Define your generation here. Generation What
الترامادول: أين ذهب أفيون الشعوب؟
 
 

لسنوات، كان الترامادول هو المخدر المفضل في مصر، بسبب سعره المناسب وتوافره. فحتى شهر فبراير 2015،كانسعر الشريط الواحد زهيدًا لا يتعدى 15 إلى 30 جنيهًا.

يقول محمد محمودي*وهو يتعاطى الترامادول بصفة دوريةإن سائقي التاكسي يتبادلون الترامادول ببساطة مثل السجائر، وإن المقاهي قد تقبل حبوب الترامادول بدلًا من البقشيش.

لكن على مدار الشهرين الماضيين شنت الحكومة حملة أمنية على الترامادول، ما زادمن صعوبة الحصول عليه، وأدى إلى زيادة سعره. الشريط الذي كان سعره 30 جنيهًا من قبل،أصبح سعره الآن يتراوحمن 100 إلى 150 جنيهًا تقريبًا، ويقول مستخدمو المخدر إن الشرطة تراقب التجار.

لم يعد معظم الصيدليات يحتفظ بمخزون من هذا الدواء، حسب ما قاله أحمد عبدالحكيم، الطبيب بمستشفى حميات إمبابة.

يقول نور حسيني- وكان يتعاطى الترامادول سابقًا- إن جميع الناس في منطقته كانوا يتعاطون الترامادول قبل هذه الحملة الأمنية. ويروي لنا إنه رأى في مرة طفل عمره 10 سنوات يتعاطاه. يقول: “كل الناس في مصر يتعاطونه، الفقراء والمثقفون والنساء والأطفال”.

كانت غادة والي- وزيرة التضامن الاجتماعي ورئيسة مجلس إدارة صندوق علاج ومكافحة الإدمان- قد صرحت مؤخرًا قائلة: إن 44 في المئة من المكالمات التي تلقتها مراكز الإدمان العامة خلال الشهرين الماضيين، كانت تتعلق بإدمان الترامادول. وأضافت قائلة: إن عدد المكالمات التي تلقوها خلال هذين الشهرين تجاوز 9000 مكالمة.

بدوره، صرح حسام عبدالغفار- المتحدث باسم وزارة الصحة- لـ«مدى مصر» قائلًا: إن “عدد مدمني الترامادول في مصر يقدر بنحو 700,000شخص من أصل 55,528,519 وهو عدد السكان الذين يزيد سنهم على 15عاما”.

لكن آخرين، من بينهم حسيني، يقولون إن العدد أكبر بكثير. يقول حسيني: “لقد أقلعت عنه. لكنك بمجرد أن تمشي في الشارع تجده متاحًا للبيع”.

ويتفق عمر رمضان، العامل في مستشفى خاصة لعلاج الإدمان، مع أن هناك سوقًا كبيرة للترامادول. ويوضح قائلًا: إن جزءًا من ذلك يعود إلى ما يشاع عن أنه يحسن العلاقة الجنسية؛ من خلال مساعدة من يتعاطاه على الاحتفاظ بالانتصاب لفترة أطول. يقول رمضان: “هناك أشخاص كثيرون لا يدمنون الترامادول لكنهم يستخدمونه لتحسين أدائهم الجنسي”. ويضيف قائلًا:”إن السائقين والبائعين يشكلون سوقًا كبيرة للترامادول؛ لأنه يزيد من مستوى الطاقة رغم أنه دواء مخدر”.

يقول محمودي: “كان الجميع يتعاطونه. عندما أقوم بإصلاح سيارتي، لا يريد الميكانيكي بقشيشًا، وفي المقهى لا يريدون بقشيشًا، بل يكونون أكثر سعادة إذا أعطيتهم الحبوب. ولقد بدأ الأمر يتحول إلى جزء من ثقافة الشارع بالقاهرة. عندما تمشي في الشارع يسألك الناس “مفيش حاجة عشاني؟”.

