Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: “سرقات صيفية”
 
 

في مقال ظريف نشرته “الجارديان”، جُمعت أقوال بعض المخرجين الذين يسخرون فيها من أعمال بعضهم البعض. بغض النظر عمّا احتواه هذا المقال من وصلات الردح الإبداعية التي عبر فيها المخرجون عن احتقارهم للطريقة التي صنع بها زملاءهم الفن، كان هناك بعض التفسيرات الإنسانية الطريفة.

قال أحد المخرجين عن زميله، إنه “شخص ممل للغاية”، وأضاف: “ولا أعني أن أفلامه فقط مملة، ولكن هو نفسه شخصية مملة للغاية. لو قابلته في حفلة سيكون آخر شخص تود الحديث إليه”. إن الربط بين الرغبة الإنسانية البسيطة في التواصل على مستوى فردي، وبين مشروع تعبيري ضخم مثل الفيلم لهو أمر جدير بالاهتمام في الحقيقة.

في عام ٢٠٠٨، ذهبت إلى العرض الأول لفيلم يسري نصرالله “جنينة الأسماك”، محمّلًا بتوقعات كبيرة ما لبثت أن أُحبطت. فور أن بدأ الممثلون في الفيلم تجنّب النظر لبعض، وإنهاء جملهم قبل أن يكون لها معنى، مبالغين في الحديث بلهجات برجوازية أنيقة، مع الابتسامات المريبة والكلمات المشفرة مثل “التانيين” و”ولّا إيه؟”، فقدت اهتمامي بالفيلم.

لم أستطع التواصل مع شخصيات الفيلم ولم أفهم أحزانهم. لم أفهم حتى ماذا كان يحدث معظم الوقت، ولسبب ما اقتنعت أن هذا كان متعمدًا. افترضت أن الفيلم أراد أن أشعر بالغباء وكرهته لذلك. كنت غاضبًا وقررت أن أركل أول شخص أقابله من صنّاع الفيلم في منطقة حساسة بغض النظر عن نوعه / نوعها. رأيت أحمد الفيشاوي في الحمام وأحجمت عن ركله لأنه كان أطول مني بكثير.

بعد ذلك بسنوات طويلة قابلت يسري نصرالله. دارت بيننا مناقشة لطيفة حول مصر، والأفلام، وحبس الصحفيين ورقص التعري. كان رجلًا متواضعًا وبسيطًا وذو روح دعابة مميزة. كانت لديه لهجة برجوازية أنيقة ولكن في الحقيقة لم تكن مستفزة.

بالأمس شاهدت فيلم يسري نصرالله الأول، “سرقات صيفية”، المصنوع في عام ١٩٨٥. في هذا الفيلم الكل تقريبًا يتحدث بلهجة برجوازية أنيقة، ولكن هذا لم يغضبني مثلما أغضبني “جنينة الأسماك”.

سمعت بهذا الفيلم لأول مرة فقط من أشهر قليلة، ربما لواحد من الأسباب التالية:

١- ليس هناك أي نجوم مشهورين في الفيلم.

٢- الفيلم ليس عن رجال أقوياء يتحاربون وينتصرون (موضوعي المفضل).

٣- الفيلم في الحقيقة عن عكس الموضوع السابق.

٤- الفيلم ليس من النوع الذي تفضله الحكومة.

٥- الفيلم من إخراج يسري نصرالله.

٦- أنا جاهل.

٧- كل ما سبق؟

أتذكر عندما قرأت عن قصة الفيلم لأول مرة وكيف قدمت جانبًا مغايرًا للجانب السائد عن قصة ثورة / انقلاب/ أيًا كان يوليو ١٩٥٢. أعجبتني طرافة الاسم للغاية. في مصر، قصة يوليو هي قصة الفقراء الذين ثاروا ضد الأغنياء، جمال عبدالناصر فشيخ، النهاية. كنت متحمسًا لرؤية الجانب الآخر من القصة: جانب الأشرار.

الفرضية الحتمية في عقلي أن الجانب الآخر هو بالضرورة جانب الأشرار هي نتيجة طبيعية لثقافة تكونت في كنف آلة دعائية مثل التي بنت عبدالناصر ومن خلفه؛ حيث الفشل والفساد هم دائمًا مسؤولية الآخرين، الأشرار. الأشرار قد يكونون المستعمر الأجنبي، ثم أي أجنبي. الأشرار قد يكونون الإقطاعي الثري الشرير، ثم الإقطاعي الثري، ثم أي ثري. الإرهابي، الإخواني، الإسلامي، المتدين، ثم أي شخص غير مقتنع ومؤيد بشكل كامل للطريقة التي تدار بها الأمور.

رؤية قطبية طفولية للعالم وكأنه حدوتة قبل النوم؛ حيث هناك خير مطلق وشر مطلق، والأخيار أخيار على طول الخط والأشرار شرحه.

قرب نهاية فيلم “سرقات صيفية”، بعد تفعيل قانون الإصلاح الزراعي- محور أحداث الفيلم- بأكثر من ٢٠ عامًا، يعود ياسر- الشخصية الرئيسية في الفيلم- لقصر أسرته الاقطاعي الذي تربى فيه في وسط الريف. مكسور ومشوه، مغطى بالذنب والصمت، مثل طبقة كاملة ينتمي لها.

