذلك: ولكنهم يقولون إن أيام الاحتلال الإسرائيلي كانت أفضل لنا، ويا ليتنا لم نعد إلى مصر، ولم تعد مصر إلينا.

قلت: لكن هذا ليس حبًا في إسرائيل، ولا رغبة حقيقية في البقاء تحت حكمها، وهو مجرد تعبير عن خيبة الأمل في السلطات المصرية، وشكوى حادة النبرة من سوء المعاملة، أو الإهمال، بدليل أنهم رفضوا جميعا في مؤتمر “الحسنة” 1968، الذي نظمه وزير دفاع إسرائيل موشي ديان، إعلان الاستقلال عن مصر.

حاول الخبير أن يفحمني فقال: إنهم بدو والبدو يغيرون الولاء بسرعة، لأنهم اعتادوا حياة الترحال.

كان ردي: ليتكم ترجعون إلى تجربة محمد علي باشا- مؤسس مصر الحديثة-، مع البدو على حواف الوادي والدلتا، وتتعلمون من هذا الرجل العظيم شيئا..

فلقد بدأ محمد علي حكمه لمصر، وليس تحت يد السلطة المركزية حقيقة إلا القاهرة الدلتا وبعض المنا طق في غرب وشرق الدلتا، وكانت بقية مصر إما تحت سيطرة المماليك- خاصة الصعيد- وإما تحت سيطرة البدو، على التخوم، وكانوا يغيرون على المراكز الحضرية في الريف والمدينة، فيقتلون وينهبون، ويعودون للاختفاء في باطن الصحراوات، ولمن شاء أن يرجع إلى الجزء الخاص بالبدو في كتاب “وصف مصر لعلماء الحملة الفرنسية”.

ماذا فعل محمد علي؟

بمزيج من الضغط العسكري، وتوفير بدائل للرزق وفرص العمل، استطاع الرجل أن يحل مشكلة البدو في مصر كلها عدا سيناء بالطبع، ويفرض بالتالي سلطة الدولة المركزية، وكانت بدائل الرزق وقتها هي توفير فرص التوطن من خلال الزراعة، ففي الوقت الذي كانت حملاته تطارد لصوصهم، منح شيوخهم التزامات زراعية في تخوم الوادي والدلتا القريبة من مضاربهم، وكانت هذه بدايات العائلات الضخمة ذات الأصل البدوي التي اندمجت شيئا فشيئا في الكتلة الرئيسية للمجتمع، وقدمت لمصر علماء وزعماء، ومستصلحي أراضي، وأصحاب أعمال تجارية وصناعية، ومن هذه العائلات: البدراوي عاشور في الشرقية، ولملوم في الصعيد، والباسل في الفيوم وشمال الصعيد وغيرها كثير.

بالطبع لم يتحقق النجاح لمحمد علي دفعة واحدة، فـ “الجيل الأول” من “البدو المتوطنين” لم يستجب بسهولة، ولم يندمج كلية، لكن هذه هي طبيعة البدايات، وعلى الحاكم وأجهزته أن يعرفوا ذلك، وألا تنكفئ نظرتهم على المدى القصير فقط.

ثم تساءلت: لو كان محمد علي هو الذى يحكم مصر الآن، في وقت أصبح فيه من الممكن توصيل مياه النيل إلى سيناء، وإقامة مصانع حديثة فيها، وفي وقت أصبح فيه من الممكن الوصول إلى أية بقعة فيها  في بضع ساعات، بالسيارة أو الطائرة، أو القطار، وهو الذي كان يركب الجمال ليسافر من القاهرة إلى السويس،  فماذا كنت تتصوره فاعلا؟

هل كان سيكتفي بوصف أهل سيناء بأنهم خونة لا أمل منهم، أم كان سينقل الحضارة والرخاء إليهم حيث هم، ويدمجهم في دولته.

بهذا السؤال الذي لم يستطع، أو لم يشأ الإجابة عنه، محدثي الجهبذ في الأمن القومي أسقط في يد الرجل، وانتهي الحوار.. فهو بالقطع لا يستطيع أن يقول إن “الرئيس” مخطئ- وكان الرئيس هو مبارك وقتها.