ويذكر محمودي حوارًا سمعه مؤخرًا بين الميكانيكي الذي يتعامل معه وأحد الزبائن. كان الزبون يشكو مازحًا أن أحدًا لا ينهي العمل المطلوب، وأجابه الميكانيكي قائلًا: “إحنا آسفين إن عربيتك أخدت وقت طويل في التصليح، مفيش حد بيشتغل بجد عشان مفيش ترامادول”.

ويقول محمودي، إنه رغم أن الحصول على الترامادول ما زال ممكنًا، إلا أن الأسعار الجديدة تشكل عائقًا أمام معظم فئات الشعب. “لم يعد الأمر كالماضي؛ حيث كان يمكن أن تطلب من أي شخص في الشارع أن يحضره لك. لقد كان مثل الحلوى”.

لكن رمضان يختلف مع هذا الرأي، ويقول إن الذين أدمنوا الترامادول إما سوف يستمرون في شرائه أيما كان سعره، أو سوف ينتقلون إلى مخدر شبيه له التأثير نفسه لكن أرخص سعرًا. يضيف: “هذه فكرة الإدمان”.

ورغم أن محمودي يكتفي الآن بتعاطي المخدر؛فإنه كان يتاجر فيه من قبل. ولقد شارك في سوق الترامادول السوداء المنتشرة ليجني بعض المكاسب الجانبية. ويقول موضحًا إن العاملين في الصيدليات يبيعون صناديق الترامادول للتجار، ثم يقوم التجار ببيعه مع زيادة في السعر، ليقتسم عامل الصيدلية والتاجر الأرباح.

ويقول محمودي إنه كان يجني أرباحًاجيدة من تجارة الترامادول، رغم أنه لم يفعل ذلك بشكل منتظم.

يضيف موضحًا: “سعر الشريط [الترامادول] 4 جنيهات تقريبًا، ويمكن بيعه مقابل 20 جنيهًا، وهكذا يمكنك أن تكسب 15 جنيهًا في الشريط الواحد. كان [صديقه بالصيدلية] يحضر لي صندوقًا، وهكذا كنا نكسب الكثير من المال. فأنت لا تبيع قرصًا واحدًا، بل تبيع الكثير. كنت أكسب بضعة آلاف من الجنيهات شهريًا، وهذا معدل ربح جيد بالنسبة لمصر”.

ولكن نظرًا للحملة الأمنيةالراهنة أصبح التجار أكثر حرصًا، ويقول محمودي إن العديد منهم يبيع ترامادول مُصَنَع في منازل مصرية (وإن كان ذلك التوجه قد بدأ قبل الحملة) بدلًا من المصانع. ويقول إن هذا النوع أسوأ بكثير من الترامادول العادي الذي يخضع لشروط السلامة الدوائية على الأقل.

تظهر تقارير إعلامية من حين لآخر عن حملات تقوم بها الشرطة لمداهمة الصيدليات التي تبيع الترامادول بشكل غير قانوني. وجاء في تقرير نشرته جريدة “الأهرام” القومية، أن الشرطة صادرت 1183 قرص ترامادول من صيدلي كان يبيع المخدر في السوق السوداء.

كما أن التجار أصبحوا أكثر حرصًا في اختيار زبائنهم الذين يشترون الترامادول، ولا يحضرون إلا إذا كان الزبون محل ثقة، حيث تنصب الشرطة العديد من الكمائن للإيقاع بهم.

ويخبرنا محمودي أن من يريد شراء الترامادول الآن عليه أن يذهب إلى “الأماكن السرية؛ حيث ما زال متوفرًا بسعر 15 جنيهًا. تشتريه من خلال نافذة في زقاق شديدة الظلمة. ولا يمكن أن تلمس النافذة لأنها مكهربة”. ويقول إن هناك أيضًا أشخاصًايكونون موجودين في مكان قريب للمراقبة، ليترقبوا أية إشارة لوصول الشرطة، وهناك أشخاص يحملون السيوف لحماية الزقاق.

وهناك سبب آخر لشدة حرص التجار بهذا الشكل: فعقوبة الاتجار في الترامادول تترواح بين 3 أعوام و20 عامًا- حسب الكمية التي يتم بيعها.