لا يدافع عنه الفيلم ولا يلومه، بل يرسم صورته بدقة شديدة ليشرح كيف تكوّن، كل آلامه الطبيعية وحيرته التي جعلته يتصرف كما تصرف. الفيلم مدرك لأن البشر يتصرفون بناءً على حزمة من الغرائز الأساسية، ولكن بالرغم من ذلك بعض البشر في أماكن وظروف تجعل تصرفاتهم الغريزية تلك تعني أشياءً مختلفة تمامًا.

في “سرقات صيفية”، هناك أكثر من قصة حب مرتبطة بالتملّك. الكثير من قصص الحب هي عن ذلك، والخوف الإنساني الطبيعي من الفقدان أو الخسارة يتحكم بقوة في الطريقة التي نعامل بها من نحب.

الفيلم مدرك لعلاقات وروابط ما بين شخوصه مختلفة تمامًا في تركيبها وتشابكها ومعني التملّك فيها. علاقات تجعل من مستوى الكفاح العاطفي السطحي الذي يمارسه الأشخاص تجاه بعض في الفيلم يبدو طفوليا وإنكاريا ومع ذلك مثير للشفقة والتعاطف.

في المشهد المذكور من قبل، تشاهد العائلة في التلفاز الفيلم الشهير “رد قلبي”، الذي صنع في عام ١٩٥٧، والذي يحتفي بيوليو. دون أن نرى الشاشة نسمع الحوار الدائر بين اثنين من ضباط الجيش يناقشون الظلم الواقع على الشعب المصري من الفسدة والأثرياء بأسلوب بلاغي مسرحي مهيب، بينما يحكي ياسر لزوج أمه، بكآبة، عن عمله في لبنان مصورًا للحرب.

يضع “سرقات صيفية” نفسه في مقارنة رمزية جدًا مع “رد قلبي”، مقارنة لها صدى في لحظة سابقة في الفيلم، عندما تقيم الأسرة الثرية حفلة للفلاحين في اليوم نفسه الذي يلقي فيه جمال عبدالناصر خطبة. تفشل الحفلة بالطبع فشلًا ذريعًا، ويعود الفلاحون من الخطبة على شاحنة مكتظة مهللين فرحين، بما سمعوه، وبالخمسة وعشرين قرشًا التي قبضوها.

يستكشف “سرقات صيفية” مفهوم الشعبية، والشعبوية، والتقبل والرغبة. يتقبل الفيلم شخصياته ورغباتهم الطفولية الأنانية، ويمنح نفسه التقبل ذاته. يدرك الفيلم أن حرفيته المتزنة وافتقاره للميلودراما المثيرة لن يجعله في شهرة ونجاح “رد قلبي”، ولا في نصف شهرته، ولا حتى مشهورًا على الإطلاق. كان هذا قرار أخذه الفيلم، وتعامل مع تبعاته.

كنت مرة في مكتب مخرج ومنتج سينمائي مشهور يصنع الكثير من الأفلام التجارية الناجحة. كان يتحدث عن خالد يوسف، مخرج منافس يجيد صنع المال من السينما أيضًا. الإثنان بالنسبة لي كانا في الخانة نفسها. كان الرجل يتحدث عن مشهد معين في فيلم خالد يوسف لم يعجبه. قال: “بلدي قوي القطعة دي، خالد مخرج فلاحي قوي”.

كانت أول مرة أستمع فيها لنقد سينمائي على أساس طبقي. فكرت كثيرًا وقتها عما يجعل الفيلم فلاحي، وما يجعله عكس ذلك. لهجة شخصيات نصرالله لم تكن الشيء الوحيد البرجوازي في الفيلم سينمائيًا. تقريبًا كل جانب من جوانب الفيلم كان يعكس بدقة خلفية نصرالله وتعليمه.

الاستخدام الاقتصادي الكئيب للضوء والتكوينات البسيطة الخاوية أعطت الفيلم مذاقًا أوروبيًا جدًا. الموسيقى الكلاسيكية المنبعثة من بيانو شبه وحيد معظم الوقت، أكدت رغبة الفيلم في أن يضع نفسه في مكانة رفيعة، تمامًا مثل الكاميرا التي داومت على اعتلاء بلكونات المنزل وعتباته العالية ناظرة لأسفل تجاه الفلاحين الفقراء. كان طاقم التمثيل واقعيًا للغاية من ناحية الطبقة. معظم الممثلين لم أرهم من قبل وبدوا كأشخاص ينتمون بالفعل للعالم الذي ينتمي له نصرالله والفيلم. إنه واحد من أفلام قليلة للغاية تتحدث عن هذه اللحظة الأسطورية في تاريخ مصر دون زعيق مستمر وخطب رنانة وأجواء سوڤيتية هيستيرية طوال الوقت. هناك تركيز كبير أيضًا على أسلوب الحياة، وجماليات المتع الحسية التي تمتع بها الإنسان الثري في مصر في الستينيات.

“سرقات صيفية”، هو نموذج جيد لقدرة السينما على اجتياز تحدي الزمن. شيء محزن أن نعيش مرارًا وتكرارًا في تاريخ يكتبه الآخرون نيابة عنا بطريقة مغايرة لما شهدناه أو أحسسنا به. يشعر البعض بضرورة إعادة صياغة التاريخ بالشكل الذي يتناسب مع مصالح العامة أو أمن الوطن، ولكن الفنان الجيد هو الذي لديه القدرة على صنع شيء يبقى حتى يستقر الغبار، ويهدأ الناس ويجلسون ليعيدوا النظر فيما حدث. ويفكروا من جديد.

اعلان