صواريخ حماس:

خبير ثان كان يحدثنا بانفعال صادق، وثقة لا يتطرق إليها شك، في أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، واندفع يقول: أرأيتم الصواريخ التي تطلقها حماس على إسرائيل بغزارة؟ إننا نعلم أن الإسرائيليين هم الذين زودوا حماس بها لتمكينها من غزو سيناء واحتلالها، وضمها إلى قطاع غزة حتى ترتاح إسرائيل من “دوشة” القضية الفلسطينية.

يا رجل: من أين لك هذه المعلومات التي لم يسمع عنها أحد، والتي تجافي أبسط مسلمات أكثر العقول سذاجة، فهل سلحت إسرائيل حماس سرًا من وراء الرأي العام فيها؟ وهل أخذت ضمانات من حماس أن لا تستخدم هذه الصواريخ ضدها؟!

وهل إسرائيل المتقدمة جدًا تكنولوجيا تنتج هذه الصواريخ البدائية؟

والأدهى والأمَر من ذلك: ما الحرب التي احتلت فيها الصواريخ بلادا، وضمتها إلى بلاد أخرى؟ فأين إذن المشاة والمدرعات.. إلخ؟

يا رجل إن حماس مشكلة لمصر بالقطع. ولكن ليس لأنها تريد أو تستطيع احتلال سيناء. ثم إن خطة توطين الفلسطينيين في جزء من سيناء، هي في الأصل خطة إسرائيلية أمريكية عرضت على مصر في إطار صفقة تبادل أراض مع إسرائيل، ورفضتها مصر.. وإذا حدث “لا قدر الله” أن نجحت هذه الخطة، فلن يكون ذلك بسبب صواريخ حماس البدائية، ولكن- لا قدر الله ثانية- بسبب ضعف أو تفريط من مصر ذاتها.

سد إثيوبيا

خبير ثالث ذائع الصيت جدا هذه الأيام، التقيته في حوار موسع في جهة بحثية محترمة لمناقشة قضية “سد النهضة الإثيوبي”، وفي ثنايا الحوار الذي كان ساخنا حول المؤامرات الدولية على مصر، أحببت أن أشير إلى أخطاء الأداء المصري؛ فقلت له يا فلان: إننى شخصيا ومعى الزميل عادل حمودة، سمعنا من المرحوم عمر سليمان- مدير المخابرات العامة الأسبق- في واشنطن في أغسطس عام 2009، أن إثيوبيا لن تبنى سدودا ولا تستطيع أن تبني سدودا، وأن الرجل استند في تقديره هذا إلى أن السنة السابقة على 2009، شهدت غزارة غير معتادة في الأمطار، وأن مخرج إحدى البحيرات التي تقع بها جزيرة تنتصب فوقها كنيسة تاريخية “مقدسة” قد سد بفعل الطمي، فاستصرخ الإثيوبيون مصر لكي تطهر لهم المخرج، وتنقذ الجزيرة والكنيسة، وأن مصر تكلفت في هذه العملية ملايين عدة من الجنيهات.

بماذا أجابني الخبير العتويل؟.. قال بالحرف الواحد: أؤكد أنه لو بقي عمر سليمان حيًا أو في منصبه ما كانت إثيوبيا لتبني سد النهضة.

لم يفلح سؤالي له: أليس البدء في بناء سد النهضة عام 2010 أو حتى عام 2011 يعني أن دراسات، وقياسات، وجسات.. أجريت طوال سنوات سابقة على اطمئنان الراحل عمر سليمان.. لم يفلح هذا السؤال في تقويض العالم الافتراضي الذي يعيش فيه جهبذنا.

أما أحد كبار الجهابذة فالتقانا في نادي “هليوبوليس”، ليحدثنا طويلا عن المؤامرة الأمريكية لتقسيم العالم العربي بالثورات، التي لم يكن اندلاعها متسلسلة في بلداننا صدفة- على حد تحليله، وعن التحالف السري الدائم بين إيران والولايات المتحدة ضد العرب، والذي لم يستمر مع الثورة الإسلامية هناك– رغم مظاهر العداء الخادعة بين الطرفين!!-. وعن أن أبا بكر البغدادي خليفة داعش يهودي اسمه “سيمون”، وأنه هو الذي وشي بموقع أبي مصعب الزرقاوي، لتقتله القوات الأمريكية، وأن جورباتشوف عميل أمريكي حطم الاتحاد السوفيتي بـ “الجلاسنوست” و”البيروسترويكا”، بدليل أنه يحاضر الآن في الجامعات الأمريكية.. إلخ.