ويرى رمضان أن الحملة الأمنية الأخيرة كانت نتيجة التعديل الوزاري، الذي أطاح بوزير الداخلية السابق محمد إبراهيم، وجاء بالوزير الحالي اللواء مجدي عبدالغفار. ويعتقد رمضان أن تلك الحملة على الترامادول والمخدرات بشكل عام جزء من جهود عبدالغفار لإثبات وجوده في منصبه الجديد.

لكن رمضان يؤكد أيضًا أن هذا النوع من الحملات على المخدرات دوري. يقول: “هناك أربع أو خمس حملات سنويًا”.

انعكس عدم توافر الترامادول المفاجئ بالشارع على المستشفيات الحكومية في مصر. يقول عبدالحكيم إنه منذ بداية الحملة يتردد نحو 100 مريض في الأسبوع على مستشفى حميات إمبابة بسبب أعراض انسحاب الترامادول. ويقول إنهم غالبًا ما يتكتمون على السبب الذي يعانونه. “يخجلون من ذكر أنهم يتعاطون الترامادول، لكنهم يصابون بالقيء ويشعرون بالغثيان والألم”.

يقول رمضان، إنه قد لاحظ أيضًا زيادة في عدد المرضى الذين يطلبون المساعدة في علاجهم من الإدمان، لكنه يظن أن المشكلات الأخطر غالبًا تكون بسبب إدمان الهيروين أو الكوكايين.

ويوضح قائلًا إن الترامادول قد يكون مدخلًا لإدمان المخدرات. ولأن الناس سرعان ما يعتادونه يقول إن “الجرعة تزداد دائمًا، وتؤدي أحيانًا إلى ما هو أكثر من ذلك. هذا ليس عقارًا يمكن تناوله بشكل عارض في الحفلات أو في سهرة واحدة”. ويرى رمضان أن إدمان الترامادول مشكلة كبيرة للشباب تحت سن 22 أو 23 عامًا، فالأشخاص الأكبر سنًا عادة ما يكون لديهم مشكلات مع الهيروين.

يشرح عبدالغفار أن أهم الأعراض الجسدية لانسحاب الترامادول، هي: الآلام الجسدية، واضطرابات النوم، واضطرابات وآلام بالجهاز الهضمي والأمعاء. لكنه يقول إن الأعراض الجسدية تستمر بضعة أيام فقط، مقارنة بتقلبات المزاج وضعف الهمة، وهي أعراض تستمر لفترة أطول بالمقارنة.

ويقول عبد الحكيم، إن مدمني الترامادول يتلقون جرعات مخففة تدريجيًا من المسكنات لكسر الإدمان.

الترامادول مدرج حاليًا على “جدول 1 و2” طبقًا لما يقوله عبدالغفار، وهذا يعني أن الصيدليات لا تستطيع صرفه دون روشتة. لكن عبدالحكيم يقول إن الترامادول لم يعد متاحًا بالصيدليات، وإنه موجود فقط بالمستشفيات، وإن المرضى الذين يحتاجون الدواء بالفعل لمعالجة الآلام المزمنة يجدون صعوبة في الحصول عليه.

يضيف موضحًا: “المسنون من السيدات والرجال الذين كانوا يتعاطون الترامادول بشكل قانوني لم يعودوا قادرين على الحصول عليه”.

ومع ذلك فحتى من يتعاطى الترامادول مثل محمودي يظن أن هذه الحملة على الترامادول أمر جيد.

يقول: “أرى أنها [الحملة] جيدة بشكل ما؛ لأن هذه ليست طريقة لائقة للحياة. الناس تختبئ وراءه من مشكلاتهم؛ لأنه يُسَكن الألم والذهن، فلا تضطر إلى التفكير في همومك. لا يوجد العديد من الوظائف ولا يوجد مال وفير ولا يوجد الكثير من السبل المتاحة للعيش. أظن أن الناس الآن سوف ينتبهون إلى واقع حياتهم”.

* تم تغيير كل الأسماء والتفاصيل التي تفصح عن هوية متعاطي العقار وتجاره في هذا المقال.

اعلان
 
 
بِشا ماجد