وكان تعليقي الذي لم يقتنع به الرجل، وتفادى الإجابة عنه، كما يلي: هل نُظم الحكم التي قامت عليها الثورات المتسلسلة، كانت تحظى برضا شعوبها، وكانت ناجحة تنمويا وديموقراطيا، وكانت معادية للولايات المتحدة؟ أما التسلسل؛ فإن ذلك حدث في كل أقاليم العالم، فقد توالي سقوط النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية، بمجرد أن انهار أولها، وهذه نظرية الدومينو في العلاقات الدولية، وأساسها أن تطابق الظروف والخصائص للنظم السياسية في إقليم بعينه يجعلها متساندة على بعضها البعض، فإذا انهار أحدها، تبعه الآخرون، ويلعب المهم النموذج هنا دور محرك التفاعل، وهو ما حدث أيضا في التحول الديموقراطي لدول أمريكا اللاتينية، ودول جنوب شرق آسيا، وهو ما كان يحدث في عصر الانقلابات العسكرية في الدول العربية، والإفريقية، واللاتينية.

وأما التحالف السري الأمريكي الإيراني؛ فإنه افتراض مريح، لكنه ليس حقيقيًا لأن ما جرى بين الطرفين من دماء، يستحيل أن يكون مسرحية، منذ أزمة الرهائن الأمريكيين في سفارتهم بطهران، ووصف الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر من جانب إيران، والتحريض الأمريكي لصدام حسين على غزو إيران وتسليحه للاستمرار في الحرب، وتجميد الأموال، ومسلسلة العقوبات الاقتصادية.. إلخ من الجانب الأمريكي، وتكوين حزب الله اللبناني، وتسليح حماس، والتحالف مع الحوثيين في اليمن كتحركات إيرانية إقليمية ضد النفوذ الأمريكي، وضد إسرائيل، ثم أزمة البرنامج النووي الإيراني.

لكن ذلك لا ينفي أن يحدث أحيانا تعاون سري في موضوع ما في ظرف ما، مثلما حدث في فضيحة “إيران جيت” لتمويل أتباع لأمريكا في جواتيمالا، بأثمان أسلحة مهربة إلى إيران، أو في موضوع الحرب ضد داعش في العراق.. وهذا حدث ويحدث وسيحدث بين أعدى الأعداء، حتى إن شيئا مماثلا حدث بين الصهيونية والنازية لإجبار المتردين من اليهود على الهجرة إلى فلسطين.

وأما يهودية أبو بكر البغدادي؛ فإن هذا اختزال محزن لمشكلة كبرى يشبه اختزال قضية الفتنة الكبرى في صدر الإسلام في شخصية أسطورية هي “عبد الله بن سبأ”، الذي قيل إنه مولود من أم يهودية، وكأنه لم تكن هناك شقاقات، وعصبيات، وخلافات موضوعية حول الثروة والسلطة بين أطراف تلك الفتنة الكبرى.

يبقى أن جورباتشوف عميل أمريكي، لأنه يحاضر في جامعات أمريكية الآن، فأولا جامعتهم ليست كجامعاتنا.. فهي  تدعو من تشاء دون إذن من أحد، وثانيا: هل كان كل شيء على ما يرام في الاتحاد السوفيتى حين جاء جورباتشوف، أم أن كل شيء كان على عكس ما يرام حين جاء الرجل إلى السلطة في أعقاب سلسلة من القادة المنحطين الذين جمدوا الحزب والبلد، وأوصلوه إلى حد المجاعة، والمهانة، والتفكك وانعدام الكفاية، إلى حد هبوط طيار أجنبي بطائرته في الميدان الأحمر بموسكو دون أن يرصده أحد أو يمنعه أحد.. في دولة كان اسم جيشها يصيب أوروبا كلها بالرعب، وإلى حد انهيار مفاعل “تشيرنوبل” النووي إهمالا واستهتارا، بما كشف عن تحلل النظام..

 مرة أخرى يا أيها الجهابذة: لا يبلغ العدو من أحمق ما يبلغه الأحمق من نفسه.

نقطة أخيرة: لم نذكر أسماء لأن القصد ليس التشهير بأحد، وإنما القصد هو كشف حالة من الاستنامة للأوهام، تعتري الجهاز المصري منذ عقود، والتذكير بأن التشخيص غير الصحيح للمرض يستحيل أن تنتج عنه وصفة علاجية تضمن الشفاء.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد